|
| طارق الكحلاوي |
توقعات وآراء عربية وإسلامية متباينة حول التغييرات المحتملة في السياسة الأمريكية الخارجية في ظل إدارة الرئيس القادم باراك أوباما، تتراوح بين التفاؤل الحذر والتشاؤم المطلق. وما بين هذا التفاؤل والتشاؤم يتناسى الكثيرون رحلة أوباما الانتخابية الطويلة وفريق عمله ومستشاريه الذين شكلوا معه ما يمكن أن يطلق عليه فلسفة التغيير في سياسات أمريكا الخارجية، والذين يتوقع أيضا أن يكون لهم، إلى جوار أوباما، دور رئيسي في سياسات أمريكا الشرق أوسطية.
حول هذا الموضوع، التقت شبكة "إسلام أون لاين.نت" بالخبير الإستراتيجي الدكتور طارق الكحلاوي أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة "روتجرز" الأمريكية، حيث حث على عدم التسرع في إصدار الأحكام المسبقة حول سياسات أوباما المتوقعة، ورأى أن ثمة تغييرا سيحدث، لكنه على أي حال لن يكون تغييرا راديكاليا.
ويشرح الكحلاوي في هذا الحوار، المراحل التي مرت بأوباما خلال حملته الانتخابية فيما يختص بالملفات الخارجية، وخاصة تجاه الشرق الأوسط، وكيف تغير فريق مستشاري أوباما أكثر من مرة، حتى وصل عشية الحملة مباشرة إلى تكوين مزيج متعدد من مستشارين ضموا أطيافا سياسية مختلفة ونظرات متباينة لمجال العلاقات الدولية.
ويرى الكحلاوي أن مجمل النسق الخطابي لأوباما إنما يعبر عن وجود فلسفة تقوم على أولوية الدبلوماسية على القوة في مجال العلاقات الدولية، ومن ذلك طرحه شعار "الحوار مع الأعداء"، لكن هذا الخطاب يخلو من أية تفصيلات تتعلق بمواقف محددة في تنفيذ السياسة الخارجية.
ومن ثم فإن كيفية معالجة أوباما لملفات كالحرب على "الإرهاب" أو الانسحاب من العراق، أو كيفية عمل فريقه في إدارة الصراع الإسرائيلي، إنما تبدأ أولا من دراسة حملته الانتخابية وصولا إلى الأسماء المتداولة اليوم لشغل مناصب رفيعة في الإدارة الجديدة، وثانيا لا ينفصل ذلك عن المعطيات القائمة داخل أمريكا من أزمات مالية وغيرها، إلى معطيات خارجية تتعلق بالأولويات الهامة لدى الإدارة الجديدة.
وفي ما يلي نص الحوار:
* فاز رافع شعار "التغيير" باراك أوباما برئاسة أمريكا.. هل تتوقعون، وفقا لما هو معلن في برنامجه الانتخابي وتصريحاته المختلفة، أن يحدث أوباما "تغييرا" في سياسة الولايات المتحدة الخارجية بشكل عام؟
- أولا ثمة إجابة قصيرة على هذا السؤال الذي يتطلب وضع الحدود العامة لهذه المعضلة، أي معضلة السياسة الخارجية الأمريكية، والتي لا يجب التعامل معها بتسرع كما يفعل البعض سواء بالاستنتاج بأنه "لن يكون هناك تغيير" أو أنه "سيوجد تغيير راديكالي"، فالإجابة القصيرة هي أنه سيوجد تغيير لكن يبقى أن نبحث ماهية هذا التغيير.
أما الإجابة الطويلة فأكثر تعقيدا بكثير، وأعتقد أنه يجب اتخاذ الحيطة في هذا الملف، من خلال التفرقة بين مستويين: الأول المستوى الخطابي الذي تبناه أوباما، والثاني مجمل المعطيات القائمة.
والحقيقة أن خطاب أوباما يخلو من أي تفصيلات تتعلق بمواقف محددة في السياسة التنفيذية، بل هو مجرد فلسفة عامة مؤطرة تقوم على محور أساسي هو أولوية الدبلوماسية على القوة، ومن ثم مركزية شعار "الحوار مع الأعداء"، ويستحضر أوباما في ذلك سياسات الرئيس الراحل جون كينيدي في سياق الحرب الباردة.
ويستهدف هذا الشعار المركزي بشكل خاص التمايز عن "عقيدة بوش" أو ما أصبح معروفا بـ"إستراتيجية الحرب الاستباقية"، ولقي شعار أوباما هذا تجاوبا، خاصة من قبل الرأي العام الأمريكي الذي فهم جيدا مأزق سياسات القوة كما أدارتها مجموعة المحافظين الجدد، والنظر إلى ماكين باعتباره امتدادا لسياسة بوش، خاصة أنه كان ينوي تعيين أقطاب قدامى من المحافظين الجدد وخاصة من مركز أبحاث "مشروع من أجل قرن أمريكي جديد"، في إدارته في حالة فوزه في الانتخابات.
الأمر الآخر أن موضوع "التغيير" في السياسة الخارجية لأوباما يجب أن ينظر إليه كنقطة رئيسية ضمن السياق العام الذي سمح لأوباما بالوصول إلى السلطة. ويعتبر السبيل الوحيد المتبقي لمحاولة استشراف أي سياسات تنفيذية هو قراءة خريطة مستشاري أوباما المتغيرة عبر الأشهر الأخيرة.
فقد كان أوباما في بداية حملته شديد الحرص على أن يحيط نفسه بنمط من المستشارين التقليديين للمرشحين الديمقراطيين. وهكذا كان مارك ليبرت مستشاره الشاب للشئون الخارجية في ربيع 2007 يعمل تحت إشراف "واقعي تقليدي" مثل ريتشارد هولبروك.
لكن في هذه الأثناء بالذات نشأ داخل وحول الحزب الديمقراطي تيار جديد من "الواقعيين الجدد" الذين كانوا يحاولون التمايز بشكل أكثر جدية وعمقا عن تيار المحافظين الجدد وحتى عن الواقعيين التقليديين، وهو تيار يركز على صياغة التحالفات ليس على أساس ثوابت إستراتيجية ذات خلفيات أيديولوجية أو عقدية، وهو الأساس الذي يطرح المحافظون الجدد عليه رؤيتهم للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية مثلا، ولكن على أساس آخر يستهدف قبل كل شيء خصوصية "المصلحة القومية الأمريكية"، ومن ثمة عدم تطابقها بالضرورة مع أي مصلحة أخرى.
وهكذا مع تقدم أوباما في الاستطلاعات وبروزه خلال صيف وخريف العام 2007 كأبرز منافس لهيلاري كلينتون، أحاط نفسه بمجموعة من المستشارين الكبار الذين كانوا يميلون بشكل واضح نحو تيار الواقعيين الجدد حديث النشأة.
وكانت هذه العلاقة محط أنظار الكثيرين، خاصة من داخل تيار المحافظين الجدد، الذين رأوا في الأسماء التي اختارها أوباما إشارة إلى رؤى "عدائية" ضد إسرائيل. ومن ثم تزايدت حملة الضغط على أوباما مع تحقيقه انتصارات في ولايات كثيرة في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي مع بداية سنة 2008 وربيع نفس السنة، ومن ثم تحوله إلى منافس حقيقي على ترشيح الحزب الديمقراطي.
ونتيجة هذا الضغط اتجه أوباما إلى إعادة تشكيل خطابه الانتخابي بشكل يطمئن تيار اللوبي الإسرائيلي من الديمقراطيين، وهو ما أدى إلى مغادرة وجوه من فريق الواقعيين الجدد بشكل تدريجي حملة أوباما.
وفي صيف عام 2008، قام أوباما بضم رموز تقليدية من داخل الحزب الديمقراطي، من العاملين في شئون الشرق الأوسط خاصة من المساعدين السابقين للرئيس كلينتون، إلى قائمة مستشاريه، غير أن ذلك حصل في سياق تضخمت فيه حلقات المستشارين إلى أن وصلت في منتصف شهر يوليو إلى 300 شخص (وصفها البعض بـ"وزارة خارجية بديلة") ما أصبح فيه من غير الممكن تحديد توجهات السياسة الخارجية في ظل التنوع الكبير للمستشارين.
واستمرت الأوضاع على ما هي عليه حتى نهاية شهر أكتوبر حيث بدأت تتسرب الأنباء عن أسماء المرشحين لمناصب في إدارة أوباما بما في ذلك مناصب السياسة الخارجية، والملاحظة الأساسية الملفتة للانتباه أنه حاول الجمع بين وجوه من مستشاريه الأوائل من الواقعيين الجدد ووجوه من النخبة التقليدية ممن كانوا يحيطون بالرئيس كلينتون، وكذلك وجوه من الجمهوريين المحافظين التقليديين الذين عارضوا الحرب على العراق.
ولدي ملاحظة أخيرة هنا وهي: أن دور جو بايدن الذي اختاره نائبا للرئيس لا يجب أن يتم تضخيمه إذ سيكون حتما أحد مستشاريه في السياسة الخارجية لكنه لن يكون بنفس الدور الاستثنائي الذي تميز به مكتب ديك تشيني، الذي كان يرسم فعليا السياسات التنفيذية في كثير من الملفات الخارجية، حيث كان ذلك جزءا من طريقة عمل الفريق الذي رافق الرئيس بوش الابن إلى البيت الأبيض منذ البداية.
وهكذا نحن إزاء ازدواجية بين خطاب معبأ بالشعارات العامة التي ترغب في التميز عن "عقيدة بوش" منذ بداية حملة أوباما، وتغير خريطة مستشاريه ومرشحيه لشغل مواقع تنفيذية عبر هذه الحملة وحتى بعدما بدأ الحديث عن تشكيل الإدارة الجديدة. وتغير خريطة المستشارين هذه تبدو متأثرة بالدواعي الانتخابية أكثر من كونها تعبر عن اتجاهات نهائية في السياسات التنفيذية المستقبلية.
وهكذا تبدو المعضلة الحقيقية هي القدرة على استشراف السياسات التنفيذية لأوباما بعيدا عن المؤشرات التي تأثرت بأجواء الحملة الانتخابية.
ويبقى عامل أخير يجب التنبه إليه أننا لسنا إزاء رئيس بتركيبة الرئيس بوش، أي شخص يحتاج إلى الكثير من النصح قبل اتخاذ القرار. وهنا تتدخل ميزة شخصية مهمة، إذ إنه برغم قلة خبرته، فإن أوباما يبدو شخصا يتمتع برغبة وقدرة كبيرتين على التعلم. كما أن خلفيته الثقافية الكونية والتي تتجاوز المحلية تجعله أكثر حساسية تجاه موضوع "صورة أمريكا في العالم". وفي حالات يصعب عليه فيها الحسم ستلعب هذه الميزات الشخصية دورا هائلا في قراراته.
* تحدث باراك أوباما عن سحب للقوات الأمريكية من العراق.. فإلى أي حد يمكننا أن ننتظر التغيير في الملف العراقي؟
- يجب النظر إلى الملفين العراقي والفلسطيني في إطار هذه الازدواجية بين الخطاب الانتخابي وتغير المستشارين.
في الملف العراقي كل ما يشير إليه خطاب أوباما هو "ضرورة الانسحاب من العراق" ضمن جدول زمني محدد مع تجنب الغوص في التفاصيل (تم ذكر مدة 16 شهرا في البداية لكن تجنب العودة إلى الإشارة إلى فترات زمنية معينة).
ومع قلة أنشطة تنظيم القاعدة في العراق والحديث عن نجاح خطة "زيادة القوات"، أصبحت مواقف أوباما حول "الانسحاب من العراق" تأتي في سياق التأكيد على "ضرورة تماهي خطة الانسحاب مع مقترحات القيادات العسكرية في الميدان".
