English

 

الثلاثاء. نوفمبر. 11, 2008

حواء و آدم » صوت النساء

 
   
روابط من إسلام أون لاين

التعليم الجامعي .. طوق النجاة لأرامل فلسطيـن

علا عطا الله - شيماء مصطفى

Image

أجنحتها عاجزة عن الطيران.. الإحساس بالأمان غادرها.. وجهها شارد كعصفورٍ صغير بلا وطن.. رفيق العمر وشريك الدرب رحل تاركا إياها لدوامة الحياة وتفاصيل أرقها، لكنها لم تستسلم للأحزان وتتركها تتغلب عليها، وتقودها للإخفاق لينفلت زمام أمرها وأمر أبنائها إلى الغير، بل استطاعت بذكاء المرأة وجهاد المقاتلة أن تغلق على أسرار الذكرى وتلملم برد روحها وتبدأ في البحث عن أول الطريق، الأولى تنجح والأخرى تحاول وثالثة تهتف: "إن عندي أملا".
في إحدى الندوات كانت تسأل بخوف وقلق عن صغيرها المُشتاق لوالده، تنهمر الإجابات فتنصت باهتمام وتسجل في ذاكرتها زاد الأيام القادمة.

تمر الأعوام ويكبر الصغير وتكفكف الأم الدموع.. تزيح الوجع جانبا.. ترتدي ثياب الإرادة وتمضي.. يكبر صغيرها ويسكت قليلا صوت الألم.. تقلّب الأعوام صفحاتها سريعا، وتقف صاحبة الوجه الخائف قبل سنوات تصف الدواء باحتراف لمرضى باغتهم نفس الداء.

لك يا زوجي.. الهدية

"هناء أبو دية" زوجة الشهيد "عوض سلمي" ترسم على شفتيها ابتسامة حزينة قبل أن تحكي ل"إسلام أون لاين.نت" قصتها مع التحدي: عندما استشهد زوجي شعرت بالانكسار وبالجفاف، ضاقت الدنيا علي بما رحبت، سؤال طفلي عن أبيه كان كفيلا بفتح جراحي على آخرها، دموعه لم تتوقف، أيقنت ساعتها أن الحزن لن يجدي، وأن ثمة اختبارا حقيقيا في انتظاري، ذابت الكثير من العراقيل أمامي بفضل الله ثم بجهد وحكمة الناصحين لي.

ثمان سنوات ترجع بذاكراتها للوراء: في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 2000 استشهد زوجي بعد مشوار طويل حافل بالجهاد والمقاومة، تركني مع ذكرى جميلة وخمسة أطفال أصغرهم لم يتجاوز العام، وقتها لم أكن أدري ماذا سأفعل وأنا أرملة وحيدة.

خطوات التحدي الأولى تمثلت في قرار عودتي للجامعة، كنت قد تركتها خوفا من تربص الاحتلال بخط سيري، كانوا يظنون أني أقابل زوجي المُطارد سرا.. عدت من جديد للدراسة وأنا أم وزوجة شهيد، الحياة ازدادت قسوة وصعوبة، تخطيت الأشواك واقتلعتها من طريقي بزاد الصبر والإيمان، حصلت على تقدير امتياز وتخرجت من الجامعة وحملت بين يدي حُلمي وحُلم زوجي.. كانت شهادتي هدية له.

تعرّضت للكثير من الضغوط حولي، سمعت كلاما جارحا، بكيت طويلا، لكن لم يكن أمامي خيار سوى أن أنهض، وخطوة تتبعها أُخرى وإذا بثمار الصبر تؤتي أُكلها ويتحول الحُلم بالعزيمة والإرادة إلى واقع ملموس، استطعت أن أُوفق بين دراستي وأمومتي، أفتح كتبي لأدرس وأفتح كُتب صغاري لأعلمهم فنون المدرسة والحياة.

حصولي على المرتبة الأولى على دفعتي أهلني للعمل في الجامعة كمعيدة، الفرحة غمرت كياني، كثير من الذين عارضوني وراهنوا على فشلي قدموا لي الورود، ثقتي بنفسي زادت، وأنا الآن أضم أولادي أربيهم وأمدهم بالحنان والصبر، أسعى جاهدة ليكونوا نعم الأبناء الصالحين.

سلاحي معي

من الصعب على زوجة الشهيد أن ترى سنوات عمرها تموت ببطء أمام عينيها، وتشاهد شريط ذكرياتها كطعنة في خاصرة أحلامها، ولكن الأصعب والأقسى أن تصارع أمواج الحياة بصحبة صغار يحتاجون لرفقة وحنان أب يستندون عليه لو عصفت بهم الحياة.

بصوت يقطر ألما تتحدث "أم صهيب" زوجة أحد الشهداء وأم لأربعة أطفال: يوم أن استشهد زوجي حضنت أطفالي الأربعة بشدة، أكبرهم دعاء 5 أعوام، وأصغرهم التوأمان براءة وخالد ثلاثة أشهر، كنت أعلم أن أولادي فقدوا سندهم ومعيلهم وحضنهم الدافئ، وزوجي ترك لي مهمة صعبة وشاقة، كان يحاول أن يهيئني لتحمل تبعات غيابه، ويطلب مني الصبر والثبات، وتحمل مسئولية الأولاد.

وتستدرك بأسى: غاب عني زوجي وشريك حياتي وأنا لم أتجاوز الخامسة والعشرين؛ وبدأت رحلة المعاناة منذ لحظة استشهاده، فكنت لأولادي الأب والأم في آنٍ واحد، ومسئولياتهم وتربيتهم تتعاظم يوما بعد يوم؛ فتربية الأولاد صعبة جدا في هذا الزمن.. هم يحتاجون لسند ورفقة أب ليعينهم ويرشدهم ويسقيهم من خبراته في الحياة.

وبنبرات التحدي تقول: أيقنت أنني لن أستطيع أن أواجه الحياة وحدي بدون سلاح يحميني وقت الأزمات والشدائد، فعدت لمقاعد الدراسة من جديد وخرجت بشهادة جامعية تمنحني الأمان، فالحياة ازدادت قسوة وصعوبة ولابد من تحويل لوحة الألم إلى أمل وعودة رسم حياة أطفالي بألوان الفرح والسعادة.

قسوة الأهل

"أم عبد الله" استشهد زوجها قبل ستة أعوام وترك برفقتها ستة أطفال أكبرهم لم يتجاوز عشرة أعوام وأصغرهم عاما واحدا.. تعود بذاكرتها للوراء: "في أول جلسة لي مع زوجي أخبرني أن حياته ليست ملكه ومن الممكن أن يستشهد في أي لحظة، لا زلت أذكر صدى كلماته: توقعي رؤيتي إما أسيرا أو شهيدا أو مُطاردا، فهل تقبلين بي زوجا؟
وما إن سمعت كلامه حتى كبر في نظري وفي قلبي، فلقد بدأ أول خطوة معي بثقة وصراحة.

والدموع تملأ عينيها تضيف: واجهت الكثير من المصاعب التي أثقلت كاهلي بعد استشهاد زوجي ورفيق عمري، بدأت معاناتي بعد عامين من استشهاده؛ بسبب ضغط أهل زوجي كي أتزوج من أخيه الأكبر رغم أنه متزوج ولديه أولاد.

وبحزن وأسى تمضي قائلة: "لم أحتمل هذا الضغط منهم ورفضت كل عروض الزواج، أريد أن أربي أولادي وحدي وأعيش على ذكرى زوجي، وكل أملي أن يجمعني الله به في الجنة".

