English

 

الخميس. نوفمبر. 6, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أمريكا الشمالية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

أوباما.. تحديات ومعطيات وتوقعات

نبيل شبيب

 

أوباما رئيسا.. ولكن للتغيير حدود
شعاره التغيير، والذي تغير حتى الآن هو اسم الرئيس الأمريكي، وكان هذا كافيا ليثير آمالا عريضة لدى غالبية الأمريكيين، وإحساس الاستيقاظ بعد كابوس ثقيل حيثما تركت السياسة الأمريكية بصماتها عالميا. وبغض النظر عن شخصية الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما، فلا ريب أن قسطا كبيرا من أسباب التفاؤل لا يعود إلى جوانب تلك الشخصية قدر ما يعود إلى آثام من سبقه، إلى درجة جعلت في مقدمة ما يتردد أثناء المعركة الانتخابية أنه سيان من يأتي بعد بوش الابن فلن "يستطيع" أن يمارس سياسات أسوأ مما صنع.

لم يستلم الرجل الأسود منصبه في البيت الابيض بعد، والجميع يتحدث عن بشرته أكثر من سياسته، وكأن هذا وحده كافيا لنشر الانطباع باستعادة مبادئ العدالة والمساواة لتطهير سمعة الدولة الامريكية مما تلوّثت به ما بين جوانتانامو وغزة، وفي أعماق الحياة المعيشية الأمريكية نفسها.

ولم تظهر حتى تشكيلة فريق السلطة الجديد بعد، فلا ينبغي الانزلاق إلى الجزم بشأن سياسات قادمة إنما هي معالم وخطوط عامة حولها، مع الاضطرار إلى الإشارة، أن ما يرتبط منها بأوضاع بلادنا العربية والإسلامية تخصيصا، يصعب ترجيحه في اتجاه واضح، ليس بسبب غموضه الذاتية إنما لصعوبة استشراف ما سيكون عليه تعامل المسئولين في بلادنا مع السياسة الأمريكية في عهد أوباما، فإن بقي تعاملهم في حدود الانتظار، والتلقي، والتنفيذ، فلن يفيد أي تغيير إيجابي محتمل في تلك السياسة، وإن تحول إلى المبادرة الفاعلة، والحرص على المصلحة العليا المشتركة، والسعي لعلاقات دولية متوازنة تتقن لغة المصالح المتبادلة، فآنذاك لا يضر تغيير سلبي محتمل أو بما في ذلك استمرار سياسة أوباما على ما كان عليه أسلافه.. وآخرهم بوش الابن.

اقرأ في هذا الموضوع:

 أولا: حدود التغيير داخليا .

 ثانيا: حدود التغيير خارجيا .

من أغرب ما حمله البريد الإلكتروني مع إعلان نتيجة انتخابات الرئاسة الأمريكية كلمات نارية وأبيات شعر -ركيكة المبنى والمعنى معا- احتفاء بانتصار أوباما، أما الكلمات فتقول:

(وداعا للعنصرية بانتصار أوباما رئيسا للولايات المتحدة، وداعا للعنف الأمريكي ولقتل الشعوب "بضربات مسبقة"،  وداعا للانحياز لإرهاب الدولة، وداعا للصهيونية الإنجيلية. ولتحيا الحرية والديمقراطية.....)

والتوقيع باسم "حركة" لا يليق باسمها أن يُذكر في هذا المقام ولا اسم صاحب "الأبيات" التي تلي هذه الكلمات، وهي:

استبشروا بالعـدل عُرْبٌ          واستطلعوا فيه ســــاما

هاتــوا تحــية أمـــل           لشـــعلة الحق أوبـاما

أنت ابن الحســـين هيّ            جــــدّد لنـا الأحلاما

ما أنت إلا نخـــــلة            لا.. غصن غرقد يتسـاما

لعــل فيـك تفـــاؤل            بالبشـــرة السمرا إماما

والغرض من التنويه بمثل هذه النصوص في البريد الإلكتروني، هو تأكيد أهمية المقصود بالكلمات التالية:

إن استشراف معالم المرحلة المقبلة من السياسة الأمريكية في عهد أوباما يفرض الحرص على البحث الموضوعي عن جواب سؤالين بشأن شعاره عن "التغيير"، والأصل أنهما بدهيان، إنما لا بد من ذكرهما بعدما أصبح احتمال الانحراف في تقدير التوقعات المستقبلية احتمالا راجحا، تحت تأثير ما ينتشر أو ينشر من تفاؤل مفرط بسبب الإحساس بدنو نهاية كابوس ثقيل سابق.

السؤال الأول هو عن حقيقة ما يريد تغييره أصلا، فلا يكفي للجواب عليه رصد ما قال به حتى الآن، وليس مجهولا الفارق الدائم بين كلمات المعركة الانتخابية وسياسات ما بعد الفوز في الانتخابات، إضافة إلى أن قسطا كبيرا من التغيير المحتمل، سيبقى في حدود ما يمكن وصفه بالامتناع عن مواصلة ارتكاب جرائم محلية ودولية، وهذا ما يحدد قيمته كما هي، دون تهوين من شأنها ولا تهويل.

والسؤال الثاني هو عما يستطيع أوباما تغييره فعلا وإن أراد التغيير، فهذا ما يرتبط بواقع صناعة القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو "المصدر الأكبر والأخطر" للانحراف من قبل بوش الابن وفي عهده ومستقبلا، وبقدر ما يصل التغيير -إذا أحدث أوباما تغييرا- إلى نهج صناعة القرار الأمريكي ومرتكزاته وآلياته، ويكون تغييرا صميميا ومستديما، يكتسب إنجازه صفة الإيجابي وتظهر قيمته الذاتية للعيان، ثم بقدر ما تجد السياسات الأمريكية تعاملا دوليا متوازنا، يضعها في الموقع الطبيعي لها، جزءا من كل، على أرضية المساواة في الأسرة البشرية، وعلى أسس عادلة ومنضبطة، آنذاك يكون للتغيير المحتمل مفعوله الإيجابي عالميا.

ثم هل يصح ما تردد على لسان أوباما وعن فوزه، أن مجرد هذا الفوز الكبير في الانتخابات -وهو من أصول إفريقية- يعني أن الديمقراطية الأمريكية بخير، وأنها قادرة على إصلاح ما تفسده السياسات المنحرفة ردحا من الزمن؟..

ويرتبط حديث التوقعات المحتملة بمعرفة التحديات الحقيقية التي تواجه أوباما، أو المواطن التي يفترض به أن يصنع تغييرا جذريا على صعيدها. وهي أوسع نطاقا مما تردد كثيرا أثناء الانتخابات وقبيل حلول موعدها، وتركز على الأزمة المالية العالمية، والحرب في العراق، والحرب في أفغانستان؟..

وتدفع سعة نطاق الحديث إلى الإيجاز ما أمكن، مع تصنيف أهم المحاور في عناوين عريضة، على النحو التالي:

داخليا: الديمقراطية - الحقوق والحريات - الفقر والثراء

خارجيا: الأزمة الرأسمالية العالمية - الحروب والعلاقات الدولية - الكوارث البيئية والمناخية

ولئن أدى الإيجاز إلى تبسيط معالم المشكلة أو المشكلات الكامنة وراء كل عنوان من هذه العناوين، فلا بد من الحرص على عدم "تسطيحها" إذا صح التعبير، وكذاك عدم إغفال أن التفاصيل بالغة التعقيد.

"التغيير" داخليا

أولا: الديمقراطية

الديمقراطية -كما تعرفها العلوم السياسية والمفاهيم العامة في الغرب- ليست "برنامجا حزبيا" أو مجرد ممارسات سياسية، تغيب وتعود أو تكبر وتضمر مع تبدل شخوص السلطة، وإلا فقدت قيمتها ومفعولها، إنما هي قواعد أساسية ملزمة في مختلف الأحوال ولجميع المسئولين، وآليات تضمن تطبيقها وتصحح مسار "السياسات والسياسيين" عند الانحراف عنها.

