English

 

الأحد. نوفمبر. 2, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » سوريا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

سوريا بعد العدوان الأمريكي.. صراع خيارات

أحمد حسين الشيمي

Image
خريطة لمنطقة "أبو كمال" السورية
في الوقت الذي يتابع فيه العالم باهتمام بالغ آثار وتداعيات الأزمة المالية الأمريكية، وكذلك ما ستسفر عنه انتخابات الرئاسة التي ينطلق سباقها بعد أيام قليلة، شنت أربع مروحيات أمريكية يوم 26 أكتوبر الماضي هجومًا على منطقة أبو كمال السورية القريبة من الحدود العراقية؛ أسفر عن مقتل وإصابة تسعة سوريين.

ويثير هذا العدوان الأمريكي على سيادة دولة عربية عددا من التساؤلات أبرزها الخاص بأهداف تلك الضربة، ولماذا هذا التوقيت بالتحديد؟، وهل تلعب المتغيرات الجديدة التي تشهدها المنطقة والانتخابات الأمريكية الوشيكة دورا في ذلك؟.

هشاشة النظام السوري

وتأتي هذه الضربة، أو العدوان الأمريكي، في سياق حلقة من مسلسل الانتهاكات الأمريكية والإسرائيلية للأراضي السورية في السنوات الأخيرة، والتي كان آخرها قيام سلاح الجو الإسرائيلي في سبتمبر 2007 بضرب موقع عسكري سوري، تدعي واشنطن وتل أبيب أنه موقع نووي قيد الإنشاء.

ولا شك أن تعدد هذه الضربات إنما يؤكد على هشاشة وضعف نظام بشار الأسد في الدفاع عن سيادة أراضيه، بل ويثبت أن دمشق هي الطرف الأضعف في تحالفات منطقة الشرق الأوسط.

وبرغم أن أمريكا، ومنذ أن وطأت قواتها الأراضي العراقية عام 2003، تتهم دمشق وطهران رسميا بتهريب السلاح والمقاتلين إلى داخل العراق، ودعم التمرد الشيعي، وأحيانا السني، ضد قوات التحالف، وتتصاعد اللهجة الأمريكية ضد سوريا أحيانا وتخبو أحيانا أخرى، فإن سابقة التدخل العسكري الأمريكي، تضع العديد من علامات الاستفهام والدهشة أيضا، بالنظر إلى أن سوريا قطعت شوطا لا يستهان به من المحادثات مع إسرائيل برعاية تركية، ورضخت لمطالب واشنطن بخصوص لبنان وتحقيقات اللجنة الدولية الخاصة بالكشف عن ملابسات اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، كما ظهرت عدة مؤشرات تدل على أن واشنطن تدرس بجدية تغيير سياستها المتعلقة بعزل النظام السوري.

وربما أرادت واشنطن أن تذكر العالم بأن حربها على ما يسمى بـ"الإرهاب" ما زالت مستمرة، ولا يقتصر نطاقها على باكستان وأفغانستان فقط، وهي بهذا تؤكد أن الأزمة المالية الطاحنة التي تمر بها لن تثنيها عن تلك الحرب، بل وتستطيع القوات الأمريكية شن أي هجمات في أي وقت.

الرسائل الأمريكية

وتذهب بعض الآراء إلى كون هذه العملية العسكرية جزءا من حرب محدودة -أو شاملة- ضد دمشق، تشنها الإدارة الأمريكية منذ احتلال العراق، وإن لم تأخذ شكلا عسكريا كان الكثير قد توقعه إبان سقوط بغداد، حيث قدمت الفترة الممتدة من عام 2003 وحتى الآن نماذج عدوانية مختلفة ضد سوريا، منها: ضغوط لعزلها دوليا وعربيا وهو ما ظهر جليا عندما تغيب عدد من القادة العرب عن القمة العربية الأخيرة التي استضافتها دمشق بضغط أمريكي بطبيعة الحال، مرروا بالعقوبات الاقتصادية وعرقلة الاتفاقيات التجارية القائمة وقطع الطريق على إنجاز المزيد من الاتفاقيات والحرب التجارية غير المعلنة ضد قطاع الصادرات والواردات، إضافة إلى عرقلة حركة الأفراد السوريين إلى الخارج، ومحاولة الحد من قدوم الأجانب إلى سوريا، بلوغا إلى سلسلة الاتهامات بدعم المنظمات الإرهابية وتأجيج الصراعات في المنطقة.

ويضاف لما سبق، ذلك الدعم الأمريكي للمعارضة السورية؛ إذ أعلنت الخارجية الأمريكية مؤخرا عزمها تقديم مساعدة مالية بقيمة 5 ملايين دولار لمجموعات سورية معارضة "تعمل لإقرار الحرية والديمقراطية"، وإن هذه المساعدات تهدف إلى تطوير المجتمع المدني السوري ودعم المنظمات التي تروج للممارسات الديمقراطية مثل احترام الحقوق وتحديد مسئولية الحكومة، والوصول إلى مصادر معلومات مستقلة، وحرية التعبير، وإنشاء الجمعيات، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة مع تعدد المرشحين.

ولا شك في أن سوريا ما زالت جزءا من المنظومة الأمريكية الخاصة بما يسمى بـ"الحروب غير المتماثلة"، والتي تشمل أيضا حركة المقاومة الإسلامية حماس في الأراضي الفلسطينية وحزب الله في لبنان، وهذه الجهات الثلاث مدعومة من إيران التي قد يعد ضرب عمق الأراضي السورية رسالة موجهة إليها بأن الحليف السوري لن يكون مفيدا بأي حال في قيام حرب إقليمية شاملة أو في حالة توجيه ضربة أمريكية أو إسرائيلية محدودة ضد منشآتها النووية.

متغيرات أمريكية ودولية

ويمكن القول إن العدوان الأمريكي على الأراضي السورية يأتي في ظل سياقات ثلاثة، تتراوح بين الظروف الداخلية الأمريكية، والمتغيرات الإقليمية والدولية، كالتالي:-

* الانتخابات الأمريكية:

فالفشل الذريع على مدى ثماني سنوات هي عمر رئاسة بوش، سواء على صعيد السياسات الداخلية أو الخارجية، قلل من فرص المرشح الجمهوري جون ماكين في الوصول إلى البيت الأبيض، لصالح المرشح الديمقراطي بارك أوباما، وهو ما تؤكده استطلاعات الرأي.

ويرى صقور البنتاجون أن اللعب بأوراق الحروب بدعوى محاربة المتطرفين وتنظيم القاعدة بمثابة مادة دسمة للدعاية الانتخابية لدى الناخب الأمريكي، كما أن تشويه صورة النظام السوري لدى وسائل الإعلام الأمريكية ووصمه برعاية التطرف والإرهاب، ربما يؤثر على شعبية أوباما الذي يؤيد الحوار مع الدول المعادية للسياسات الأمريكية وعلى رأسها دمشق وطهران.

* مشكلة الاتفاقية الأمنية المزمع عقدها بين الولايات المتحدة والعراق، والتي تعد امتدادا للاحتلال الأمريكي بصورة أو بأخرى، وتحظى برفض معظم الأطياف العراقية والعربية؛ لذا وجدت إدارة بوش أن ضربة عسكرية لسوريا من الممكن أن تساعدها في تمرير الاتفاقية.

وبرغم ذلك فإن تلك العملية ستكون سببا في تعقيد التوصل إلى توافق أمريكي عراقي حول الاتفاقية الأمنية، فالعراق تستباح أراضيه في الشمال من جانب تركيا، وبرغم تسليم القوات الأمريكية الملفات الأمنية لـ12 محافظة من مجموع 18 محافظة عراقية لحكومة نوري المالكي، لا تزال القوات الجوية الأمريكية تسيطر تمامًا على الأجواء العراقية، وتقوم تلك القوات بعمليات ونشاطات عسكرية في أي وقت وأي مكان كما يحلو لها، ولا سلطة أو قرار للحكومة العراقية في هذا، بحسب صحيفة الجارديان البريطانية.

وبالتالي فإن دول الجوار العراقي ربما تؤكد لحكومة المالكي رفضها الاتفاقية ما دام يمكن استخدام أراضي العراق لتهديد الجوار.

* المتغيرات الدولية:

فلم يكن غريبا أن تأتي تلك الضربة في ظل انفتاح سوري على القوى الدولية، مثل فرنسا وبريطانيا وروسيا، فالضربة تزامنت مع زيارة وزير الخارجية السوري للندن، وجاءت بعد أقل من شهرين على زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لدمشق، والتي فتحت آفاق التعاون بين الجانبين في مجالات النفط والصحة والزراعة والسياحة وغيرها.

وأيضا بعد أيام قليلة من الإعلان عن تحويل ميناء طرطوس السوري إلى قاعدة عسكرية روسية.

وغني عن القول، فإن التقارب الروسي السوري يشكل متغيرا هاما في جيوبولتيكية المنطقة، ويثير مخاوف واشنطن وتل أبيب على السواء، فروسيا تريد استعادة هيبتها في العالم، ودمشق تريد قوى كبرى تحتمي بها في وجه التهديدات الأمريكية والإسرائيلية، وهذا قد يشكل بدوره نوعا من التوازن في المنطقة.

سوريا وصراع الخيارات

الإدارة الأمريكية إذن ربما أرادت تذكير النظام السوري بأن له حدودًا لما يعتقده من مكاسب حققها في الآونة الأخيرة من انفتاح أوروبي، وتحسين وضع حلفاء سوريا في لبنان، وبدء التفاوض مع إسرائيل، وتعزيز العلاقات مع روسيا، فذلك كله إنما يخضع لرغبات واشنطن التي إن أرادت سلب هذه المكاسب فسوف تفعل.

من جانب آخر يمثل التحالف السوري الإيراني هاجسًا أمنيًّا لكل من واشنطن وتل أبيب، وتوجيه ضربات متتابعة ومحدودة لسوريا من تل أبيب وواشنطن تجري منذ فترة على قدم وساق، إنما هو مجرد اختبار لمدى قوة هذا التحالف، لاسيما وأن تل أبيب تعتبر امتلاك إيران لأسلحة نووية أكبر تهديد لوجودها، وهي ترغب في الحد من نفوذ إيران الإقليمي، ومن ثم خروج سوريا من هذا التحالف سيحوله إلى تحالف هش بلا أعضاء.

وتصب العملية العسكرية في خانة اختبار جاهزية هذا التحالف في الرد على عدوان على أي دولة منه.

وفي حين كانت الرسالة الأمريكية واضحة، نجد بالمقابل أن رد الفعل السوري على الغارة الأمريكية اتسم بالمحدودية، ولم يخرج عن التنديد والإدانة والشجب وقرار بإغلاق المركز الثقافي الأمريكي والمدرسة الأمريكية في دمشق، وهو ما يجزم نية القيادة السورية في عدم توسيع دائرة التوتر مع الجانب الأمريكي، بل ورغبتها في الوقت نفسه في تحسين علاقاتها مع واشنطن -القطب الأوحد في العالم-؛ ومن ثم استمرار تحسين علاقاتها مع الدول الأوروبية، وما يستتبعه من جذب المزيد من الاستثمارات، وإمكانية التوصل إلى تفهمات مرضية لها حول تدخلها في لبنان، وأكثر من ذلك إدراك سوريا بعدم قدرتها على الدخول في مواجهة شاملة غير مستعدة لها وستخلف عليها الدمار والخراب.

هذا المعنى هو ما أكده وزير الخارجية السوري وليد المعلم بقوله: "نحن لا نريد الدخول في حرب مع أمريكا، فلديها ما يكفي من الحروب التي تخوضها حول العالم، وأن هناك الأزمة الاقتصادية وأزمة الغذاء وانتشار الإرهاب وهى أمور كافية بالنسبة لأمريكا".

وبالمثل، لم يخرج الرد الإيراني عن التنديد والإدانة أيضا، وربما يمثل ذلك رسالة إلى سوريا مفادها أن الاستمرار في الخروج عن المحور العربي غير مفيد مع الوقت، لاسيما وأن خبراء أمنيين غربيين أكدوا على أن الجهود الحربية ضد سوريا تنقسم إلى جانبين:

أولهما: جهود رئيسية تقوم بها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وثانيها: جهود ثانوية تقدم الدعم والمساندة للجهد الرئيسي وتشارك فيه العديد من الأطراف الأخرى، منها أجهزة استخبارات عربية وأوروبية، إلى جانب تخصيص الكثير من الأقمار التجسسية لمراقبة ورصد كافة الأنشطة السورية.

ومن ثم تريد واشنطن وتل أبيب من القيادة السورية سرعة تحديد الطرف الذي تقف بجانبه: إيران من ناحية أو التحالف الأمريكي مع المعتدلين العرب من ناحية أخرى.

والمعضلة التي تقف أمام الرئيس بشار الأسد تتمثل في أنه في حال إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل -حال صدق النوايا الإسرائيلية- أو تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، وبالتالي الخروج عن المحور الراديكالي بالمنطقة، فإنه يتعين عليه التضحية بتحالفه مع كل من إيران وحزب الله الذي يعد مفتاحه الرئيسي للتدخل في لبنان.

سوريا تقع إذن بين صراع الخيارات؛ ولأنها تلعب على كل الأوتار والتناقضات لا يلاحظ لها رد فعل قوي تجاه ما يصيب أراضيها من اعتداءات، وربما ستستمر سوريا على ذات الوتيرة حتى تعلم من هو الرئيس الأمريكي المقبل، وكيف سيتعامل مع طهران، وساعتها ستحين لحظة الحسم السوري؛ لأن سياسة الـ"بين بين" تبدو في بعض الأوقات سياسة ناجحة، لكن الاستمرار على هذا المنوال، وبما لا يتكيف مع المستجدات ربما يفقد سوريا أوقاتها بعد وقت غير طويل.


باحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات