|
| يتوسع الظواهري في تبرير قتل المدنين |
يواصل الشيخ سيد إمام، مفتى ومؤسس تنظيم الجهاد فى مصر، الحديث عن «تأشيرة الفيزا»، وما إذا كانت تعد عقد أمان من عدمه، متهمًا، كما جاء فى الحلقة الماضية، الدكتور أيمن الظواهرى، الرجل الثانى فى تنظيم القاعدة، بالاعتماد على موسوعات أجنبية فى الحصول على المعلومات الشرعية، وهو ما يجعله جاهلاً بأمور الشريعة.
وفى هذه الحلقة من وثيقته «التعرية لكتاب التبرئة» يواصل إمام تأكيده رفض قتل الأمريكيين باعتبارهم رؤوس الكفر فى هذا الزمان، باستغلال تأشيرة الدخول أو «الفيزا»، لأن الفيزا تعد عقد أمان، كما أكد رفضه أيضًا للقول بأن تأشيرة دخول السياح بلاد المسلمين ليست أمانًا لهم من القتل، وقال بأن استحلال دماء السياح، بسبب عدوان حكوماتهم علينا بدعة، هدفها تبرير عمليات القتل بالجملة.
ويصف الشيخ سيد إمام، فى وثيقة التعرية التى تعد مراجعات ثانية لتنظيم الجهاد قول الظواهرى، وبن لادن، بأنه لا يتكلم فى أمور قتل الأمريكيين، إلا شيوخ الجهاد، بأنه بدعة قبيحة، تنم عن جهل بالدين، أرادوا بها المشاغبة على من ينتقدهم، مشيرًا إلى أن أصحاب هذه البدعة كانوا يلقبونه بـ«مفتى المجاهدين فى العالم»، و«العالم المرابط.. والمفتى المجاهد».
يقول الشيخ سيد إمام: فى صفحة ١١٠ من كتاب (التبرئة) قال ناصر الفهد، ردًا على سؤال (هل تعتبر تأشيرة «الفيزا» عقد أمان؟ وإذا كانت كذلك فهل يُعتبر المجاهدون الذين فجروا برجى مركز التجارة الأمريكى، ناقضين لذلك العقد؟) فأجاب الفهد (الصحيح أن التأشيرة تعتبر كعقد الأمان عرفًا ولا بد من الوفاء بهذا العقد، فمن دخل بلاد الكفار ولو كانوا حربيين عن طريق التأشيرة فقد أمنهم، فلا يجوز له بعد ذلك الغدر، سواء فى أنفسهم أو أموالهم، ومن فعل ذلك فإنه يدخل تحت الوعيد الشديد.
وأما عمليات ١١ سبتمبر فهى صحيحة بناء على أن الأمريكان رؤوس الكفر فى هذا الزمان وممن آذى الله ورسوله أعظم الأذى، فهم شعب كامل يكمل بعضه بعضًا، لأنه لا وزن للرئيس ولا للبنتاجون ولا للجيش بدون الشعب.. فإذا علمت هذا تبين لك أنهم كشخصية اعتبارية أشبهت من هذا الوجه كعب بن الأشرف الذى حث الرسول «صلى الله عليه وسلم» على قتله، واحتال عليه محمد بن مسلمة وأظهر له الأمان ثم قتله لأنه آذى الله ورسوله.. وهذا هو حال الأمريكان فى هذا الزمن)أهـ. هذا كلامه الذى احتج به الظواهرى.
وكلام الفهد هذا فيه تخليط وجهل شديد ومعارضة للنصوص الصريحة. أما تخليطه فهو قد خلط بين أمان الدول للدول وبين أمان الدول للأفراد، وأما قوله إن الصحابة أمّنوا كعبًا ثم قتلوه، فكلام فاسد ردّ عليه محمد بن مسلمة نفسه فى قصته مع معاوية.
وأما جهله ومعارضته للنص الصريح الذى لم يذكره: فإن أمريكا مهما بلغ من عدوانها على المسلمين فليست فى الإجرام بمنزلة من قاتل النبى «صلى الله عليه وسلم» نفسه، فلا شك فى أن من قاتل النبى «صلى الله عليه وسلم» أشد إجرامًا ممن قاتل غيره من المسلمين. وكل كافر يأتى بعد قريش فى هذه الدنيا وإلى يوم القيامة فما هو إلا مجرد تابع لها، مهما بلغ كفره وعدوانه، وهذا بنص حديث النبى «صلى الله عليه وسلم»: (الناس تبع لقريش فى هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم) رواه البخارى (٣٤٩٥).
فأمريكا وكل كافر ما هم إلا تابع لقريش التى أخرجت النبى «صلى الله عليه وسلم» من داره وبلده وسبته بأقبح الشتائم والأشعار، ومع ذلك لما عاهدهم حذيفة بن اليمان على ألا يقاتلهم فى بدر، أمره النبى «صلى الله عليه وسلم» بالوفاء بالعهد رغم خروجهم لقتال النبى «صلى الله عليه وسلم» نفسه.
قال حذيفة «رضى الله عنه» (ما منعنى أن أشهد بدرًا إلا أنى خرجت أنا وأبى حُسيل، فأخذنا كفار قريش قالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منها عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فأخبرناه الخبر فقال «انصرفا، نفى لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم») رواه مسلم (٤٦٥٧).
وهذا نص فى محل النزاع يرفع الخلاف، فبالرغم من خروجهم لقتال النبى «صلى الله عليه وسلم» نفسه أمر حذيفة بالوفاء بعهده معهم، لأن عهد المسلم مع الكفار (ومنه أمان التأشيرة) هو عقد شخصى بينه وبينهم لا ينقضه عدوان الكفار على غيره من المسلمين، بدليل حديث حذيفة، وبدليل قول الله تعالى: {.. وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق...} (الأنفال: ٧٢)
ولهذا قال الشافعى رحمه الله (فصل فى المستأمن فى دار الحرب: إذا دخل قوم من المسلمين بلاد الحرب بأمان فالعدو منهم آمنون إلى أن يفارقوهم أو يبلغوا مدة أمانهم، وليس لهم ظلمهم ولا خيانتهم، وإن أَسَر العدو أطفال المسلمين ونساءهم لم أكن أحب لهم الغدر بالعدو، ولكن أحب لهم لو سألوهم أن يردوا إليهم الأمان وينبذوا إليهم، فإذا فعلوا ذلك قاتلوهم عن أطفال المسلمين ونسائهم) (الأم) ٤/١٦٥، وكرر هذا فى ٤/١٨٩.
ترك ناصر الفهد كل هذا واحتال فى التماس الأعذار لمنفذى ١١/٩، فألجأه ذلك إلى اتهام الصحابة بل النبى «صلى الله عليه وسلم» بالغدر فى حادثة كعب بن الأشرف، وفاعل ذلك حكمه معروف لأهل الإسلام، وتلك عقوبة من أعرض عن نصوص الشريعة الصريحة واحتال عليها من أجل فقه التبرير الذى ذكرته بالبند الثانى من الوثيقة.
وصف الله سبحانه الكفار بأنهم أهل الغدر والعدوان فى قوله تعالى: { لا يرقبون فى مؤمن إلاً ولا ذمة وأولئك هم المعتدون} (التوبة: ١٠)، ومع ذلك أمرنا سبحانه أن نفى لهم إذا عاهدناهم فقال تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم...} (النحل: ٩١)، وقال تعالى: {يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود...} (المائدة: ١)، لأن الكفار يفعلون ذلك للدنيا، أما المسلمون فيوفون تعبدًا لله وطاعة له.
ولم يكتف ناصر الفهد فى التماس العذر لمنفذى ١١/٩ فى نقض التأشيرة، بل التمس لهم العذر أيضًا فى كلامه السابق لتبرير قتلهم الأمريكان بالجملة فى برجى مركز التجارة العالمى، فاخترع لهم قبيحة من قبائحه وهى بدعة (الشخصية الاعتبارية) التى جعلت ثلاثمائة مليون أمريكى يساوون فردًا واحدًا مثل كعب بن الأشرف، وبما أن قادتهم يعادون المسلمين وبما أنه لا وزن لقادتهم إلا بالشعب فيجوز قتلها، فأباح لهم الفهد بذلك قتل المدنيين (غير المقاتلة) بمن فيهم مسلمو أمريكا، وهذه مثل القتل بالجنسية والضرائب وهى بدعة باطلة لأسباب:
- منها أن الله سبحانه لم يجعلهم بمرتبة واحدة بل قال تعالى: { ليسوا سواء...} (آل عمران: ١١٣).
- ومنها أن الله سبحانه قد ذم أهل الكتابين لإنكار كل منهما ما لدى الآخر من الحق والفضل فى قوله تعالى: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء...} (البقرة: ١١٣)
- ولم يجعل النبى «صلى الله عليه وسلم» كفار قريش بمرتبة واحدة بل مدح بعضهم كالمطعم بن عدى وعبدالله بن جدعان وأبى العاص بن الربيع، ونهى عن قتل بعضهم رغم خروجهم لقتاله فى بدر كعمه العباس وأبى البخترى بن هشام.
- ومنها أن قادة الفرس والروم لم يكن لهم وزن إلا بمدد شعوبهم ومع ذلك لما قاتلهم الصحابة لم يطبقوا عليهم نظرية (الشخصية الاعتبارية) التى اخترعها الفهد للتبرير، ولم يجعلوهم كرجل واحد بل قتلوا من انتصب لحربهم فقط وقد سبق هذا بأدلته، كنهى عُمر «رضى الله عنه» عن قتل الفلاحين.
- ومنها أنه بالرغم من كل من قتلهم فرعون من أبناء بنى إسرائيل، وبالرغم من طاعة قومه له كما قال تعالى: {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قومًا فاسقين} (الزخرف: ٥٤)، ومع ذلك أخطأ موسى - عليه السلام - بقتل رجل واحد منهم، وذكرت ذلك من قبل، فلم يجعلهم الله كيانًا واحدًا ولا شخصية اعتبارية بل فرّق بينهم.
ومنها أن الروم (وهم اليوم أهل أوروبا وأمريكا) لهم فضائل أقرّ بها الصحابة رضي الله عنهم ومنها ما رواه مسلم فى صحيحه عن المستورد القرشى قال سمعت رسول الله «صلى الله عليه وسلم» يقول: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس) فقال عمرو بن العاص (لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرّةً بعد فرّةٍ، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك) رواه مسلم (٧٣١٣)، ولأجل هذه الخصال الحسنة يفر إليهم كثير من المسلمين، خاصة فى هذا الزمان إما فرارًا بالدين وإما طلبًا للدنيا، ويجدون لديهم من الحرية وسعة العيش ما لا يجدونه فى بلادهم.
وما شهد به عمرو بن العاص لهم (وأمنعهم من ظلم الملوك) مازال قائمًا إلى اليوم، ومنذ احتلال العراق فى ٢٠٠٣م عزلت بعض هذه الشعوب رؤساء الوزارة لديها اعتراضًا على التحالف مع أمريكا، فعزل الإسبان أزنار، وعزل الأستراليون جون هوارد، ومازالت المظاهرات الاحتجاجية تجوب بلاد أمريكا وحلفائها، فهم ليسوا شخصية اعتبارية واحدة، ومنذ أيام قام أكبر القساوسة فى بريطانيا بموقف لصالح المسلمين، وقد قال الله تعالى: { ... ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى...} (المائدة: ٨)، كما تم عزل تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا وقت احتلال أفغانستان والعراق.
بمثل هذا الفهم المنحرف (نظرية الشخصية الاعتبارية) يؤسس ناصر الفهد لمذهب القتل بالجملة، ويترك الظواهرى كلام الله وكلام النبى «صلى الله عليه وسلم» ثم يترك كلام الشافعى والشيبانى وعلماء السلف ويحتج بالكلام الفاسد للفهد، وبمثل هذا يتم تحريف الدين وتبديله، ويتم تبرير سفك الدماء بالجملة، وقد قال الإمام مالك رحمه الله (أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما أنزل الله على محمد «صلى الله عليه وسلم» لقوله)، فهل نترك حديث حذيفة بن اليمان لبدعة ناصر الفهد؟.
وأما سبّ النبى «صلى الله عليه وسلم» فلا ينقض العهد مع الكفار الvحربيين لأن هذا جزء من دينهم (ذكره ابن تيمية فى مجموع الفتاوى، ٣/٢٩١)، ولهذا أمضى لهم النبى «صلى الله عليه وسلم» صلح الحديبية رغم سبّهم له وعدم اعترافهم به وطلبوا محو صفة الرسالة عنه فى صيغة العقد، ورغم سبّ عروة بن مسعود للصحابة ووصفهم بالأوباش أمام النبى «صلى الله عليه وسلم».
أما الذى ينتقض عهده بسب النبى «صلى الله عليه وسلم» فهو الذمى المقيم فى دار الإسلام لالتزامه جريان أحكام الإسلام عليه بموجب عقد الذمة، كما ذكره ابن قدامة فى نواقض عقد الذمة بآخر كتاب الجهاد فى (المغنى مع الشرح الكبير) ١٢/٨٠٩ ط دار الحديث، وفيه ذكر ابن قدامة أن من نواقض عقد الذمة (ذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء) أهـ. فتأمل تلبيسهم وخلطهم المسائل الفقهية بعضها ببعض من أجل تبرير التوسع فى سفك الدماء.
وقد ذكرت من قبل أن هذا الشيخ الجاهل ناصر الفهد يجب منعه من الفتوى لإفتائه بخلاف الأصول كما ذكره ابن القيم فى (إعلام الموقعين) ٤/٢١٧، ويجب عليه ضمان ما أتلف بسبب فتاواه كما ذكره ابن القيم فى (إعلام الموقعين) ٤/٢٢٦.
والخلاصة: أن من دخل بلاد الكفار بالتأشيرة تحرم عليه خيانتهم ولو اعتدوا على غيره من المسلمين، لأن التأشيرة عهد شخصى بينه وبين الكفار كما فى حديث حذيفة.
وأما قولهم (إن تأشيرة دخول السياح بلاد المسلمين ليست أمانًا لهم من القتل والخطف)كما ذكره الظواهرى فى صفحات ٧٩ و١٥٢ و١٥٣ من كتابه (التبرئة)، فقد رددت على ذلك بما يشفى فى البند السابع (بالوثيقة)، ويكفى من كل ما ذكرته هناك قول أبى عُمر بن عبدالبر (كل ما اعتبره الحربى أمانًا من كلام أو إشارة أو إذن فهو أمان يجب على جميع المسلمين الوفاء به) من كتابه (الاستذكار فى شرح مذاهب علماء الأمصار) ٥/٣٥، فمن دخل بلادنا بإذن من أى جهة فهو آمن.
وكل من دخل منهم بلادنا بأمان غير صحيح فليس حكمه القتل والخطف وإنما حكمه كما قال الشافعى رحمه الله (فعلينا ردّهم إلى مأمنهم ولا نعرض لهم فى مالٍ أو نفسٍ، من قِبَل أنهم ليسوا يفرقون بين مَن فى عسكرنا ممن يجوز أمانه ولا يجوز) من (الأم) ٤/١٩٦، وهذا كما قال الله تعالى: {... ثم أبلغه مأمنه... } (التوبة: ٦)، أى إلى حيث المكان الذى يأمن فيه على نفسه.
هذا كلام الله سبحانه، وهذا كلام علماء المسلمين، أما الظواهرى وأصحابه فيقولون اقتلوا السياح واخطفوهم فليس لهم أمان مع أن الظواهرى نفسه سافر إلى عدد من بلاد أوروبا وإلى أمريكا وغيرها وقضى مصالحه فيها وخرج منها سالمًا لم يتعرض له أحد بسوءٍ لا بقتل ولا بخطف، وقد قال الله تعالى: {وفى أنفسكم أفلا تبصرون} (الذاريات: ٢١).
ولم يكتف الظواهرى بتطبيق بدعة (الشخصية الاعتبارية) للفهد ليستحل بها نقض عهد الأمان للمسلم إذا دخل بلاد الكفر، بل استعمل نفس البدعة ليستحل بها قتل السياح فى بلاد المسلمين بسبب عدوان حكوماتهم على المسلمين، فقال (وقد بيّنت أن الطائفة الممتنعة المعتدية كالشخص الواحد) صفحة ١٥٤ من كتابه (التبرئة).
هذا كلامه وهذا جهله وهو مصادم للكتاب والسنة، فإن النبى «صلى الله عليه وسلم» لم يجعل الكفار المعتدين شخصًا واحدًا رغم أنف ناصر الفهد والظواهرى بل فرّق بين المقاتل وغير المقاتل، وأجرى على المقاتل حكم طائفته (كما أجرى على عمه العباس حكم الكافر فى الأسر والفداء يوم بدر)، فى حين نهى النبى «صلى الله عليه وسلم» عن قتل غير المقاتل حتى والحرب قائمة، كما نهى عن قتل النساء والصبيان والعسيف (الأجير) ونحوهم فليسوا شخصًا واحدًا.
كما زعموا لتبرير القتل بالجملة بلا تمييز، بل بينهما فرق، أما الظواهرى فيريد أن يستحل قتل أى فرد من الشعب إذا جيشه قاتل أى مسلمين، وبذلك يستحل قتل السياح من أى دولة معادية للمسلمين، وكلامه هذا يفضى إلى استحلال قتل الملايين من السياح والعمال الأجانب فى بلادنا لأنهم هم وحكومتهم وجيوشهم (كالشخص الواحد) عند الظواهرى والفهد ولكن الأمر ليس كذلك عند النبى «صلى الله عليه وسلم».