لهذا.. عندما يتمكن رئيس منتخب ديمقراطيا، مثل بوش الابن، من تجاوز القواعد التي انتخب على أساسها، ومن تعطيل مفعول الرقابة على سلطته التنفيذية، ثم تمتنع "المؤسسات" في دولته، أو لا تتمكن من وقفه عند حده في الوقت المناسب، قبل استفحال "الكابوس" الذي يصنعه، فإن الخلل ليس خللا فرديا، بل هو -وفق التعابير الشائعة- "مؤسساتي"، كامن في البنية الهيكلية للدولة، وفي آلية صناعة القرار فيها، وهذا أعمق بكثير من مجرد "انحراف سياسي" ينتهي بحلول رئيس جديد مكان رئيس منحرف.

وللخلل في "الديمقراطية الأمريكية وجوه متعددة، فوجود آلية الانتخابات، والأسس الدستورية، وسريان مبدأ فصل السلطات، وحتى ضمان عدم تزوير الانتخابات عموما، لا يعوض عن أمر أساسي هو افتقاد مفعول الآلية المستقلة والفعالة للرقابة وللمحاسبة، تجاه السلطة التنفيذية لا سيما الرئاسية.

هذا بالذات ما أظهره واقع انتزاع بوش الابن لنفسه كثيرا من الصلاحيات التي لا يملكها دستوريا في الأصل، ثم التصرف بموجبها لسنوات عديدة في مثل إجراءات التعذيب والتنصت، ولم يوجد من يوقفه عند حده أثناء "ارتكاب الجريمة" أو المخالفة الدستورية. ولهذا يجب التأكيد، أنه حتى لو حوكم بوش الابن بعد انتهاء رئاسته، فإن هذا لا ينفي وجود خلل بنيوي في تركيبة الديمقراطية الأمريكية.

والسؤال: هل يريد أوباما حقا، وإن أراد فهل يستطيع أصلا، أن يصلح هذا الخلل؟..

وما سبق مثال على أسئلة عديدة، يكفي التنويه بأحدها مثالا ثانيا: هل يصل "التغيير" إلى إصلاح الخلل الآخر المعروف بصدد هيمنة مراكز القوى وليس المؤسسات الدستورية، على صناعة القرار السياسي وغير السياسي، عبر سيطرتهم الاحتكارية على أسباب التوجيه والتصرف، في القطاعات الأساسية، المالية والصناعية والإعلامية؟.

ثانيا: الحقوق والحريات

 

بعد زهاء قرن ونصف القرن مضى على إعلان "تحرير الرقيق" (1865) في الولايات المتحدة الأمريكية، وصل رئيس أسود البشرة من أصول إفريقية (لم يكن من مواليد أحفاد الرقيق) إلى سدة الرئاسة، وهذا حدث "تاريخي" يمكن أن ينطوي على نتائج مستقبلية إيجابية، إنما يكشف في الوقت نفسه عن عمق "استمرارية" التمييز العنصري في واقع الدولة الأمريكية حتى الآن.

وليس الأمر مقتصرا على هذا الجانب، فالجدير بالذكر مثالا آخر أن واقع حقوق المرأة سياسيا وقانونيا يتمثل في المقارنة بين حقيقة عدم وصول أي امرأة إلى منصب الرئاسة أو نيابة الرئيس حتى اليوم، وبين تثبيت "النصوص" الدستورية والقانونية لحق الترشيح والانتخاب منذ زهاء تسعين عاما (وليس قبل ذلك رغم جميع ما يقال عن تنوير وحداثة في الغرب!).

إن التركيز الكبير على لون بشرة الرئيس الأمريكي الجديد لا ينبغي أن يواري أن مشكلة الحريات والحقوق في الولايات المتحدة الأمريكية متعددة الميادين، فكثير من الحريات والحقوق المكفولة دستوريا، مثل حرية التعبير، وحق المساواة في شغل المناصب العليا، وحتى المحاسبة أمام القضاء، أشبه بورود جميلة يحيط بها سياج "قوة المال" ومفعول "مراكز القوى" ومصالحها المادية، فتتحكم في "سقايتها" وفي آليات ممارسة تلك الحريات والحقوق.

