|
| غلاف الكتاب |
(من الصحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية تأتي في مرتبة متقدمة من حيث تقييم الديمقراطية المؤسسية بها، إلا أنه ليس صحيحًا على الإطلاق أن الشيء نفسه يصدق على العملية الانتخابية فيها).
بهذه العبارة تشرح الدكتورة منار الشوربجي، الخبيرة في الشئون الأمريكية الداخلية، فكرة كتابها الجديد الذي صدر الشهر الماضي أكتوبر 2008، تحت عنوان: "كيف ينتخب الرئيس الأمريكي؟.. قيود وتعقيدات.. وأشياء أخرى..!"، حيث تقدم أطروحتها الرئيسية ومؤداها: "أنه ليس صحيحًا أن الناخب الأمريكي هو الفاعل الرئيسي الذي يحدد من يتولى منصب الرئاسة الأمريكية، فدور الناخب في النظام السياسي الأمريكي محكوم بقيود عدة تحجم من حجم الدور الذي يلعبه، بل وتفرغه من محتواه أصلا في بعض الأحيان".
وتقول د. منار إن شرح العملية الانتخابية لمنصب الرئاسة في الولايات المتحدة، يؤكد أنها انتخابات ذات طابع نخبوي محافظ، وتبتعد في كثير من الأحيان عن أفكار محورية عرفها العالم كله واستخدمها بهدف تحقيق إرادة الناخبين، مثل الاقتراع السري المباشر، ومواطن واحد يساوي صوتًا واحدًا.
القصف الديمقراطي الأمريكي
ولا تقدم المؤلفة هذه الأطروحة فقط من أجل معرفة المتغيرات المختلفة اللازمة لتحليل الديمقراطية الأمريكية أو للتمييز بين نقاط القوة ونقاط الضعف في الآليات الديمقراطية الأمريكية للمنبهرين العرب بهذا النموذج الديمقراطي، ولكن أيضا لتحديد ما تقصده الولايات المتحدة حينما تتحدث عن الديمقراطية وعن احتذاء النموذج الأمريكي.
وعلى سبيل المثال فقد سعت إدارة بوش بعد احتلال العراق إلى ابتداع نظام لنقل السلطة في العراق يعتمد ذات الخصائص المعروفة عن الانتخاب غير المباشر في الولايات المتحدة عبر مراحل مختلفة عدة: المرحلة الأولى، تتمثل في تشكيل لجنة يقوم باختيار أعضائها مجلس الحكم العراقي، مهمتها اختيار من سوف يشاركون فيما أطلق عليه "المؤتمرات الوطنية" في الأقاليم المختلفة، ثم يختار المشاركون في المؤتمرات الوطنية أعضاء المجلس النيابي الانتقالي، الذي يقوم بدوره باختيار الحكومة.
وهذا يشبه نظام الانتخابات التمهيدية التي تجري في الولايات المتحدة لاختيار المرشحين، وقد تم نقل هذا النموذج حرفيًا للعراق، وإن كان نسخة مشوهة منه، على الرغم من أنه نموذج بالغ التعقيد يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالخصوصية الأمريكية. ولئن كان تم التخلي فعلا عن هذا النموذج في الحالة العراقية لما للعراق من خصوصيات مختلفة عن أمريكا، فهذا يكشف عن أن فكرة تصدير الديمقراطية الأمريكية على وجه التحديد، وليس الديمقراطية عمومًا، هي فكرة حاضرة بقوة في العقل السياسي الأمريكي ومتضمنة في كل حديث أمريكي عن الديمقراطية في العالم.
إطار نظري وحالات تطبيقية
ولتوضيح الأطروحة الرئيسية للكتاب، تقسم د. منار الشوربجي مؤلفها إلى بابين رئسيين، يعني الباب الأول بتقديم الإطار النظري العام الذي تدور فيه الحملات الانتخابية للرئاسة، بينما يتناول الباب الثاني حالات تطبيقية بعينها تمثل تجسيدا واضحا لهذا الإطار النظري.
وينقسم الباب الأول إلى أربعة فصول، يعني الفصل الأول بالإطار الدستوري والقانوني لانتخابات الرئاسة، ويتناول تمويل الحملات الانتخابية، وما تلعبه جماعات المصالح من دور بالغ الأهمية في الانتخابات.
ويشرح الفصل الثاني المرحلة التمهيدية في انتخابات الرئاسة، وهي المرحلة التي تدور فيها المعركة بين مرشحي كل حزب وتنتهي بفوز واحد منهم ليخوض الانتخابات ضد مرشح الحزب الآخر.
ويتعرض الفصل الثالث للائتلافات الانتخابية التي تنشأ لحظة الانتخابات، وذلك لإلقاء الضوء على طبيعة الأحزاب الأمريكية ودورها في الحملات وعلاقتها بالمرشحين، وما يمثله كل ذلك من قيد آخر على الناخب، وما ينطوي على ذلك من تجاهل لقطاعات عريضة من الناخبين.
ويتناول الفصل الرابع أحد أبرز المتغيرات الهامة التي تسهم ليس فقط في صناعة المرشح أو في تشكيل الحملات الانتخابية، وإنما تؤثر على أو قد تشكل خيارات الناخب نفسه، وهذا المتغير هو دور وسائل الإعلام، والتي قد تصنع مرشحًا رئاسيًا وقد تدمر آخرًا.
وبالنسبة للباب الثاني من الكتاب، فهو يقدم حالات تطبيقية حديثة من واقع الانتخابات الأمريكية منذ عام 1996، وحتى هذه الانتخابات الراهنة.
وينقسم هذا الباب أيضًا إلى خمسة فصول، حيث يتعرض الفصل الخامس من الكتاب لتلك الأزمة الدستورية التي حدثت في انتخابات عام 2000، فهي تجسيد واضح لمحدودية دور الناخب الأمريكي. فيما يتطرق الفصل السادس إلى حالات عملية من واقع انتخابات 1996 وانتخابات 2000، لتوضح الكاتبة دور الائتلافات الانتخابية التي يخلقها المرشحون، وإلى أن هذه الائتلافات قد تؤدي في الواقع إلى حملة خالية من القضايا المحورية في مجتمع يموج بتحولات كبيرة.
ويركز الفصل السابع على محورية الاختيارات السياسية التي يتبناها حزب ما في السنوات السابقة على الحملة الانتخابية، وأنها قد تلعب دورًا حاسمًا في التأثير على مقدرات ذلك الحزب في الانتخابات وتحديد فرص مرشحه.
أما الفصلين الثامن والتاسع، فتقدم فيهما المؤلفة نماذج واقعية لدور الإعلام في إنجاح مرشح أو القضاء عليه، كما تقدم تفصيلا لحملة هوارد دين في الانتخابات التمهيدية لانتخابات عام 2004، باعتبارها أولاً تمثل نموذجا كاشفا لمثالب الإطار الدستوري والقانوني لانتخابات الرئاسة الأمريكية، بدءًا بنظام الانتخابات التمهيدية، ومرورًا بمسألة تمويل الحملات الانتخابية، ووصولاً إلى القوانين الحاكمة للدعاية الانتخابية. وثانياً لأنه لا يمكن فهم مجريات حملات 2008 الانتخابية وبروز ظاهرة باراك أوباما وفهم حملته الانتخابية دون الوقوف على ما حدث في حملة هوارد دين.
خلاصات أساسية
وحقيقة يقدم هذا المؤلَف شرحًا علميًا تحليليا وتفسيرًا مستفيضًا للتأكيد على أطروحته الرئيسية، دونما تحيز أو قفز على الواقع الأمريكي أو إغفال لمزايا النظام الديمقراطي الأمريكي، كما أنه قدم الأسباب التي ميزت النظام السياسي والانتخابي في أمريكا عن غيرها من الدول الديمقراطية.
لكن الكتاب يلقي الضوء على أن ما يجري في أمريكا هو في الواقع غير قابل للتطبيق في بلدان أخرى. ولا يعود ذلك إلى قضية خصوصية الأنظمة السياسية والاجتماعية والأنماط الثاقافية من بلد لآخر، ولكن يعزي ذلك بالأساس إلى أن نمط الديمقراطية الأمريكية إنما أنتج على أرض الواقع تقييدًا كبيرًا على دور الناخب وتقييدًا أكبر على قيام أحزاب سياسية قوية بخلاف الحزبين المسيطرين على الحياة السياسية، وأدى إلى شخصنة الحملات الانتخابية إلى أقصى قدر ممكن من جانب، وخلق أدوارًا سياسية للمال وللإعلام تجاوزت الحد المطلوب لتكون من عوامل صناعة المرشح الرئاسي. وبين هذا وذاك ربما تضيع قضايا محورية ومطالب فئات مختلفة من قطاعات كبرى من الناخبين في مجتمع يتميز بتعدد الأعراق والديانات.
والأهم من ذلك أن الكتاب يلقي الضوء على مخرجات الانتخابات الرئاسية، ويثير اللغط المنتشر في العالم العربي عن التساؤل: ماذا لو فاز المرشح (أ) أو إذا فاز المرشح (ب)، لينقل هذا التساؤل إلى: من يتولى الرئاسة والكونجرس معا، بل وأي التيارات السياسية هي المهيمنة في المؤسستين؟.
ويوضح الكتاب أن النظام السياسي الأمريكي لم يقم على مبدأ "الفصل بين السلطات والرقابة فيما بينها" كما في أغلبية النظم الرئاسية في العالم، بقدر ما أنه خلق "مؤسسات منفصلة تتقاسم السلطات". ويعني ذلك أن السلطات الثلاث ليست بالكامل في يد مؤسسة واحدة معنية بتلك السلطة، وإنما تشترك المؤسسات الثلاث في كل واحدة من هذه السلطات.
وعلى سبيل المثال، فقد وضع الدستور الأمريكي السلطة التنفيذية في يد الرئيس، إلا أنه أعطى لكل من المؤسسة التشريعية والقضائية من الصلاحيات ما يمكنها من ردع الرئاسة عند اللزوم.
وتستدل د. منار على ذلك بالنص الدستوري الذي يخول للكونجرس ما يسمي بـ "سلطة المحفظة"، إذ لا يمكن للرئيس إنفاق دولار واحد دون موافقة الكونجرس. ومن ثم فالرئيس يعد السياسات العامة، لكنه لا يملك تنفيذها دون موافقة الكونجرس الذي يوفر التمويل اللازم للتنفيذ. كما أن للرئيس أن يُعين رموز الإدارة التنفيذية وقضاة المحكمة العليا، إلا أن هؤلاء لا يستطيعون ممارسة مهامهم إلا بعد تصديق مجلس الشيوخ.
وفي المقابل، يملك الرئيس حق اقتراح مشروعات قوانين إلى الكونجرس، وله أن يستخدم الفيتو ضد مشروعات القوانين التي يصدرها الكونجرس ويردها إليه، ولا يمكن تمريرها بعد ذلك إلا بموافقة ثلثي أعضاء الكونجرس بمجلسيه إذ يصبح القانون نافذًا في تلك الحالة دون الحاجة لتوقيع الرئيس.
وإذا كان ذلك هو الواقع، فإنه من الخطأ بالتالي التعامل مع النظام الأمريكي باعتبار الرئيس هو صانع السياسة، أو أنه يستطيع بجرة قلم أن يغير ما كان ساريًا في عهد سلفه. كما أنه يكون منطقيًا معرفة لماذا يحنث الرؤساء الأمريكيون بوعودهم وتعهداتهم وقت الانتخابات بمجرد تولي السلطة، بل إن ما يقولونه يكون معدًا سلفًا بعناية فائقة لتحقيق غرض الفوز.
وبسبب التمويل والدعاية ودور جماعات الضغط الأمريكية، وعدم وجود هدف آخر للمرشح غير الفوز، تزول أسباب عدم مزايدة مرشح ما على المرشح المنافس لدى تناول قضايا عربية بعينها، في حين تنكشف حقيقة دعم إسرائيل من كل مرشح بسبب الدور التمويلي والدعائي الذي يلعبه أنصار إسرائيل من اليهود الأمريكيين ومن التيار اليميني الأصولي المناصر لها بشدة، لأن تحدي هؤلاء يكون بمثابة انتحار سياسي للمرشح، وهذا أمر لن يتغير إلا إذا كانت هناك قوى أخرى يمكنها هي الأخرى ردع المرشح في الاتجاه العكسي.
وترى د. منار أنه بغض النظر عن علاقة الانتخابات بتشكيل السياسة، فإن الانتخابات الرئاسية ذات أهمية في حد ذاتها تستحق المتابعة، ذلك لانها لحظة كاشفة تجسد طبيعة التوازنات بين القوى والتيارات السياسية المختلفة في لحظة تاريخية بعينها. وتعتقد أن المسكوت عنه في الحملات الرئاسية يكون غالبًا أكثر أهمية مما يقال فعلا، بيد أن الانتخابات تمثل فرصة مواتية لرصد التفاعلات والقضايا ومعرفة الرموز الصاعدة في سماء السياسة الأمريكية والنواب الذين يشكلون مجمل السياسات الأمريكية ودراسة تأثير جماعات الضغط المختلفة على مجريات الأمور.
وتخلص د. منار في آخر مؤلفها إلى أن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس عن الفارق بين فوز أوباما وبين فوز ماكين أو لا فارق بينهما لأن ثمة فوارق بالطبع، لكن التساؤل الأجدى هو: ما الفارق بين أوباما وبين أنداده الديمقراطيين؟.
وتؤكد الكاتبة على أن مواقف أوباما المعلنة وطريقة إدارته لحملته الانتخابية ترشحه لأن يكون كأي رئيس ديمقراطي سبقه، فلا مانع عنده من أن تظل سياسة بلاده ذات طابع "إمبراطوري" في الخارج، وإن أدارها بشكل مختلف بالقطع عن الجمهوريين، بينما يسعى داخليًا للبقاء في منصبه في أمريكا "المحافظة" بما يعنيه ذلك من تقديم تنازلات مختلفة لقوى اليمين الأمريكي.
وأخيرا... بين ثنايا هذا الكتاب رحلة طويلة ومثيرة لا تخلو من تراجيديا سياسية ومفارقات عديدة تحملها الديمقراطية الأمريكية وتظهر في كل انتخابات رئاسية، ليس أولها تلك المعركة القضائية الشهيرة بين آل جور وبوش الابن في انتخابات عام 2000، وليس آخرها التعرض لظاهرة باراك أوباما الذي يقدم نفسه باعتباره في طليعة جيل جديد من السياسيين السود الذين استفادوا من إنجازات حركة الحقوق المدنية ولكنهم تخطوا ميراثها ويتعاملون معها بشكل انتقائي.
*عرض موجز لكتاب "كيف ينتخب الرئيس الأمريكي؟.. قيود وتعقيدات وأشياء أخرى..!"، تأليف الدكتورة منار الشوربجي، الناشر مكتبة الشروق الدولية بالقاهرة، أكتوبر 2008.
|