وبابتسامة باهتة تواصل حديثها: بعد رفضي لكل عروض الزواج تخلى عني أهل زوجي وتركوني أواجه الحياة برفقة أطفالي بدون معيل أو حتى بيت يؤويني.. لكن الله أفرغ على قلبي الصبر والاحتمال وذهبت إلى إحدى المؤسسات لتعلم الخياطة، وبعد أن أتقنت تفصيل الملابس عملت بإحدى المؤسسات، والحمد لله أصبحت أنفق على أولادي من عملي ولا أحتاج لمعونة أحد.. ووقاني الله الحاجة والعوز من الناس، ولم أكتف بذلك لكني أفكر جديا في إكمال دراستي حتى أحصل على عمل أفضل يوفر لي ولأبنائي المستوى المعيشي الذي حلمنا به سويا أنا ووالدهم رحمه الله.

مخيم الأرامل

قد يقسو بعضهم على الأرملة، ويشطب الحنان ومفردات العطف من قاموسه، غير أن المجتمع الفلسطيني وبكامل شرائحه يحتوي هذه الفئة وبقوة.. الجمعيات والمؤسسات الأهلية تحتضن الأرامل وتحاول بمنديل دافئ مسح دموعهم ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

"منى العجلة" رئيس مجلس إدارة جمعية الشابات المسلمات بمدينة غزة تؤكد أن الجمعية دائمة الاهتمام بـ"الأرامل" وتقديم الرعاية اللازمة لهن: نعلم الضغط النفسي الهائل الذي تتعرض له الأرملة بعد فقدان زوجها، لهذا نحاول ومن خلال دورات وبرامج تنفذها الجمعية أن نأخذ بأيديهن إلى بر الأمان.

وتلفت إلى أن الجمعية قامت هذا الصيف بافتتاح مخيم استهدف شريحة الأرامل إيمانا منها بضرورة الوقوف إلى جوارهم ومساعدتهم لتجاوز أزمة الفراق، وتمكينهم من التفريغ النفسي والاجتماعي السليم عبر خروجهم من جو الكبت والحرمان، إلى جانب تقديم المشورة والمساعدة التربوية التي تحتاجها الأمهات، موضحة أن الجمعية بصدد تنفيذ العديد من المشاريع الهادفة لمساعدة "الأرامل" .

"هاني الكحلوت" الاختصاصي الاجتماعي في جمعية "تيسير الزواج" قال لـ"إسلام أون لاين.نت": إن جمعيته تسعى إلى تغيير نظرة المجتمع الظالمة تجاه الأرامل، وأضاف: نسعى لأن يتم احترام هذه الفئة، وأن يتم احتضانها، والجمعية استطاعت بفضل الله أن تُساعد زوجات الشهداء والأرامل للسير قُدما نحو حياة هادئة، ليس هذا فقط بل قامت الجمعية بتزويج العشرات منهن.

ويستدرك: هناك تجاوب كبير، والكل يُريد المساعدة في وضع اللبنات السليمة لبناء أُسر جديدة تُعوض الفلسطينيين آلامهم.

"فضل أبو هين" مدير مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات بغزة يرى أن الأرامل في فلسطين يتمتعن بكثير من التقدير والتعاطف مع وجود بعض الاستثناءات، وأضاف في حديثه لـ"إسلام أون لاين.نت": الأرملة إذا كانت زوجة شهيد يُنظر إليها كأنها بطلة، تسير على درب التضحيات وتعكف على تربية أولادها، ولكن هذا لا يعني أن هذه الشريحة لا تحتاج إلى دعم، بل إن تجاهل المجتمع ومؤسساته لتقديم الدعم الوجداني والنفسي والمادي لانتشالها من أحزانها كفيل بتحطيمها.

ومن خلال خبرته يقول: إن أهم المشاكل التي تواجه الأرملة وتزيد من همومها تدخل أهل الزوج في حياتها، وخاصة فرض الزواج عليها من أخ الزوج المتوفى حتى لو كان صغيرا أو طائشا وهي تقبل بهذا خوفا على أبنائها.


مكتب الجيل _ فلسطين

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم