|
| جون ماكين وباراك أوباما |
تتجه آراء العديد من المحللين الاقتصاديين إلى أن الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية حاليا سوف تقود إلى حالات من الركود الاقتصادي على الأقل خلال العامين الأولين من فترة الرئاسة الأمريكية المقبلة.
ومن المحتمل أن تتسبب هذه الأزمة في تقييد الإنفاق الحكومي على الدفاع والمساعدات الخارجية، الأمر الذي قد يقيد من خيارات السياسة الخارجية للرئيس المقبل.
ولا ريب في أن تطوير القدرات العسكرية وحجم الإنفاق العسكري يعدان من عوامل القوة الصلبة للدولة، في حين أن المساعدات الخارجية التي تقدمها للبلدان الأخرى تمثل أحد أشكال استخدام القوة المرنة، وإن كان ذلك يهدف بالأساس إلى تحقيق أولويات في سياسة أمريكا الخارجية، إذ دائما ما ترتبط المساعدات بممارسة أنواع متباينة من الضغوط على الدولة المتلقية، والمفترض أنها حليف لأمريكا.
لهذا فإن تناول رؤية كل من المرشح الجمهوري جون ماكين والديمقراطي باراك أوباما لهاتين المسألتين قد يساعد بعض الشيء في توقع الانعكاسات للأزمة المالية على السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما في قضايا تهم العرب والمسلمين.
الإنفاق على الدفاع
يستقطع بند الإنفاق على الدفاع نسبة كبيرة من الميزانية الأمريكية، حيث يستحوذ على 21.6% من إجمالي النفقات في الميزانية، ويلاحظ أن الإنفاق على الدفاع في زيادة مستمرة خلال الثماني السنوات الماضية، إذ ارتفع المخصص للإنفاق على الدفاع من 361 مليار دولار عام 2000 إلى 515 مليار دولار عام 2008، هذا إلى جانب طلب زيادة ميزانية الدفاع في الصيغة النهائية للميزانية الأمريكية المقترحة لعام 2009 إلى 537 مليار دولار بنسبة زيادة تقدر بنحو 7% عما تم تخصيصه عام 2008، ولا يشمل هذا المبلغ 70 مليار دولار أخرى كميزانية إضافية لتمويل الحرب في العراق وأفغانستان.
وبالتالي فإن إجمالي المخصص لنفقات الدفاع في ميزانية عام 2009 يبلغ 607 مليارات دولار قابلة للزيادة في ضوء توقع الخبراء زيادة نفقات الحرب في العراق وأفغانستان عن مبلغ 70 مليار المطلوبة، وهذه المبالغ في مجموعها تعد أعلى مستوى إنفاق عسكري منذ الحرب العالمية الثانية.
ورغم توقع الخبراء أنه قد يتم تقليص هذه الميزانية الضخمة للدفاع، فالواضح أن أيا من المرشحين سيجد نفسه مضطرا إلى الزيادة لا التقليص، وذلك بالنظر إلى أن كليهما أشار إلى الحاجة إلى زيادة نفقات الدفاع، وإن لم يحددا نسبة هذه الزيادة.
ويطالب كل من المرشحين بضرورة إصلاح نظام المشتريات والتعاقدات لوزارة الدفاع للحد من تجاوز التكاليف المخصصة، والحد من الفساد في هذا القطاع وإعادة النظر في أو إلغاء الميزانيات المكملة (الاعتمادات الإضافية) التي تمول الحرب في العراق وأفغانستان وعمليات مكافحة الإرهاب الدولي، والتي تجاوزت تكاليفها مبلغ 800 مليار دولار خلال الست السنوات الماضية، مع ضرورة إدراج بنود الميزانيات الإضافية في الميزانية العامة للدولة.
إلى جانب ذلك يرى المرشح الديمقراطي ضرورة زيادة عدد جنود الجيش بنحو 65 ألف جندي وزيادة جنود البحرية بعدد 27 ألف جندي بتكلفة 100 مليار دولار، وضرورة مراجعة برنامج الدفاع الصاروخي من حيث التكلفة العالية التي تجاوزت 160 مليار دولار والمخصصات السنوية الكبيرة له والبالغة 11 مليار دولار سنويا، كما يدعو إلى زيادة قوات العمليات الخاصة والاستخبارات البشرية لتحسين إجراء عمليات مكافحة التمرد.
وحول الوضع في العراق ركز باراك أوباما على ضرورة زيادة القوات الأمريكية المنتشرة في أفغانستان على حساب تخفيض القوات الموجودة في العراق مع وضع جدول زمني يضمن الخروج في أقرب وقت ممكن من العراق مع التركيز على باكستان وأفغانستان وزيادة الضغط السياسي والعسكري على باكستان لمواجهة تنظيم القاعدة الذي ازداد قوة الآن عن أي وقت مضى.