وقد كان كل ما سبق هو فى نقد مذهب ابن لادن والظواهرى فى تبرير القتل بالجملة، خاصة قتل المدنيين. وبقيت كلمة هنا: وهى أن تعمد قتل المدنيين فى العمارات والقطارات والأسواق بل والمساجد وغيرها هو نوع من الإقرار بالعجز عن مواجهة العسكريين من الأعداء، كما أنه إقرار بالعجز عن الوصول للأهداف العسكرية، وكلاهما إقرار بالجبن.
وقد ألجأهم الجبن والعجز إلى قتل من وردت الشريعة بالنهى عن قتلهم وهم المدنيون غير المقاتلين من الأعداء بل ومن المسلمين أيضًا. الله سبحانه أنزل قرآنًا يتعبد المسلمون بتلاوته إلى آخر الزمان، بسبب التسرع فى قتل رجل واحد مقاتل من الكفار، أمَر فيه سبحانه بالتبين مرتين، فقال تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا - إلى قوله - كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا..} (النساء: ٩٤)، وفى نفس هذه الحادثة اشتد إنكار النبى «صلى الله عليه وسلم» على أسامة بن زيد رضى الله عنهما، هذا بعض ما ورد فى الكتاب والسنة للزجر عن التسرع فى القتل.
أما الظواهرى فيتفانى فى تبرير الإسراف فى القتل بالجملة، ويتفانى فى تبرير قتل المدنيين الأبرياء غير المقاتلين، مرة بدعوى القتل بالجنسية، ومرة بسبب دفعهم الضرائب، ومرة بدعوى التترس، ومرة بدعوى إطلاق المعاملة بالمثل، ومرة بدعوى الشخصية الاعتبارية، وهكذا إصرار من ابن لادن والظواهرى وناصر الفهد على تبرير التوسع فى القتل والإجرام، وشهية مفتوحة لسفك الدماء.
وأما بدعة (لا يتكلم فى هذه الأمور إلا شيوخ الجهاد) فبدعة قبيحة تنم عن جهل بالدين، أرادوا بها المشاغبة على من ينتقدهم، وقد رددت عليها فى الحوار الصحفى الملحق بالوثيقة.
وبدعتهم هذه مصادمة لقول الله تعالى: {..فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (النحل: ٤٣). وصِفة المفتى معروفة فى كتب العلم وكتب أصول الفقه وليس فيها شرطهم هذا، وقد قال النبى «صلى الله عليه وسلم»: (كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط) متفق عليه.
ولم يختلف العلماء فى أن فتوى الأعمى والأعرج والمريض والمرأة مقبولة إن كانوا من أهل الفتوى، وكذلك كان بعض المفتين من الصحابة مع أن هؤلاء ليسوا من أهل الجهاد ولا من شيوخه، فهل لا تقبل فتاواهم على مذهب ابن لادن؟.
أئمة المذاهب الفقهية الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعى وأحمد بن حنبل، وأئمة الحديث كالبخارى ومسلم، لم يكونوا من شيوخ الجهاد والرباط فهل لا يقبلون كلامهم؟ رحمهم الله أجمعين.
محمد بن الحسن الشيبانى صاحب كتاب (السير الكبير) وهو من أقدم الكتب فى فقه الجهاد ومن أكبرها، لم يكن من شيوخ الجهاد، وهو من أهل العراق، وكتب أولا (السير الصغير) فاستغرب الإمام الأوزاعى وهو من أهل بيروت وكانت من ثغور الجهاد أن يؤلف عراقى فى الجهاد، فكتب الشيبانى (السير الكبير) فشهد له الأوزاعى بالعلم رحمهما الله.
بقى أن تعلم أن أصحاب هذه البدعة كانوا يلقبوننى بـ(مفتى المجاهدين فى العالم) و(العالم المرابط والمفتى المجاهد).
كما بقى أن تعلم أن هؤلاء الشيوخ المجاهدين المرابطين كانوا أول من يهرب من المعارك سواء أيام الجهاد ضد الروس أو بعد الاحتلال الأمريكى لأفغانستان، حتى كان منهم من هرب متخفيًا فى ثياب النساء، وليس هذا محل تفصيل ذلك، ولكنهم يستغلون جهل الناس بما حدث. ولقد كان أميرهم الملا محمد عُمر من شيوخ الجهاد، هل استفتوه أو استأذنوه فى ١١/٩؟ والجواب: لا.
صحفي مصري
*نقلا عن جريدة المصري اليوم
|