غير أن هذا الموقف الغامض يبدو أكثر استجابة لضرورات الخطاب الانتخابي الذي عمل على عدم منح ماكين إمكانية تسجيل نقاط في الصراع الانتخابي. وفي المقابل فإن حلقة المستشارين التي أراد أوباما التركيز عليها في خضم حملته الانتخابية كانت مكونة أساسا ليس من أقطاب الديمقراطيين من المهتمين بالملف العراقي (مثل جو بايدن نفسه) بل من أوساط الجمهوريين المحافظين التقليديين من أمثال شاك هاجل والذي رافقه في زيارته الأولى والوحيدة إلى العراق، والذي يتردد اسمه بقوة الآن كأحد المرشحين لشغل مناصب متقدمة في الإدارة الجديدة. وهذه وجوه كانت منذ البداية ضد الحرب ودافعت بشكل مبكر عن موقف الانسحاب من العراق والتركيز الفوري على أفغانستان.
على أن أمام أوباما ومساعديه الذين سيبحثون "خطة متدرجة للانسحاب" عائقا مركزيا يجب تخطيه، وهو القيادة العسكرية المكلفة بالإشراف على الحرب، والمكونة من الثنائي الجنرال ديفيد بتريوس والجنرال أوديارنو، اللذين أصبحا رمزين لخطة "زيادة القوات".
وأستحضر الآن فقرة مهمة من كتاب "الحرب في الداخل" لبوب وودورد، يشير فيها إلى حديث أحد أقطاب المحافظين الجدد، الجنرال المتقاعد جون كين الذي كان العقل المخطط لسياسة "زيادة القوات"، والذي أكد على ضرورة وضع قيادة عسكرية موالية لسياسة "زيادة القوات" حتى تصعب على أوباما، إن أصبح رئيسا، وضع خطة لسحب القوات، مما يجعله في تصادم مع "القيادات الميدانية".
أخيرا يجب أيضا فهم رغبة الإدارة الحالية في التوصل السريع لـ"اتفاقية أمنية" مع الجانب العراقي، فقد يؤثر ذلك على إدارة أوباما، وبالتالي لا يجب أن نغفل سياق فخاخ "نقل السلطة" بين الإدارة الراحلة والإدارة الجديدة.
* وماذا عن ملف الصراع العربي الإسرائيلي؟
- بالنسبة للملف الفلسطيني يجب النظر إليه طبعا من زاوية الرؤية المحتملة لملف العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
ومثلما هو الحال في الملف العراقي تأثر موقف أوباما بالازدواجية بين مستوى الخطاب الانتخابي وتغير فرق مستشاريه عبر الحملة الانتخابية. وتعرض أوباما لبعض الانتقادات بخصوص الموقف من إسرائيل، من قبل أشخاص من المحافظين الجدد العاملين في أوساط جمهورية، لكن هذه الانتقادات تعرض لها كذلك فريقه من المستشارين الذين ينتمون لتيار الواقعيين الجدد، بين خريف 2007 و ربيع 2008، من قبل اللوبي الإسرائيلي، إذ إن تتبع مواقف بعض هؤلاء المستشارين، مثل روبرت مايلي وسامنتا باور، يحيل فعلا على رؤى تخترق خطوطا حمراء تقليدية في الأوساط الأمريكية خاصة منها نقد السلوكيات الإسرائيلية، وهي رؤى تأتي في سياق الرؤية العامة لتيار الواقعيين الجدد التي سبق ذكرها.
وكان يعني تغيير أوباما لمستشاريه، تبنيه لدعم اللوبي الإسرائيلي العامل داخل صفوف الديمقراطيين، والذي إن لم يكن من أوساط المحافظين الجدد، فإنه يمثل استمرارا لرؤى الواقعيين التقليديين الذي لا يرغبون في التشكيك بمقولة "تطابق" المصلحتين الأمريكية والإسرائيلية.
وهكذا تحلق حول أوباما خاصة في الأسابيع التي سبقت زيارته إلى إسرائيل بعض الرموز من حقبة الرئيس كلينتون مثل دينيس روس، والذي يفضل التفاوض باسم الطرف الإسرائيلي على القيام بدور الوسيط الفعلي، رغم فهمه لمركزية الصراع العربي-الإسرائيلي في المنطقة.
ويجب التنبيه هنا إلى أنه ليس كل من كان موظفا في إدارة الرئيس كلينتون يعكس بالضرورة رؤى من هذا النوع، فمن الضروري متابعة مواقف سوزان رايس التي كانت منذ البداية داعمة لحملة أوباما بالرغم من عملها في إدارة كلينتون سابقا. والوجه الأهم الذي يجب متابعته هو حاكم ولاية نيومكسيكو بيل ريتشاردسون الذي من المرجح أن يشغل منصبا ما في السياسة الخارجية وهو الذي كان من الأوائل الذين رفعوا شعار "الواقعية الجديدة"، ومن ثم دخلوا في صراع مع هيلاري كلينتون والنخبة التقليدية في الحزب.
أيضا يجب الانتظار لرؤية ما إذا كان روبرت مالي، الذي كان مساعدا في الطاقم الأمريكي الذي أشرف على المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية خلال عهد الرئيس كلينتون، سيشغل أي موقع في الإدارة الجديدة خاصة أنه كان يرفض بشكل متكرر الرواية التي تحمل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات فشل المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية وهو ما جلب إليه الادعاءات بـ"العداء لإسرائيل".
إذن بعض هذه الأسماء من الأعضاء السابقين في إدارة كلينتون برزت من بين المرشحين لشغل مناصب متقدمة في إدارة أوباما آخر شهر أكتوبر. وكذلك برز اسم سامنتا باور من جديد بالرغم من استقالتها في شهر مارس من حملة أوباما. وهذا معطى آخر مهم في سياق تحليل استشراف السياسات التنفيذية المحتملة لإدارة أوباما في الملف الفلسطيني. إذ إن انتقادات باور -الأكاديمية المعروفة في جامعة هارفارد والتي تنشط أيضا في مجال حقوق الإنسان- للسياسات الإسرائيلية كانت بشكل متكرر محور ردود عنيفة من قبل اللوبي الإسرائيلي. ومن الواضح أن تفكير أوباما في إدماج شخصية مثل باور في إدارته يشير إلى عدم رغبته في تشكيل فريق من نوع واحد بالنسبة للملف الفلسطيني.
وعلى الأرجح يرغب أوباما في الاستماع إلى آراء مختلفة وعدم الاقتصار على أفكار النخبة التقليدية للرئيس كلينتون، وهذا يشير في ذاته إلى تغيير في مقاربة الإدارة الأمريكية للموضوع بمجرد انفتاحها على رموز من تيار الواقعيين الجدد الذين يشككون في الخطوط الحمراء التقليدية. لكن يجب القول أن الملف الأساسي في ملفات السياسة الخارجية خاصة بالمنطقة لن يكون في البداية الملف الفلسطيني بل الملف العراقي.
هناك نقطة أخيرة لها علاقة بالملف الفلسطيني بالرغم أنها لا ترتبط به بشكل مباشر، وهي موضوع "الحوار مع إيران". هذا ملف ملح بالنسبة لإدارة أوباما لعدة اعتبارات منها الضغوط الداخلية وعلاقته بالملف العراقي وكذلك تقديمه كنموذج على إستراتيجية "الحوار مع الأعداء" منذ بداية الحملة الانتخابية. إذ إن حوارا مع إيران سيعني آجلا أم عاجلا حوارا حول طبيعة علاقة النظام الإيراني بالفصائل الفلسطينية خاصة الإسلامية منها، أي في الدرجة الأولى حركة حماس المسيطرة على قطاع غزة وفي درجة ثانية حركة الجهاد الإسلامي.
ومن غير الواضح إن كانت تبعات هذا الحوار المرتقب ستعني مزيدا من تأزم العلاقة الأمريكية مع هذه الفصائل أو التوجه نحو توسيع مبدأ "الحوار مع الأعداء" معها. لكن بدون شك، الحوار مع إيران سيؤثر بشكل كبير على مقاربة الإدارة الأمريكية للملف الفلسطيني وخاصة لطريقة التعامل مع الوضع في غزة.
* بخصوص شعار الحرب على "الإرهاب" الذي رفعته الولايات المتحدة منذ أحداث سبتمبر 2001، هل تتوقعون تغييرا جذريا في سياسة الولايات المتحدة في هذا الإطار؟
يجب هنا تحديد معنى كلمة "تغيير جذري". إن كان المعنى هنا هو التخلي تماما عن الحرب على التنظيمات التي ترفع راية "الجهاد ضد أمريكا" وخاصة تنظيم القاعدة (بمعزل عن موضوع مدى وجود بنية مركزية أو إيديولوجية لهذا التنظيم) فإن الجواب هو بكل تأكيد بالنفي، إذ إن الإدارة القادمة لن تكون إدارة متخلية عن العمل العسكري، بل إن جوهر العمل العسكري سيتحول من مواجهة دول إلى مواجهة تنظيمات وتحديدا مواجهة تنظيم القاعدة.
وسيكون الهدف الرئيسي لهذه الإدارة في الملف الخارجي بالتحديد في هذا المجال: "تحقيق نصر على القاعدة". و"التغيير الجذري" الذي سيحصل في المقابل هو في التعريف التنظيمي والجغرافي لـ"الحرب على الإرهاب"، إذ سيتم التخلي عن سياسة مواجهة القاعدة خارج مناطق تمركزها الأساسية، أي منطقة الحدود الأفغانية الباكستانية. وفي هذا السياق تأتي خطط الانسحاب من العراق.
وقبل أسبوعين من موعد الانتخابات الرئاسية، وعلى هامش الحملة الانتخابية، برز إلى السطح جدال في الأوساط العسكرية والسياسية الأمريكية حول خطورة الوضع في أفغانستان. وهناك حتى دعوات من قبل بعض القيادات العسكرية للتفاوض مع جزء من حركة "طالبان" وضرورة وجود خطط فورية لزيادة القوات.
وأعتقد أن هذا الجدال يهيئ الطريق لأوباما، إذ هذه تحديدا النقاط التي ستتوجه نحوها خطة "الحرب على الإرهاب" مع قدوم الإدارة الجديدة. وهذا التركز العسكري وخاصة الرغبة في تحقيق انتصارات على الحدود الأفغانية الباكستانية سيدفع بالضرورة باتجاه توتر العلاقات الأمريكية الباكستانية خاصة مع الضغط الأمريكي الذي سيزداد من أجل ضرب قواعد تنظيم "القاعدة" و"طالبان" داخل الأراضي الباكستانية.
وسيكون للأزمة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة دور في تشكيل الإستراتيجية العسكرية الأمريكية في المستقبل القريب خاصة المتعلقة بموضوع "الحرب على الإرهاب"، حيث إن الإنفاق العسكري الراهن في العراق سيتأثر ضرورة بتبعات الأزمة، ومن ثم سيبدو نقل القوات من العراق إلى أفغانستان، خاصة أنه سيتم في إطار قوات أقل عددا مما كانت عليه في العراق، ملفا ملحا بسبب علاقته المباشرة بالملف الاقتصادي، وفي إطار التقليل من الإنفاق الخارجي.
وبالتالي لن يصبح التغيير في الإستراتيجية العسكرية خيارا يخضع لمدارس مختلفة في السياسة الخارجية بل سيصبح ضرورة لا يمكن تجاوزها.
وبعبارة أخرى فإن حربا تركز على قوات خاصة متدربة على إستراتيجية "الحروب على المتمردين" ومن خلال إعادة تشكيل التحالف العسكري للقوات الأممية في أفغانستان، ستكون "الحرب النموذجية" في التفكير العسكري الأمريكي ليس فقط في سياق الحرب على "الإرهاب"، بل أيضا في سياق الأزمة الاقتصادية الراهنة.
|