وركز أوباما أيضا على ضرورة تدعيم القوات البحرية وإحلال السفن الحربية المتطورة السريعة صغيرة الحجم بدلا من السفن المتهالكة، إلى جانب تدعيم الدفاعات الصاروخية وزيادة الاستثمار في الأسلحة المتقدمة لحماية أمريكا من الأنظمة المارقة مثل كوريا الشمالية التي تمتلك الصواريخ عابرة القارات وكذلك إيران.
أما المرشح الجمهوري ماكين فقد ركز على ضرورة إعادة هيكلة الجيش للحد من التركيز على النماذج التقليدية للقتال بالدبابات والسيطرة على الأرض والتركيز على حرب المعلومات والحرب الإلكترونية ومكافحة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل وضرورة تدعيم الدفاعات الصاروخية، ويعتبر ماكين من أشد المدافعين عن برنامج الدفاع الصاروخي، ولذلك دعا إلى زيادة الاهتمام به وتطويره.
وحول الوضع في العراق يرى ماكين أنه يجب التمهل في سحب القوات من العراق، وإن مهمة الرئيس المقبل ليست في تقرير صحة الهجوم على العراق من خطئه، بل كيف يمكن أن نغادر العراق؟ ومن نترك وراءنا هناك؟
وفي ضوء البرنامج الانتخابي لكلا المرشحين يمكن استنتاج عدة ملاحظات أهمها ما يلي:
1- تشير التوقعات إلى أن أوباما سيكون المرشح الأكثر إنفاقا على الدفاع، فهو أكثر تحديدا لمصادر هذه الزيادة المتوقعة من حيث زيادة الجيش بأعداد معينة وزيادة القوات في أفغانستان، وبالتالي فإن أوباما واقعيا سيعطي أولوية خاصة في سياسته الخارجية لمحاربة تنظيم القاعدة في باكستان وأفغانستان.
2- بالنسبة للعراق يعده أوباما مدخلا لتخفيض الإنفاق من خلال التخفيض السريع للقوات المتواجدة وزيادة التركيز على أفغانستان، كما أنه سيسعى لتخصيص مبالغ خاصة لزيادة نفقات الحرب ضد الإرهاب ومكافحة حركات التمرد، ولعله قد ذكر في مناظرته الثانية مع ماكين أنه لولا حرب العراق لأمكن التدخل من أجل أزمة دارفور، وبالتالي فإن أوباما يريد التدخل في حالات يعتبرها "إنسانية".
أما ماكين فواضح أنه لن يغير من تكتيكات الإدارة الراهنة، وهو ينادي بزيادة الإنفاق على الدفاع الصاروخي، ما قد يؤشر لإمكانية زيادة الخلاف مع روسيا.. وماكين يحاول زيادة الإنفاق في مجال الحرب البرية والسيطرة على الأرض، ما يؤكد أنه انزعج كثيرا من تجربة القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان.
3- إن نمط تركيز المرشحين على زيادة الإنفاق على الدفاع لا يعني بالضرورة الإعداد لحرب جديدة، وخصوصا ضد إيران، بل الهدف الأساسي عمل نقلة نوعية وإستراتيجية للجيش الأمريكي من الشكل التقليدي للجيش من دبابات ومشاة إلى تطوير البنية التحتية العسكرية والاهتمام بالحرب الإلكترونية والمعلوماتية وتطوير النظام الصاروخي والسفن الحربية والقوات الجوية والاستخبارات البشرية، أما إيران فهي ليست بحال موضع حديث من هذا النوع إلا بعد انقضاء وقت ما من رئاسة أيهما للولايات المتحدة.
المساعدات الخارجية
لعبت برامج برامج المساعدات الخارجية الأمريكية دورا هاما في سياسة أمريكا الخارجية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ثم بداية الباردة، وكان هدفها المباشر في تلك الفترة هو المساعدة العسكرية للدول الحليفة ضد المعسكر الاشتراكي.
ومع انهيار الاتحاد السوفيتي السابق في بداية التسعينيات من القرن الماضي انخفضت معدلات المساعدات الخارجية حتى عام 2000، لكنها ارتفعت مرة جديدة مع مطلع الألفية الجديدة وحتى الوقت الراهن، وتوسعت أهدافها لتشمل التوسع في برامج المساعدات غير العسكرية، مثل برامج المساعدات الاقتصادية وبرامج دعم ونشر الديمقراطية وبرامج مكافحة الأمراض التي تهدد البشرية وبرامج إنمائية للدول الفقيرة المتعثرة وبرامج لتحسين نوعية التعليم.
وقد ارتفع إجمالي المساعدات الخارجية الأمريكية من 14 مليار دولار عام 1990 إلى 23.3 مليار دولار عام 2006، ووصلت في عام 2008 إلى 25 مليار دولار.
وتحتل إسرائيل المرتبة الأولى في سلم الدول المتلقية للمساعدات الأمريكية بمتوسط سنوي 2.4 مليار دولار للفترة من عام 2001 إلى عام 2007، ثم ارتفعت في عام 2008 لتصل إلى 2.55 مليار دولار، وتأتي مصر في المرتبة الثانية رغم انخفاض المساعدات التي تتلقاها من 2 مليار دولار عام 2002 إلى 1.7 مليار عام 2008 ليصل المخصص لها العام المقبل إلى 1.55 مليار دولار.
وفي الترتيب الثالث للدول المتلقية للمساعدات الأمريكية تأتي أفغانستان في إطار برامج تحسين الحكم والمشاركة الديمقراطية وإعادة الإعمار، وبلغ حجم المساعدات في عام 2005 ملياري دولار.
وتأتي باكستان في الترتيب الرابع في إطار برامج دعم الدول الشركاء في الحرب على الإرهاب، ووصل إجمالي ما تلقته في عام 2006 إلى 700 مليون دولار.
وحول رؤية مرشحي الرئاسة لبرنامج المساعدات الخارجية في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة التي تواجه الاقتصاد الأمريكي، فإن كليهما تحدث عن الحاجة إلى مواصلة مساعدة الدول الفقيرة وإعادة تخصيص المساعدات من الدول التي لا تلتزم بتحقيق الديمقراطية للدول الأخرى التي تلتزم بتحقيقها، وإلى ضرورة تقديم المساعدات لمكافحة الأمراض، خاصة فيروس نقص المناعة (الإيدز) والملاريا، وغيرها من الأمراض التي تهدد البشرية.
ويرى جون ماكين أن المساعدات ضرورية كعامل رئيسي لتأمين الولايات المتحدة من خلال القضاء على الفقر الذي يعتبر تربة خصبة لنمو الإرهاب، وضرورة محاربة التطرف، وخصوصا التطرف الإسلامي، ورغم تحديده لأهداف المساعدات فإنه لم يحدد حجم الزيادة في المساعدات خلال مدة رئاسته.
أما باراك أوباما، فقد تعهد بمضاعفة حجم المساعدات إلى 50 مليار دولار حتى عام 2012 واستخدامها لدعم الدول الفقيرة وتحقيق نمو مستدام وتوجيهها نحو تقليل الفساد والبيروقراطية ودعم انتشار الديمقراطية.
وحول المساعدات الأمريكية لإسرائيل تعهد باراك أوباما بزيادة المساعدات لها لتصل إلى 30 مليار دولار خلال العشر السنوات القادمة بمتوسط سنوي 3 مليارات دولار، وتعهد ماكين بمواصلة الدعم لإسرائيل وزيادة المساعدات لها دون تحديد حجم هذه الزيادة.
ومن قراءة البرنامج الانتخابي لكلا المرشحين في مجال المساعدات الخارجية يمكن ملاحظة ما يلي:
1- أن كلا المرشحين يركز على زيادة المساعدات الخارجية للدول الداعمة للديمقراطية والتي تساعد في تحقيق الأهداف الإستراتيجية الأمريكية، وخصوصا في سياسة الحرب على الإرهاب، ومن هذه الدول باكستان وأفغانستان.
2- كلاهما يقول بزيادة المساعدات الخارجية للدول التي تعاني من الأمراض الخطيرة التي تهدد البشرية والدول التي تعاني من الفقر ومشكلات كبيرة في التنمية والدول التي تحتاج لإعادة إعمار، ومن هذه الدول الدول الإفريقية الفقيرة.
3- كلاهما سيزيد المساعدات الخارجية لإسرائيل الحليف الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، ومن الملاحظ أن باراك أوباما قد ركز على هذه النقطة بالذات بسبب الهجوم الكبير الذي تعرض له خلال حملته الانتخابية بسبب أصوله الإفريقية وعلاقته بالمسلمين.
4- يتوقع تخفيض المساعدات الأمريكية لكل من مصر والأردن خلال الفترة القادمة، وهذا الاتجاه وضح بشدة خلال السنوات الأخيرة، حيث خصص لمصر مساعدات قدرها 1.55 مليار في 2009، وكذلك الأردن التي انخفض إجمالي المساعدات التي تلقتها من 1.4 مليار دولار عام 2003 إلى 462 مليون دولار فقط في عام 2006.
باحث اقتصادي.
|