English

 

السبت. نوفمبر. 8, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

هل تصبح كردستان العراق محمية أمريكية؟!

رجائي فايد

Image
مسعود البرزاني
معروف أن أكراد العراق هم الطائفة الوحيدة عراقيًّا التي أعلنت تأييدها المطلق لتوقيع الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، بل وتطالب بإلحاح بالإسراع في ذلك، وتحفز الأطراف العراقية الأخرى على ذلك، محذرة من النتائج الوخيمة التي تترتب على عدم توقيعها.

ولأن إيران هي من أكثر دول الجوار معارضة لهذه الاتفاقية، فإن رئيس الإقليم الكردي مسعود البرزاني توجه إليها واجتمع بقياداتها من أجل طمأنتهم بأن هذه الاتفاقية لن تلحق ضررا بالأمن القومي الإيراني، وأنها لا تنص على قيام القوات الأمريكية بمهاجمة إحدى دول الجوار، إلا أن التطور الأخطر في الموقف الكردي من هذه الاتفاقية هو الزيارة المفاجئة لرئيس الإقليم الكردي إلى الولايات المتحدة الأمريكية واجتماعه بالرئيس الأمريكي بوش وبوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس.

تصريحات كردية مثيرة

الهدف المعلن من هذه الزيارة هو تحفيز الولايات المتحدة على قبول التعديلات العراقية على بعض بنود الاتفاقية، وشرح موقف الحكومة العراقية الصعب أمام موجة الرفض المتزايد في الشارع العراقي والتي تمتد آثارها إلى أصحاب القرار، سواء كانوا وزراء في الحكومة أو أعضاء في البرلمان، إلا أن البرزاني صرح في واشنطن تصريحا مفاجئا كان أشبه بالقنبلة، قائلا: "إذا لم توقع الاتفاقية فإن الإقليم الكردي على استعداد لإقامة قواعد أمريكية على أرضه"، واستطرد: "الشارع الكردي سيوافق، والبرلمان سيوافق، والحكومة والرئاسة ستوافقان إذا طلبت الحكومة الأمريكية ذلك".

واستقبل أعضاء البرلمان العراقي هذه التصريحات بالغضب، واعتبروها مخالفة للدستور العراقي، وطالب بعضهم بمثول البرزاني أمام البرلمان ومساءلته حول هذه التصريحات، وخلال بعض البرامج الحوارية في بعض الفضائيات قال مسئولون في الحزب الديمقراطي الكردستاني تخفيفًا من آثار هذه القنبلة: "إن هذا التصريح كان جوابا على سؤال افتراضي، وإن الرئيس البرزاني ربط هذا الأمر بطلب من الحكومة الأمريكية، ولأن الإقليم جزء من العراق فإن الطلب في هذه الحالة لابد أن يوجه إلى الحكومة العراقية أولا؛ إذ ليس في الأمر أي خروج على الدستور".

وقد أكد على نفس المفهوم رئيس حكومة الإقليم "نيجيرفان البرزاني" في حديثه لصحيفة الشرق الأوسط: "إنني أؤكد أن الرئيس برزاني أوضح بصراحة شديدة أن الإقليم سيوافق على إقامة تلك القواعد بعد إبرامالاتفاقية الإستراتيجية المزمعة بين العراق والولايات المتحدة، وبعد مصادقة الحكومة والبرلمان العراقيين اللذين نحن شركاء حقيقيون فيهما على هذا الأمر، وبما أن الإقليم هو جزء من العراق ودستوره الدائم فإن إقرارا مثل هذا يمس قضايا مهمة وحساسة سيكون من اختصاص الحكومة المركزية بطبيعة الحال طبقا للدستور العراقي الذي نحن ملتزمون ببنوده التزاما تاما".

وأردف رئيسحكومة الإقليم قائلا: "إن رئيس الإقليم وحكومة إقليم كردستان يتعاطيان مع الاتفاق الأمني المزمع مع الولايات المتحدة من منظور مصالح العراق وشعبه ككل وليس من منظور مصالح شعب كردستان وحسب، وإن دعمنا لهذه الاتفاقية نابع من إيماننا بأهميته وضرورته بالنسبة للعراق، لاسيما وأن البدائل المطروحة عنها هي سيئة، ونحن نتصور أن هذه الاتفاقية إن أبرمت فستكون مشرفة للعراق في وضعه الحالي، لذلك ومن هذا المنطلق ندعم حكومة الرئيس نوري المالكي، ونساند المصالح العليا للعراق".

ومن خلال هذه التوضيحات وتأكيد رئيس حكومة الإقليم على أهمية الاتفاقية للعراق.. هل نأخذ تصريح رئيس الإقليم على أنه موجه للداخل العراقي ولنخبته السياسية بالذات تحفيزا لهم على توقيع تلك الاتفاقية؟ أم أن التصريح موجه بالفعل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومفاده: "لا يوجد بالعراق أصدقاء مخلصون لكم سوانا، ونحن لن ننسى أبدا ما قدمته الولايات المتحدة الأمريكية لنا؛ فلولاها ما كان تحقق أي شيء للإقليم الكردي؟

وبالفعل لولا منطقة الحظر الجوي التي فرضتها الولايات المتحدة شمال خط العرض 36 منذ عام 1991 ما كان يمكن للأكراد أن يعودوا إلى مناطقهم، ولظلوا على حالهم لائذين في جبال تركيا وإيران، ولولا الولايات المتحدة ووقوفها في وجه الطموح التركي بالنسبة للإقليم لتجاوزت الاجتياحات التركية ميليشيات حزب العمال الكردستاني إلى التجربة الكردية العراقية ذاتها، لذلك فإن الإقليم الكردي وقياداته تعمل على عدم فك ارتباطها بالولايات المتحدة، سواء كان ذلك من خلال العراق أو بشكل مباشر معها.

وكما كان الحال عليه قبل سقوط النظام العراقي عام 2003، ينظر الأكراد إلى معظم الطوائف العراقية بريبة شديدة، وإنهم على ثقة من أن هؤلاء لو امتلكوا القوة الكافية لما اختلفوا كثيرا عن النظام السابق في تعامله معهم، وشواهدهم على ذلك كثيرة، وآخرها ما حدث في مندلي عندما كادت الأمور تصل إلى درجة التصادم العسكري.

وفي هذا السياق فإن الأكراد يتحفظون كثيرا على نوعية تسليح الجيش العراقي؛ خوفا من أن يأتي وقت يستخدم فيه هذا الجيش ضدهم ويعيدهم إلى كوارث الماضي.. كل ذلك وغيره يجعل الأكراد في حاجة إلى ارتباط ما مع الولايات المتحدة؛ ليحميها من الخارج ومن الداخل.

سيناريوهات كردية

ولنحاول أن نستنتج السيناريوهات التي من الممكن أن تترتب على مثل هذه التصريحات الكردية تجاه الاتفاقية الأمنية:

السيناريو الأول: أن يتم توقيع الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة خلال الفترة المتبقية في حكم الرئيس الأمريكي جورج بوش، وفي هذه الحالة فإن تصريح البارزاني لن يترتب عليه أية نتيجة سوى التأكيد للولايات المتحدة بأن أكراد العراق هم الأصدقاء الحقيقيون للولايات المتحدة في العراق، وهي مسألة بالغة الأهمية لأكراد العراق، ومن خلالها يستطيع الأكراد اكتساب مواقف مؤيدة أمريكية في المستقبل.

أما السيناريو الثاني: فهو في حالة عدم توقيع الاتفاقية الأمنية لأكثر من سبب، ففي هذه الحالة إما أن ترحل القوات الأمريكية عن العراق بأسره كما هددت من قبل أو في إطار الوعود الانتخابية للرئيس الجديد باراك أوباما.

ومن المتوقع نتيجة لذلك أن يعود العنف إلى العراق ربما أكثر مما كان عليه، ويظل الإقليم الكردي هو الاستثناء من ذلك؛ إذ سينعم نسبيا بالأمن عن باقي العراق، وهنا يقدم البارزانى والجانب الكردي أنفسهما على أساس أن الرأي الصائب بشأن أهمية الاتفاقية للعراق كان رأيهما.

في حين أن السيناريو الثالث يتلخص في: عدم توقيع الاتفاقية، وفي نفس الوقت لا تريد الولايات المتحدة الجلاء عن العراق لمصالحها الإستراتيجية والتي تتجاوز هوية الجالس في البيت الأبيض، ومن المتوقع في هذه الحالة أن تتقدم الحكومة العراقية بطلب إلى مجلس الأمن طالبة تمديد بقاء القوات الأجنبية لعام آخر، ومن المتوقع أن يصدر مجلس الأمن قرارا بالتمديد لتستمر المناوشات بين الحكومتين الأمريكية والعراقية حول الاتفاقية لعام آخر، وتظل القوات الأجنبية بالعراق لفترة لن تطول كثيرا، حسب وعود الرئيس الجديد.

السيناريو الأخير: ألا توقع الاتفاقية، وأن ترفض الولايات المتحدة إصدار قرار بالتمديد من مجلس الأمن كعقوبة للحكومة العراقية على عدم توقيعها لتلك الاتفاقية، إلا أن مصالحها الكونية وهي أحد الثوابت حتى في ظل حكم أوباما تحتم عليها إقامة قواعد عسكرية بالعراق؛ لذلك فإنها ستأخذ حينئذ عرض البارزاني لتدرسه وتتحقق من إمكانية تنفيذه، وإذا تبين لها ذلك فإن بعضا من قواتها ستنتقل من الوسط والجنوب إلى الشمال في الإقليم الكردي، ولا تحتاج الولايات المتحدة في هذه الحالة أن تتأكد إن كانت آلية التنفيذ تتوافق مع الدستور العراقي أم لا.

وفي هذه الحالة يصبح الإقليم محمية أمريكية محصنة ضد أي تهديدات من الداخل أو الخارج، والقيادات الكردية لا تخفي مخاوفها من التيارات السياسية المختلفة في العراق عندما تتوفر لها أسباب القوة، ففي أزمة سابقة نشبت بين الإقليم وبغداد قال النائب العراقي البارز صالح المطلق في مجال تبريره لما يراه من ضغوط كردية: "يفعلون ذلك لأن يدنا الآن مكسورة"، لذلك فإن الأكراد يقولون: ماذا يمكن أن يفعل بنا صالح المطلق وأمثاله عندما تعالج اليد المكسورة؟!

بل إن مسألة انتقال المهام الأمنية من القوات الأمريكية إلى الحكومة العراقية مدعاة لقلق الأكراد؛ فقد حذر النائب الكردي البارز محمود عثمان من ذلك وقال: "انتقال الصلاحيات من الجانب الأمريكي إلى الحكومة العراقية،مع بقاء المشاكل بينها وبين حكومة إقليم كردستان العراق، سيؤدي إلى تصعيد التوتر بين الطرفين بشكل كبير بعد توقيع الاتفاقية"، وحتى تسليح الجيش العراقي أثار مخاوف الأكراد وربطوا بين تصريحات بعض قادة التيارات السياسية العراقية وتسليح الجيش، وكان سؤالهم: ضد مَنْ سيستخدم هذا الجيش؟ وتمثلت لهم فواجع الماضي القريب.

لقد خرج تصريح رئيس الإقليم الكردي.. ومهما كانت التبريرات المخففة من وقعه فقد خرج، وأصبح رسالة قد يتلقفها الرئيس الأمريكي الحالي بوش في أواخر أيام حكمه ويترجمها إلى فعل ليزيد من أعباء الرئيس القادم أوباما، أو يترك الرسالة مفتوحة لأوباما ليتصرف بشأنها كيف يشاء!


  كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية والتركية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات