|
| حديث التويث يتصاعد في مصر |
قبل أن يبدأ المؤتمر الخامس الأخير للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر (1-3 نوفمبر 2008)، كانت كل المؤشرات المحلية والدولية تشير إلى أن حديث "الإصلاح السياسي" أصبح في "خبر كان" لأسباب تتعلق بضعف وغياب قوى التغيير في الداخل أو ضربها، وقصر الحديث دوليا على "الإصلاح الاقتصادي" بسبب الأزمة المالية العالمية التي ضربت أجزاءً عديدة من المعمورة في مقدمتها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن.
ومنذ الجلسة الأولى للمؤتمر وحتى نهايته تحت شعار (فكر جديد لمستقبل بلادنا)، ظهرت تأكيدات من قادة الحزب أن مؤتمر العام الحالي يسعى للتركيز على المشكلات المالية في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي أكد وزير التخطيط أن مصر ستخسر بموجبها هذا العام فقط 4.4 مليارات دولار، وهو ما أشار إليه صفوت الشريف الأمين العام للحزب حينما قال إن الرئيس حسني مبارك قائد الحزب "سوف يحدد في المؤتمر الآثار المترتبة على الأزمة المالية العالمية والإجراءات التي تتخذها الحكومة لحماية الاقتصاد المصري وحماية المواطن العادي من الآثار السلبية المتوقعة".
إصلاح اقتصادي فقط
وبرغم أن مؤتمر الحزب الذي يستهدف تقويم السياسات السابقة، عقد في ظل انتقادات حادة من قوى المعارضة للحزب الحاكمة باحتكار الحياة السياسية وتهميش الأحزاب الأخرى، واستظلال العديد من رجال الأعمال الفاسدين بظل الحزب الحاكم بدليل عشرات القضايا التي كشفت في الشهور القليلة الماضية وتخص جرائم مالية وجنائية وفساد لرجال أعمال أغلبهم في لجنة السياسات التي تحرك الحزب، فلم يؤثر هذا الهجوم على ذات التوجه الذي اعتزمه الحزب وهو توفير مزيد من الرعاية لرجال الأعمال والقطاع الخاص.
فتركيز المؤتمر فقط هذا العام على الجانب الاقتصادي وعلى استمرارية الخط الداعي لدعم رجال الأعمال الذين يهيمنون على لجنة السياسات بالحزب الحاكم وعلى عدة وزارات، ظهر بوضوح في حديث جمال مبارك المطول في المؤتمر عن انحيازه الواضح للقطاع الخاص ومجتمع رجال الأعمال وكلماته المطمئنة لرجال الأعمال بعد سلسلة الفضائح التي تعرضوا لها، حيث قال: "هناك جدل لا ينتهي حول دور القطاع الخاص والبعض يتحدث عنه بخجل وهناك من يتحدث عن القطاع الخاص المستغل اللي عايز يضر بالناس ولازم نقولها بالبنط العريض: إحنا الحزب المدعم للاستثمار.. القطاع الخاص".
واستشهد جمال مبارك بأن القطاع الخاص أصبح يضخ 70% من الاستثمارات في الاقتصاد المصري، وتساءل: "من هو القطاع الخاص؟ هم عايزين (يقصد المعارضون) يفهموا الناس شيئاً آخر.. وسيبكوا (اتركوا) من الأيديولوجيات.. رأسمالي واشتراكي وأنا عايز أقول: إن هذا جزء من الموروث القديم".
أيضا قال مبارك الابن إن هناك من يدعي أن القطاع الخاص أصبح الباب الخلفي لسيطرة الأجانب على الاقتصاد المصري، وقدم دفاعاً حارًّا عن الاستثمارات الأجنبية التي احتكرت أسواق الأسمنت وخلافه في مصر، وقال: "هذه الاستثمارات فتحت باب الرزق والأمل وبدونها لما كان حالنا اليوم أسوأ مما كان عليه منذ 4 سنوات".
والأمر نفسه كرره الرئيس مبارك، فهو أكد في خطابه في ختام المؤتمر على رعاية مصالح محدودي الدخل والفقراء والذين تأثروا بالمستجدات والتطورات الاقتصادية خلال الشهور الأخيرة، وعلى تمسك وتصميم الحزب الوطني الديمقراطي على المضي في خطوات الإصلاح (لم يحدد هي سياسية أم اقتصادية أم عامة) دون رجعة إلى الوراء، لكنه شدد على "أولوية الحفاظ على معدلات النمو الاقتصادي وقضايا الاستثمار وإتاحة فرص العمل، وهي الأولوية الرئيسية الموازية لتوسيع قاعدة العدالة الاجتماعية ومحاصرة الفقر والنهوض بما يقدم للمواطنين من خدمات". وهذا يؤكد أنه قصد بدوره القضايا الاقتصادية لا السياسية.
والغريب أنه برغم توحد الحديث -بين قادة الحزب- عن الإصلاح الاقتصادي وغياب أي حديث أو خطوات جديدة للإصلاح السياسي، ظهر تضارب في التصريحات بين قادة الحزب ليس له مغزى سوى تضارب أفكار المستويات القيادية بين الجيل الجديد في الحزب والجيل القديم، فعلى حين ركز الجميع على الإصلاح الاقتصادي فقط، وهاجموا المعارضة السياسية بدون مناسبة فعلية، أكد صفوت الشريف الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي في ختام أعمال المؤتمر على أن رسالة المؤتمر هي التأكيد على استمرار الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي ودعم الدولة المدنية التي تقوم على احترام الدستور والقانون والنظام الرئاسي وتعميق المواطنة".
وعلى حين دلَّل جمال مبارك في خطابه رجال الأعمال، أكد الشريف أن الحزب الوطني "حزب كل المصريين وليس حزب رجال الأعمال، كما يروج البعض، وأنه لا سيطرة لأحد على الحزب الذي يعمل بشكل مؤسسي"، وقال إنه "لا حصانة لأحد من رجال الأعمال لو أخطأ".
أيضا شن جمال مبارك هجوما حادا على المعارضة، ولكن صفوت الشريف سعى لموازنة هذا الهجوم بالحديث عن المعارضة المصرية الوطنية، وعاد جمال في نهاية المؤتمر للتصالح مع المعارضة التي هاجمها بلا داعٍ ليقول: "لا نشن هجوماً على المعارضة، ولكن نريد التحاور معهم بشكل موضوعي فقط".
غياب الإصلاح السياسي
وكان واضحا أن التركيز على الجانب الاقتصادي في مؤتمر الحزب الوطني السنوي الأخير، يعني أن الحزب تحرك بمنطق أن الضغوط الخارجية ستتوقف خصوصًا بعد غياب إدارة بوش وقدوم إدارة جديدة (باراك أوباما) ستنخرط في مشاكل أمريكا الداخلية، في حين أن أي إدارة جديدة ستضع نصب أعينها فكرة إعادة هيكلة الشرق الأوسط بما يعنيه تركيز التدخل الأمريكي في هذه المنطقة من زاوية العراق وإيران، وهما قضيتان لمصر دور حيوي فيهما، كما أن سيطرة الديمقراطيين على البيت الأبيض والكونجرس معا سيعطي لهم – وفق سوابق الإدارات الديمقراطية - دورا بارزا في تطبيق معايير الحريات والديمقراطية في العالم بصورة أكبر، ما يعني العكس، أي مزيد من الاهتمام الأمريكي بالإصلاح السياسي في مصر.
ولهذا لوحظ أن جمال مبارك هاجم "من شككوا في هذا الإصلاح السياسي المزعوم برغم أن الانتقادات لهذا الإصلاح أتت من الخارج أكثر من الداخل"، وقال: "هذا العام نستكمل الإصلاح فيما يخص قضايا الانتخاب وتفعيل الإدارة المحلية"، دون أن يرد ذكر لقضايا الحريات الأخرى أو وقف القيود على إنشاء الأحزاب السياسية الجديدة أو القائمة.
والمشكلة هنا أن أوباما والديمقراطيين يبدون اهتماما كبيرا بمصر، بل إن هناك لوبي من جماعات الإصلاح السياسي من تنظيمات "ابن خلدون" و"عرب بلا حدود" وغيرهم دشنوا أربع مجموعات على الموقع الإلكتروني "فيس بوك" لدعم أوباما، وهؤلاء لم يكونوا مثل طواحين الهواء، بدليل أن أوباما رد عليهم قبل الانتخابات بستة أيام في رسالة استغرقت 3 دقائق قائلا: "نعدكــم بتلبية مطالبكم"، وهو ما يطرح تساؤلات حول سير مؤتمر الحزب الوطني عكس تيار التغيير الذي يطرحه باراك أوباما ("أوباما" تعني "مبارك" في اللغة السواحيلية الكينية)، وهل تصدق توقعات الوطني بانكفاء أمريكا داخليا والبعد عن التدخل في شئون مصر أم يحدث العكس ويتدخل أوباما و" الديمقراطيين"؟!
مزيد من تصعيد مبارك الابن
وإذا كان حديث التوريث يتجدد سنويا في كل المؤتمرات السابقة للحزب حول سيناريوهات مستقبل الحكم المستقبلية في مصر، فإنه من المتوقع في ظل إدارة أمريكية ديمقراطية تنتظر الكثير من الدور المصري في ملفات عالقة بالمنطقة، أن تضغط باتجاه المزيد من الإصلاح السياسي، ولا سيما أن حديث مراكز الفكر وبعض وسائل الإعلام الأمريكية لا يتوقف عن طرح تساؤلات عن مستقبل الحكم في مصر.
ولذا يبدو أن ظاهرة بزوغ نجم جمال مبارك وتوليه قيادة مؤتمر الحزب وتقدمه حتى على والده الرئيس، رئيس الحزب وأمينه العام، كانت معدة سلفا، وانعكست في هجوم جمال مبارك على معارضي الحزب بدون مناسبة، وحديثه عن رفض العودة لـ "سياسات الماضي"، ما اعتبره محللون هجوما من مبارك الابن على مبارك الأب؛ لأن سياسات الماضي يدخل فيها سياسات حكم والده الممتدة 27 عاما.
وإذا كان المؤتمر العام التاسع للحزب الذي عقد العام الماضي قد عزز هذا الخيار التوريثي أو أصبغ عليه شرعية قانونية، فإن المؤتمر السنوي الخامس أظهر أن جمال هو الذي يدير الحزب متقدما حتى على الأمين العام صفوت الشريف الذي وقف هذا المؤتمر خلف جمال بصورة واضحة، بل إن أحمد عز القيادي البارز في الحزب وصف ما يفعله جمال بأنه (ثورة المستقبل).
وحاول مبارك الابن أيضا أن يبعث برسالة للجميع مفادها أن الدستور هو من يتحكم في لعبة الحكم، فقد تحفظ على إجابة والده حين دعاه أحد أعضاء الحزب لمعاودة ترشيحه للرئاسة مرة سابعة، أي حتى سن 89 سنة ورد مبارك قائلا: "إن شاء الله"، فإن جمال رفض تحديد من سيرشحه الحزب في انتخابات رئاسة 2011، قائلا: "لا يوجد حزب في العالم يحدد مرشحه للرئاسة قبل الانتخابات بثلاث سنوات".
والحقيقة أنه عندما تم تشكيل أول "هيئة عليا" لتتولى إدارة الحزب لـ 4 سنوات مقبلة في مؤتمر الحزب العام الماضي، بحيث يخرج من بينها مرشح الحزب في انتخابات الرئاسة 2011، وأصبح جمال مبارك عضوا بها بحكم مناصبه الحزبية؛ أصبح جمال بذلك مؤهلا للترشح عمليا لرئاسة البلاد، وفقا للتعديلات الدستورية الأخيرة التي تنص على أن يكون مرشح الرئاسة عضوًا بالهيئة العليا لحزبه، ولذلك لم يعد الحزب الوطني يخشى اتهامه بالتوريث طالما أنه أصبح من حق جمال عمليًّا الترشح والفوز مثل أي عضو من قيادات الحزب العليا.
وربما لهذا كثف جمال مبارك، الأمين العام المساعد وأمين السياسات، من ظهوره خلال المؤتمر السنوي الخامس للحزب الوطني، بدءا بافتتاح جلسات اليوم الثاني، ثم تسلم راية الهجوم على قوى المعارضة، وقوله: "الآخرون الذين ينادون بالإصلاح يريدون العودة بنا 30 و40 عاماً إلى الوراء لتطبيق سياسات تجاوزها الزمن".
وقد ربط مراقبون بين رفض جمال مبارك الرد على السؤال المتعلق بمن سيرشحه الحزب لانتخابات الرئاسة عام 2011، وبين حسابات سياسية وأمنية داخلية تتعلق بقبول المؤسسة العسكرية تحديدا لمسألة تولي قيادتها – بحكم تولي الرئيس قيادة القوات المسلحة – تولي رئيس شاب بدون خبرات فعلية، وقالوا إن هذا معناه أن موقف هذه المؤسسات لم يتبلور بعد، وإن التلميح بترشيح جمال الابن ربما يثير مشكلات، ولهذا يؤجل الأمر لوقته، بحيث لو رشح جمال يستمر مسلسل "التوريث الدستوري"، أما لو رشح مبارك الأب نفسه مرة أخرى، فسيكون هذا علامة على أن القوات المسلحة لا تقبل بابنه رئيسا، وإن جمال سيجد صعوبة في تولي هذا المنصب سواء في حياة والده أو غيابه.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|