English

 

السبت. نوفمبر. 1, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » سوريا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

سوريا.. بين العدوان الأمريكي وقمع المعارضة الداخلية

نبيل شبيب

Image
جثث لضحايا الغارة الأمريكية على الحدود السورية
هل يوجد ارتباط ما، غير المصادفة الزمنية المحضة، بين العدوان الأمريكي قرب "أبوكمال" شمال سوريا وصدور أحكام بالسجن على اثني عشر عضوا قياديا من تجمع إعلان دمشق المعارض؟..

وإن لم يكن يوجد مثل ذلك الارتباط فهل لنا من منظور المصلحة العليا للبلاد ومستقبلها أن نبحث عن نقاط التقاطع بين ما ينبغي استخلاصه من الدروس من هذين الحدثين المنفصلين في الأصل عن بعضهما؟

طالع أيضا:

على غير المعتاد سابقا، وجد العدوان الأمريكي وقتل المدنيين في مزرعة السكرية قرب بلدة أبوكمال قرب الحدود السورية العراقية إدانة واستنكارا على المستويات الوطنية والعربية والدولية، فلا يكاد يوجد أحد يحاول تسويغ عملية الأمريكيين العسكرية. وقد زعمت بعض وسائل الإعلام الغربية أن الهجمة الغادرة تمثل "درسا" أرادت الحكومة الأمريكية تبليغه للسلطات السورية لتضاعف جهودها في رقابة الحدود مع العراق، ولكن القائلين بذلك يؤكّدون في الوقت نفسه أن العدوان ليس الوسيلة المناسبة، ولا يحقق ذاك الهدف.

تعددت الأسباب والعدوان واحد

وإذا كان هذا التعليل للعدوان هو الأكثر انتشارا في الدوائر الغربية، فالتعليل الذي مال إليه محللون سوريون وعرب هو ربط العدوان بالمفاوضات المتعثرة على ما يسمى "اتفاقية أمنية" لضمان استمرار الاحتلال في العراق بعد رحيل الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن.

إنما لا يصح حصر هذه الخطوة العدوانية في نطاق دافع واحد، وإن كان التعليل الأخير أقرب من سواه لتفسير توقيت العدوان، لا سيما أن الحكومة العراقية أعلنت بعد أيام معدودة أن تلك الاتفاقية السيئة الصيت سوف تتضمن عدم استخدام القوات الأمريكية للأراضي العراقية منطلقا لعمل عسكري ضد دولة مجاورة.

ويعني التصريح أن النص الحالي لمشروع الاتفاقية يسمح بذلك، وأن التعديلات الجديدة التي طلبتها الحكومة العراقية تحت ضغط المعارضة الشعبية والسياسية في العراق، تحاول استدراك "الخطأ"، مع ملاحظة أمرين، أولهما أن الموافقة الأمريكية لم تعلن بعد، والأمر الثاني أنها لو أعلنت فلا تعني شيئا على أرض الواقع، وليس مجهولا ما تصنعه القوات الأمريكية في أفغانستان وتنتهك به سيادة باكستان المجاورة، رغم كل ما صنعت باكستان تحت عنوان الحليف الأول للأمريكيين في حربهم الإرهابية ضد "الإرهاب".

فليس الأمر أمر بنود في اتفاقية ما، بل هو أصل وجود الاحتلال باتفاقية مع حكومة عراقية تابعة له، أو دون اتفاقية، فهذا ما ينبغي وضع حد لاستمراره بمختلف صوره وفي جميع الميادين ودون استثناءات.

على أن من التعليلات أيضا أن رئيس حروب الهيمنة الخاسرة بات في وضع مخز للغاية، إذ لم يفقد في أيامه الأخيرة في السلطة الحلفاء والأصدقاء فقط، بل فقد أيضا كرامته كرئيس أمريكي، حتى بات يوصف من جانب معاصريه من المؤرخين الأمريكيين بأنه أسوأ رئيس عرفته الولايات المتحدة الأمريكية على الإطلاق. وفي مثل هذا الوضع يمكن أن يرتكب من "الحماقات" اعتمادا على صفته قائدا أعلى للقوات العسكرية ما لا يمكن تفسيره منطقيا بالموازين السياسية المعتادة.

وربما كان يراوده بعض الأمل في أن يتابع ماكين من بعده سياسته المتهورة عالميا، وبات هذا الأمل قبيل يوم الانتخابات الرئاسية شبه منعدم، فلا يستبعد أن يخطر له أن يقوم بعمل ما لتحسين أسهم من يتمناه وريثا لمتابعة سياساته المتطرفة.

وقد يكون من أشد ما أزعج بوش الابن في الشهور القليلة الماضية أن حلفاءه الأوروبيين، بمن فيهم فرنسا، تحركوا في سياساتهم تجاه سوريا فيما يشبه الإعداد لمرحلة ما بعد رحيله، ومحورها "الصفقات السياسية" بدلا من "الصفعات العسكرية"، وبهذا المنظور يصبح العدوان الأخير من قبيل المحاولة اليائسة لإثبات الوجود الأمريكي ولو على سبيل التشويش على مجرى الأحداث بالقتل والتخريب.

العدوان.. والمعارضة السورية

جميع ذلك يمكن إدراجه في نطاق التكهنات حول الدوافع الأمريكية من وراء العدوان، إنما لا بد من استبعاد أمرين اثنين متقابلين، تختلف منطلقات من ينوهون إلى كل منهما على حدة، على حسب غاية صاحب التنويه.

الأمر الأول: هناك من أوساط المعارضة من يقول إن هذا العدوان الأمريكي على غير انتظار يدعم موقع المسئولين في سوريا داخليا دعما كبيرا، وهم في حاجة إلى هذا الدعم فيما يمضون إليه من خطوات حددت القمة الرباعية (سوريا وفرنسا وقطر وتركيا) معالمها وشملت لبنان والمسار السوري - الإسرائيلي تحت عنوان "تسوية سلمية".

فالقول إن سوريا مازالت "مستهدفة" أمريكيا، يتحوّل في الداخل إعلاميا إلى أن نظامها القائم هو المستهدف، فيزداد ثباته.

مثل هذا القول يمكن الأخذ به من حيث النتائج الفعلية للعدوان الأمريكي، ولكن ليس في البحث عن دوافعه، فحكومة بوش الابن آخر من يمكن أن يسعى لدعم نظام الحكم في سوريا بعد كل ما بذله في استهداف سوريا دولة وشعبا، أرضا وحكما.

والأمر الثاني: هو تكرار "نغمة قديمة" طالما رددتها المصادر الرسمية السورية مباشرة وعبر الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، ومفادها أن السياسة العدوانية الأمريكية في السنوات الماضية استهدفت دعم المعارضة السورية لتقويض نظام الحكم القائم. ولكن مهما بلغت درجة الغباء في سياسة بوش الابن (والغباء.. هو الوصف الذي أطلق عليه من جانب عدد من أبرز الساسة الأمريكيين الذين رافقوه في مسيرة عسكرة الهيمنة إلى وقت قريب)؛ فمن المستبعد ألا يكون قد أدرك في هذه الأثناء ومن خلال المحاولات المتكررة وما أسفرت عنه من إخفاق على طول الخط، أن المعارضة السورية في الداخل والخارج لا يمكن أن تتحرك على ظهر دبابات أمريكية، ولا أن يولد في رحمها بالدعم الأمريكي أمثال الجلبي وكرزاي، فلا توجد قيمة واقعية لتكهنات أو مزاعم تقول إن العدوان الأخير استهدف دعم معارضة سورية ما.

وعلى افتراض صحة ذلك بالمنظور الأمريكي، فالمعارضة السورية بمختلف أطيافها وأماكن وجودها أدانت هذا العدوان، ولم تنقطع مواقفها من قبل في إدانة كل شكل من أشكال العدوان الأمريكي على سوريا وسواها، بل يلفت النظر أن بعض من حاولت واشنطن إعطاءهم صفة "المعارضة" فتجاوبوا معها وليس لديهم رصيد شعبي ولا سياسي داخل سوريا ولا خارجها، كانوا إزاء العدوان الأخير صامتين صمت القبور كما يقال.

لا توجد إذن علاقة مباشرة من الناحية الموضوعية أو من ناحية التوقيت ما بين العدوان في منطقة أبوكمال وبين الأحكام التي صدرت في دمشق في أعقاب العدوان، وشملت 12 شخصا من الموقعين على ما يعرف بإعلان دمشق، الصادر قبل أكثر من عامين. ووجود علاقة ما شبهة صادرة عن أنه لا بد من وجود سبب ما للتوقيت، فالوضع الشاذ للسلطة القضائية في سوريا يطرح السؤال عن ذلك تلقائيا لتفسير حدث سياسي داخلي وإن جاء تحت عنوان "حكم قضائي".

السؤال الأصح هو ما سبب الانتظار في مثل هذه الخطوة التي تصفها أوساط المعارضة بأنها بمثابة "اغتيال ربيع دمشق" للمرة الثانية؟

لبيان أوجه التشابه يمكن أن نستحضر كيف تم القضاء على لقاءات حوارية ظهرت بالمئات في مختلف أنحاء سوريا، عندما انتشر الانطباع بجدية القول في خطاب القسم الأول بتحقيق بعض أجواء الحرية في سوريا، عند استلام بشار الأسد منصب الرئاسة.

آنذاك أيضا مضى بعض الوقت قبل توجيه "ضربة قاصمة"، وكأن المقصود في حينه هو نشر بعض الآمال، وبالتالي تهدئة المعارضة، ليمكن الاستفادة من انتشار مقولات معروفة بصدد "إصلاحات الرئيس الجديد.. وعقبة الحرس القديم"، ثم عادت الأمور إلى ما كانت عليه بما يشمل الممارسات القائمة على حكم اللون الواحد، فمضت الفترة الأولى للرئاسة، وجاء خطاب القسم الثاني لفترة ثانية، و"ربيع دمشق" الأول موءود، فيما عدا بقية باقية نشأت على رفاته، واتخذت صيغة "إعلان دمشق"، الذي جمع في حينه مختلف أطياف المعارضة واتجاهاتها، وثبت صيغة الحوار والعمل السلمي ورفض أي صورة من صور التدخل الأجنبي.

ونستحضر خطاب القسم الثاني وما ورد فيع من تعليل إعطاء الأولوية لما سمي الجانب الأمني على "خطوات الإصلاح" الموعودة، بأن سوريا مستهدفة بعدوان صهيوأمريكي.

هنا لا بد من التساؤل:

- ألم تحفل الأشهر الماضية بالإشادة بالسياسة السورية التي استعادت "اطمئنانها" فاخترقت الحصار، وأثبتت وجودها إقليميا، وجعلت من التعرض للعدوان احتمالا بعيدا.. ما الذي يمنع من تنفيذ الوعد بالإصلاح السياسي إذن؟

- عند تصعيد التهديد الخارجي، يجب تأجيل الإصلاح، وعند اضمحلاله يبقى الإصلاح مؤجلا، فهل المطلوب الانتظار بعد الانتظار، فترة رئاسية بعد أخرى، وخطاب قسم بعد خطاب، وربما توريث السلطة بعد توريث؟

- ثم أين ما يمكن الحفاظ عليه من بصيص أمل بإصلاح ما، عندما يتجدد القمع بالاعتقالات والمحاكمات الصورية وتطبيق القوانين غير الشرعية لحالة الطوارئ المزمنة، في التعامل مع المعارضة السورية، مهما كانت مسالمة، جامعة للقوى الوطنية، معبرة عن أولوية المصلحة السورية، رافضة لألوان العدوان والضغوط والحصار الخارجية؟

هل الإصلاح مستحيل؟

صحيح إذن أنه لا توجد علاقة مباشرة بين توقيت العدوان الأمريكي الأخير وتوقيت الحلقة الأخيرة من مسلسل ما يصدر من أحكام على المعارضين، ولكن توجد على ما يبدو علاقة مباشرة بين شعور المسئولين في سوريا بالاطمئنان إلى ما تحقق من اختراق لسياسات الحصار والضغوط الأمريكية، فهم يستفيدون من ذلك للتفرغ للداخل والإقدام على مزيد من الإجراءات، ولكن في الاتجاه الخاطئ قطعا.

الأصل هو أن المصلحة العليا لسوريا، دولة وشعبا وأرضا وحاضرا ومستقبلا، تقتضي الإصلاح على جميع الأحوال وفي مختف الظروف، وتقتضي فوق ذلك أن يستفاد من مثل ذلك الاطمئنان لتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة داخليا، وهذا بالذات ما يفترض أن يعتمد على ما قيل في خطاب القسم الثاني. ولكن لا تبدو المشكلة الحقيقية مشكلة تقديم وتأخير وأولوية إصلاح على إصلاح، كما تردد بشأن الأوضاع الإدارية والاقتصادية، إنما المشكلة هي عدم وجود نية حقيقية -كما توحي السياسات والممارسات العملية- للإقدام على إصلاح حقيقي، سياسي ودستوري وقانوني وأمني.

ثم لا بد هنا من تأكيد استحالة تحقيق إصلاح في جانب من الجوانب كالجانب الاقتصادي أو الإداري قبل السياسي، فهذا بالذات ما لا يتحقق دون الإصلاح السياسي أولا، أو بتعبير آخر: لا بد من صيغة سياسية وتوافق جماعي دستوري ومعطيات قانونية قويمة وأمن فردي وجماعي قائم على قضاء مستقل وعلى فصل دستوري بين السلطات وعلى تعددية سياسية مضمونة دستوريا، فجميع ذلك يشكل الشروط الأولية لمرافقة كل خطوة فعالة يوجبها إصلاح الأوضاع الاقتصادية والإدارية، ولضمان تنفيذها على أرض الواقع.

وهذا التزامن بين مختلف الجوانب هو ما يسري على ما عرفته بلدان عديدة تحت عنوان الإصلاح، الذي يعني أول ما يعنيه قيام حكم عادل شرعي مكان حكم استبدادي مرفوض، ومن أراد فليرجع مثلا إلى إسبانيا بعد فرانكو، ومن المؤلم ألا نجد بلدا عربيا أو إسلاميا نذكره كمثال مشابه، ربما باستثناء تركيا جزئيا، والأشد إيلاما ألا نستطيع القول تحت ضغط المعطيات الحالية في سوريا: ليت الحكم القائم في سوريا يعطي ذلك المثال المفقود على الإصلاح.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات