|
| من اليسار أوباما، مارتن لوثر كينج وروزا
|
سان فرانسيسكو- عادت طفلة بيضاء صغيرة (11 عاما) من مدرستها إلى منزلها في ريف كاليفورنيا، قبل أيام قلائل من انطلاق انتخابات الرئاسة الأمريكية، وهي تردد جملة سمعتها من إحدى زميلاتها: "جلست روزا، ولذا تمكن مارتين من السير، واستطاع باراك أن يجري، وها قد صار بمقدورنا أن نحلق".
هذه الجملة تلخص بشدة تاريخ حركة الحقوق المدنية ومعنى الانتصار الرئاسي الذي حققه باراك أوباما (47 عاما) ذو البشرة السمراء، كما يلخص أيضا مشوار الحركة التي غيرت مسار كل من القانون والمجتمع الأمريكي في غضون 53 عاما، منذ أن رفضت روزا باركس الانتقال إلى مقعد خلفي في حافلة ركاب، حيث كان يتم الفصل بين مقاعد البيض والسود في مونتجمري بولاية ألاباما.
كان تصرفها المليء بالتحدي عام 1955 بمثابة شرارة ساعدت في إشعال فتيل حركة الحقوق المدنية، ومهدت الطريق لمسيرة واشنطن عام 1963، حيث ألقى داعية الحقوق المدنية، مارتن لوثر كينج، خطابه الشهير "لديَّ حلم".
الآن يتحول جزء كبير من هذا الحلم إلى حقيقة بانتصار أوباما في انتخابات الرئاسة التي أجريت الثلاثاء 4-11-2008.
فسيناتور إلينوي، وهو نجل طالب كيني وسيدة أمريكية بيضاء من كانساس، سيؤدي اليمين الدستورية يوم 20 يناير المقبل، ليصبح أول رئيس من أصل إفريقي للولايات المتحدة.
إنه دليل حي على التقدم الذي يمكن تحقيقه في بلد أنهى العبودية قبل أقل من 150 عاما، وظلت بعض ولاياته تعمل بقوانين الفصل العنصري إلى ما قبل نحو 50 عاما فقط.
وفي استشرافه للمستقبل، كتب الصحفي تيرنسي صامويل في موقع "ذي روت. كوم"، الإلكتروني المعني بقضايا السود: "إن قوة اللحظة ستمضي أبعد بكثير من قضية السود".
واستطرد قائلا: "إن واحدا من أكثر الأشياء الحقيقية في مسألة أوباما هو أن قصته لم تكن ممكنة إلا في أمريكا، نجاحه هو طلاق بائن مع ماض بغيض وشيء من الاعتذار عن تاريخنا العرقي الآثم الطويل؛ إنها قصة أمريكية وهذه أمريكا مختلفة".
الأفارقة الأوائل
ووصل الجيل الأول من الأفارقة إلى أمريكا الشمالية مكبلين بالسلاسل بعد وقت ليس بالطويل من استقرار مستوطنين إنجليز في فيرجينيا عام 1607.
وبعد حصول المستعمرات الـ13 الأصلية على حريتها من بريطانيا لم يتسن وضع دستور أمريكا عام 1787 إلا عبر حل وسط "وحشي" بين الولايات الحرة الشمالية وولايات العبودية الجنوبية، عالج أمر العبيد بشكل دفع الأجيال المتعاقبة إلى النزاع.
وفي خاتمة المطاف انتهت العبودية بانتصار الشمال في الحرب الأهلية عام 1865، وتحرير قرابة أربعة ملايين من العبيد أو 10% من مجموع سكان البلاد حينها. لكن هذا لم ينه التمييز ضد السود في الولايات المتحدة.
إذ عانى هؤلاء من قلة التعليم وندرة الفرص الاقتصادية ومن مجموعة من القوانين التي حرمتهم من التصويت في الانتخابات بالجنوب.
وعرّض استمرار العمل بقوانين العبودية ونظام التفرقة العنصرية البغيض الأمريكيين من أصل إفريقي إلى إذلال مستمر وشاع الضرب والإعدامات بلا محاكمة دون إحالة مرتكبى هذه الأفعال غالبا إلى القضاء.
وراحت حركة الحقوق المدنية بهدوء تكتسب أرضا جديدة كل يوم طوال النصف الأول من القرن العشرين، ونجحت في خاتمة المطاف في فرض حقوق السود، ومنها الحق في التصويت والحصول على الخدمات العامة، وكان قانون حق التصويت الصادر عام 1965 هو المسمار الأخير في نعش قوانين التفرقة العنصرية.
ندوب الوحشية
بيد أن ندوب الوحشية والتحامل ظلت عميقة، فالسود الذين يشكلون 13% من سكان الولايات المتحدة حاليا، حققوا نجاحات مطردة اجتماعية واقتصادية، لكن لا تزال نسبة الفقر بينهم أعلى من المتوسط العام للفقر، ويعانون من ضعف الخدمات الصحية، كما يقل متوسط العمر بينهم عن بقية الأمريكيين، ويشكلون 45% من المساجين.
وفي خطاب شامل ألقاه في مارس الماضي، قال أوباما عن العلاقات العرقية: "لسنا بحاجة أن نذكر أنفسنا بأن قسما كبيرا من أشكال التباين التي توجد في مجتمع الأمريكيين من أصل إفريقي اليوم يمكن أن تعود بشكل مباشر إلى مظاهر التفرقة العنصرية التي توارثناها عن أجيال سابقة عانت من وطأة الإرث الوحشي للعبودية".
كذلك لفت أوباما إلى أن قسما كبيرا من البيض أيضا يشعر بالاستياء وبحرمانه من بعض الحقوق، داعيا الجانبين إلى العمل معا لمداواة هذه الجروح العرقية.
وقوبل فوز أوباما بفرحة عارمة بين السود، لكن بعضهم لا يعلق آمالا كبيرة، إذ يقول إيبهوداج إيسموميمي (23 عاما)، وهو مصمم مواقع إلكترونية: "إن وجود رئيس أسود لا يعني سحرا، فهو لن يقضي على نقيصة عدم المساواة بين عشية وضحاها، وهو على يقين من أنه لن يغيرها في غضون أربع سنوات".
|