إن ما وقع في عهد بوش الابن كان "إضافة نوعية" على هذا الخلل، إذ بلغ مستوى انتهاك الحرية الشخصية بالتنصت مثلا، وبالقوانين الاستثنائية مثلا آخر، مبلغا غير مسبوق، بل وصل إلى درك أسفل من حضيض التخلف العقلي والخلقي، وهو ما لم تعد رموزه في أبو غريب وجوانتانامو وأخواتهما مجهولة.

قد لا يتأخر أوباما كثيرا في إغلاق جوانتانامو والمعتقلات السرية، فيقضي بذلك على أحد "النتوءات" البارزة الظاهرة للعيان، ولكنها تمثل نتيجة للخلل وليس الخلل نفسه، فهل يريد مثلا.. أو هل يستطيع.. إلغاء تقنين الصلاحيات الإجرامية الممنوحة لأجهزة المخابرات على حساب الحقوق والحريات، داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها؟.. ثم هل يريد مثلا آخر أو هل يستطيع تعديل أسلوب تشكيل المحكمة الدستورية العليا، بحيث لا يخضع -إلى حد كبير- لاختيار الرئيس نفسه، أي السلطة التنفيذية، لتكون لها -مع توافر شروط أخرى- إمكانية الرقابة على ممارساتها اليومية والمحاسبة الفورية عليها، بدلا من "المماطلة" سنوات عديدة كما صنعت مع بوش الابن؟.

ثالثا: الفقر والثراء

يتصل بالحقوق والحريات الحديث عن هوة الفقر والثراء داخل المجتمع الأمريكي نفسه، وهنا أيضا نجد أن في تركيبة النظام الأمريكي سياسيا واقتصاديا ما يجعل هذه الهوة تنشأ بالضرورة وتستفحل، مع كل ما يتصل بها من عواقب خطيرة.

وهنا لا يدور الحديث حول الإنتاج وتنميته، والمال وجمعه، بل حول الكرامة الإنسانية الفردية المرتبطة بالجانب المادي كارتباطها بالجوانب المعنوية. وليس أمرا بسيطا في دولة كالولايات المتحدة الأمريكية، أن نرصد في وقت واحد:

- ارتفاع وسطي الدخل الفردي (وكلمة وسطي تعني قيمة نظرية) من حوالي 21600 دولار إلى حوالي 26400 دولار سنويا..

- وارتفاع عدد أصحاب المليارات الأمريكيين (وهذه قيمة حقيقية) من 6 ملايين إلى 9 ملايين و300 ألف شخص..

- وارتفاع عدد الفقراء الأمريكيين (وهذه أيضا قيمة حقيقية) من 31 مليونا و700 ألف إلى 37 مليونا و300 ألف إنسان..

- وارتفاع عدد العاطلين عن العمل من 6 ملايين إلى أكثر من 9 ملايين ونصف المليون..

- وارتفاع عدد المحرومين من رعاية صحية من 38 مليونا إلى 47 مليونا..

وجميع ذلك خلال 8 سنوات، هي فترة عهد بوش الابن في السلطة.

قد تنخفض هذه الأرقام مجددا، فيكون في "انخفاضها" تغيير جديد.. ولكن ينبغي أن نلاحظ أيضا، أن الأرقام الأولى من الفترة المذكورة، ليست بسيطة بحجمها وأبعادها وما تعنيه من المآسي الإنسانية، ولقد كانت تمثل النهاية التي وصل إليها وضع سكان الولايات المتحدة الأمريكية من قبل، مع نهاية عهد كلينتون من الحزب الديمقراطي.

ومن هنا يظهر للعيان أن مشكلة الثراء والفقر الأمريكية، لا تجد حلا جذريا لها بمجرد انتقال منصب الرئاسة ما بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ولا حتى ما بين رئيس ببشرة بيضاء وآخر ببشرة سوداء، إذا كانت حدود "حريته" وبالتالي حرية "تغييره" عبر السلطة، تنتهي عند حدود "حرية" من لا يصلون إلى مناصب رسمية بالضرورة، ولكنهم يحتفظون على الدوام بمفعول مراكز القوة التي تصنع القرار.

إن مشكلة الثراء والفقر لن تجد حلا لها من خلال رفع شعار التغيير، إذا بقي في حدود اتخاذ إجراءات ما لتخفيف "عمق" الهوة بين الثراء والفقر، ما لم تصل عملية التغيير إلى "الأسس" التي يقوم عليها النظام الأمريكي سياسيا وماليا واقتصاديا واجتماعيا، لتزول أسباب صناعة تلك الهوة أصلا، فذاك جوهر المشكلة وليس مجرد تأرجح عمق الهوة نفسها صعودا وهبوطا، وإلا فإن التغيير عبر الانتخابات ما بين الحزبين المسيطرين، سيبقى في حدود الاستجارة من النار بالرمضاء.

والسؤال هنا أيضا: هل يريد أوباما فعلا.. وهل يستطيع أصلا إحداث تغيير جذري، أم سيجد الأمريكيون أنفسهم بعد 4 سنوات أو 8 سنوات مخيرين مجددا ما بين الرمضاء والنار؟..

"التغيير" خارجيا

أولا: الأزمة الرأسمالية العالمية

إن طبيعة النظام الأمريكي المتبع ماليا واقصاديا هي السبب الحاسم وراء تدهور مستوى المعيشة لقطاعات كبيرة من السكان الأمريكيين رغم ازدياد ثراء الأثرياء، وهو عين السبب الحاسم وراء المشكلة البشرية الأكبر حجما والأشد عمقا على صعيد هوة الثراء والفقر، والتقدم والتخلف، والصحة والمرض، والبطر والجوع، في عالمنا المعاصر.

لقد وصلت عملية امتصاص قدرات الفئات الأضعف والأفقر من السكان الأمريكيين درجة الإشباع، فاندلعت الأزمة في الولايات المتحدة الأمريكية بادئة بقطاع رهون العقارات، أي كانت واقعيا نتيجة "شيوع العجز الفردي" عن تسديد القروض وفوائدها الربوية، ليصبح "عجزا جماعيا" شاملا لعدد كبير من السكان، وهنا لم تعد تفيد "مصادرة العقارات" و"إخراج سكانها" و"ملاحقة الدائنين للمدينين" كما يجري باستمرار على نطاق أضيق، أي في حدود ما بقي قبل اندلاع الأزمة يسمح بمتابعة عملية "امتصاص الثروات" من قاعدة هرم الثراء والفقر السكاني باتجاه قمته.

ولأن النظام الرأسمالي المنتشر عالميا بزعامة أمريكية قائم على "تشابك" قنوات التعامل المالي الذي يجعل امتصاص الثروات "ممارسة عالمية الأبعاد" تحولت الأزمة الأمريكية إلى أزمة عالمية.

ليس مجهولا أن الرئيس الأمريكي الجديد أوباما لم يتخذ في فترة المعركة الانتخابية موقفا واحدا يشير إلى نيته أو رغبته في معالجة "مشكلة النهج الرأسمالي" نفسها، وبالمقابل كانت مشاركته المباشرة فيما سمي "برنامج إنقاذ" أمريكي من شأنه الحيلولة -على حساب دافعي الضرائب- دون سقوط أقطاب الطبقة المهيمنة على الثروات الكبرى.

ولهذا يصعب الجزم ما بين توقع يقول إن أوباما سيتابع هذا الطريق، وهذا ما يريده أصحاب مراكز القوى المالية والصناعية، وتوقع آخر يعطي شعار "التغيير" مضمونا حقيقيا، يوضع موضع التطبيق الفعلي، ليطرح على المستوى الدولي ما يكفي من الإجراءات العملية الضرورية، إن لم يكن لتعديل النهج الرأسمالي المتبع من جذوره، فعلى الأقل لتقليم مخالبه التي كانت حتى الآن فاجرة على المستوى البشري عالميا وعلى مستوى كل دولة على حدة قطريا. وقد تكون الخطوة الأولى الملحة متمثلة في فرض "آليات للرقابة والمحاسبة" للحد من مفعول هذه المخالب عندما تصل إلى مقومات "حق الحياة والبقاء" على صعيد الفئات الأفقر والأضعف عالميا وفي الداخل الأمريكي.

لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى أن الجهود الدولية، وليس الأمريكية فحسب، ستعمل على إنقاذ "البشرية" من الهيمنة الرأسمالية وعواقبها المستفحلة في كل ميدان، بل يؤخذ من التمهيد لمؤتمر واشنطن في منتصف نوفمبر 2008 الجاري، أن أقصى ما تريد الدول الغربية الوصول إليه يقف عند حدود توسيع دائرتها المغلقة حتى الآن لتشمل بعض ما يسمى الدول الناهضة صناعيا، لا سيما الصين والهند. وكأن السبب الكامن وراء ذلك أن القوى الأثرى دوليا "لم تعد تستطيع" تجاهل ما وصلت إليه الدول الناهضة من تأثير على دورة الأموال والثروات في واقع الأسرة البشرية، فهي تفسح المجال أمام مشاركتها في "كعكة الهيمنة".

ويعني ذلك في الوقت نفسه، أنه لا يمكن لدول أخرى من الدول النامية جميعا، بما فيها الثرية ماليا، الناشطة استهلاكيا، المتخلفة تصنيعا، الضعيفة اقتصاديا، أن تصبح جزءا حقيقيا من "الأسرة البشرية" ما لم تنتزع لنفسها تأثيرا حقيقيا على دورة الأموال والثروات، ليوضع هذا التأثير في الحسبان دوليا.

ولا يتحقق التأثير قطعا عبر صيغة "ضخ الثروات الذاتية" -مثل العائدات النفطية- في شرايين الاقتصاد الغربي (وفي تشغيله عبر بناء ناطحات سحاب وما يشابهها محليا- وهذا مع بقاء مردود الاستثمارات خارج الحدود متأرجحا مع تأرجح الأسعار والعملات، بل يتحقق التأثير من خلال توظيف الثروات الذاتية على طريق النهوض الذاتي، تقنيا وعلميا وإنتاجا صناعيا وزراعيا، وتحويل ذلك مع الانفتاح الإقليمي إلى قوة فاعلة من خلال التكتل والتعاون..  كما يصنع الآخرون.

بغض النظر عن مفعول "الكابح" الذي تمارسه مراكز القوى في الولايات المتحدة الأمريكية، يمكن أن نفترض جدلا أن أوباما عازم حقا على التغيير في آليات النهج الرأسمالي داخليا بما يحقق المصلحة الأمريكية "الشعبية"، ثم الغربية عموما، ولكن حتى لو بلغ به الأمر درجة الحرص على هذا التغيير بما يحقق المصلحة البشرية "الشعبية" الشاملة، على أسس عادلة، فلن يصل مفعول ذلك إلى دول أو مجموعات دول.. غائبة غيابا طوعيا أو نتيجة الانصياع والتبعية، عن ساحة التأثير في صناعة القرار، ناهيك عن المشاركة المباشرة.

ثانيا: الحروب والعلاقات الدولية

 

لئن بلغ حجم برنامج الإنقاذ لصالح أصحاب الثروات الأمريكية 700 مليار دولار (المستفيد منها حوالي 1800 مؤسسة مالية) فقد بلغ حجم العجز التجاري الأمريكي 800 مليار دولار وكان (قبل 8 سنوات) في حدود 436 مليارا، وتضاعفت ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية فوصلت إلى 613 مليارا وكانت في حدود 333، وبلغت الديون على الدولة الأمريكية أكثر من 10 آلاف مليار وكانت في حدود 5700 مليار، واستهلكت الحروب نفقات مباشرة تجاوزت 2000 مليار دولار.

وهنا ينبغي التأكيد: سيان ما يقال بحق ودون حق عن المقاومة في البلدان التي استهدفتها الحروب الأمريكية مباشرة كما في أفغانستان والعراق أو بصورة غير مباشرة كما في الصومال ولبنان وفلسطين، فمما لا ريب فيه أنها كانت عنصرا حاسما في استنزاف الطاقة المالية لصانعي الحروب الأمريكيين.

وفي فترة بوش الابن (وجميع ما صنع كانت له جذوره وبداياته الأولى في فترات رئاسة أسلافه) لم تسقط نظرياته الأمنية مثل الحرب الاستباقية والحرب على جبهتين فحسب، بل سقطت أيضا النظرية التي كانت تقول: إن الحروب تنشط الصناعة العسكرية للأسلحة وقطاع الطاقة فتعود في نهاية المطاف بالمنفعة لصالح الاقتصاد الأمريكي.

إن الخروج من وحل الخسارة المادية نتيجة الحروب أصبح هدفا أمريكيا أساسيا بغض النظر عن كل عامل إنساني أو اعتبار سياسي، أمريكي أو دولي، لحزب جمهوري أو ديمقراطي.

أوباما بدأ صعوده في المعركة الانتخابية بورقة الانسحاب السريع (نسبيا) من العراق، وبلغ به مداه بورقة الوعود التي أطلقها على الصعيد الاقتصادي المعيشي الداخلي، ولكن ما طرحه على صعيد الحروب الأمريكية ما زال في حدود التعميم الضبابي دون التزامات واضحة.

تحديد فترة 16 شهرا للانسحاب من العراق غاب في كلماته الأخيرة قبيل الانتخابات، وستبقى الهزيمة في حرب العراق في نهاية المطاف هزيمة أمريكية محضة، بتأثير سلبي على "العالم الغربي"، أما الحرب في أفغانستان، فأوباما يريد الاستمرار فيها حتى "النصر"، وهذا ما لم يغب الحديث عنه في كلماته تحت عنوان "الحرب على الإرهاب"، والجدير بالذكر أن الهزيمة في أفغانستان إن وقعت لن تكون أمريكية محضة، بل هزيمة أطلسية شاملة.

يكمن من وراء ذلك في حرب احتلال العراق احتمال أن تظهر شروط، ومناورات، ومواعيد زمنية جديدة، وفي حرب تدمير أفغانستان يكمن احتمال أن تستمر المطالب الأمريكية تجاه الشركاء الأطلسيين، أن ينهضوا بقدر أكبر من أعباء الحرب.

في الحالتين.. ولأن مجرى الحروب وتكاليفها يفرض نفسه على قرار أوباما، بغض النظر عما يريد أو ما يستطيع تغييره، من المرجح أن يبحث عن مخرج ما، يضمن "هزيمة مشرفة" ما دام تحقيق النصر العسكري مستحيلا.

إنهاء الحرب بصورة أو بأخرى، في العراق وفي أفغانستان، "تغيير" يفرضه العجز المالي عن متابعتها على غرار ما كان حتى الآن، ولئن تراجع "حجم" العجز المالي فمتابعة الحرب هي المرجحة، فقد كان وما يزال الموقف الرسمي لأوباما من الحرب موقفا "ماليا" لا علاقة له بالجوانب المأساوية والأخلاقية والقانونية الدولية.

ولا يغير من ذلك احتمال ازدياد تعقيد مسألة الحروب، إذا أقدم بوش الابن على محاولة ما للتشويش "عسكريا" على الرئيس الجديد في الفترة المتبقية حتى استلامه مهام منصبه رسميا، وهذا ما يردده بعض المحللين، ويقصدون به احتمال إقدام بوش الابن على تصرف عسكري أرعن جديد، من قبيل التحرك عسكريا ضد إيران مثلا، أو حتى سورية، أو في السودان، أو لوقف عجلة التطور الجديد في الصومال. على أن أي تحرك من هذا القبيل لا بد أن يكون محدودا نسبيا، أي في نطاق ما تخوله صلاحيات "الرئيس" دون الرجوع إلى "الكونجرس الأمريكي"، وسيبقى بذلك في حدود "التشويش" بمنظور السياسة الأمريكية المنتظرة من أوباما!.

أما بمنظور المنطقة الإسلامية المستهدفة عبر الحروب الأمريكية، فإن مصدر الخطر لن يكون في الفترة المقبلة أمريكيا محضا، فيفترض النظر إليه عبر ما يتجاوز حدود "التغيير" الموعود على لسان أوباما، والأرجح أن يزداد الخطر أو يضمر على ضوء عاملين أساسيين:

أولهما: حجم التوافق الأمريكي-الأوروبي المنتظر فيما يوصف بالسياسات الأمنية، ويعني سياسة الهيمنة الغربية المشتركة عالميا، وتوجد لذلك معطيات عديدة في الوقت الحاضر..

وثانيهما السياسات الإقليمية العربية والإسلامية، فإذا ما بقيت على حالها من التجزئة إلى درجة العداء، والبحث عن حماية أجنبية إلى درجة الاستخذاء، فلن يتوافر ما يدرأ الخطر الفوري أو المستقبلي، الأمريكي أو الغربي، أو بأي هوية كانت.

لن يدرأ الخطر الخارجي أو يرده سوى الخروج من نفق هذه السياسات، والالتحام الحقيقي بالشعوب وخدمتها لا الاستبداد عليها، ثم التوصل إلى أرضية مشتركة للتكتل والتعاون والتنمية، تقوم على المصالح العليا وليس على أنانيات أو نظرات ضيقة في نطاق الحدود القطرية أو المنافع الآنية.

ثالثا: الكوارث البيئية والمناخية

إضافة إلى الجوانب الأمنية التي توضع أمريكيا تحت عناوين مخادعة مثل "حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل" لاحتكارها تحت سيطرة القوى المهيمنة، سيكون البحث عن نقاط التقاء مع القوى الدولية الأخرى، بما يشمل الأوروبيين وربما يمتد إلى روسيا والصين والدول الناهضة صناعيا، هو على الأرجح الميدان الذي يحتل مكانة  الصدارة في جهود أوباما وفريق حكمه على صعيد السياسات الخارجية.

وما يمكن الوصول إليه من تنسيق وتعاون فيما يسمى السياسات الأمنية، غير قابل للتحقيق دون تنسيق وتعاون في ميادين أخرى لفت أوباما النظر إليها في بعض كلماته، وإن غابت نسبيا وراء تركيزه على الأوضاع المعيشية الداخلية في المرحلة الأخيرة من معركته الانتخابية. وعلى رأس القضايا التي تلح القوى الأخرى عليها ويمكن أن تجد استجابة أمريكية ما يرتبط بحماية البيئة والوقاية من التبدلات المناخية.

وقد قطع العمل في هذه الميادين في هذه الأثناء شوطا لا بأس به -لا سيما في أوروبا- لدمجها في نطاق أهداف النمو الاقتصادي الذي تبقى له مكانة الصدارة، وهذا ما يجعل قابلية التعاون الدولي بيئيا ومناخيا مفتوحة دون أن تتناقض مع أسس السياسات الاقتصادية الأمريكية، إلا أنه من المستبعد أن يصل الانفتاح الأمريكي على تعاون دولي في هذه الميادين، ليشمل ميادين أخرى لا يزال التعامل معها صادرا عن إعطاء الأولوية للسيادة الأمريكية، مثل المشاركة في المحكمة الجنائية الدولية لمكافحة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أو المشاركة في اتفاقيات من قبيل تحريم الألغام الأرضية والقنابل الانشطارية.

أخيرا.. إن التغيير في السياسات الخارجية الأمريكية لن يبلغ بحجمه -إن حصل فعلا- حجم التغيير المحتمل في السياسات الداخلية، وفي الحالتين ستبقى صناعة قرار الرئيس الأمريكي الجديد جزءا لا يتجزأ من صناعة القرار على الطريقة الأمريكية، تحت عنوان "مؤسساتي" وبمضمون تحدده مراكز القوى، وهذه كانت قبل فوز أوباما، وستبقى طوال فترة رئاسته، تمارس لعبتها الدائمة ما بين الصراع والتلاقي فيما بينها، دون أن يصل إليها مفعول شعار التغيير.. فهذا ما يحتاج إلى أكثر من "أوباما" قطعا.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات