English

 

الأربعاء. أكتوبر. 29, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » إستراتيجيات » قراءات أمريكية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

كارنيجي: السعودية تكافح الإرهاب بالقوة الناعمة

علي رشيد

Image
القوة الناعمة.. سلاح السعودية لمحاربة الإرهاب
تحظى التجربة السعودية في مجال مكافحة الإرهاب باهتمام كبير من قبل العديد من مراكز الأبحاث الغربية، بل وحتى المسئولين الغربيين أنفسهم، فقد استطاعت السعودية بعد مرور أكثر من خمس سنوات على بدء موجة الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها في عام 2003، أن تحقق نجاحات كبيرة في مجال الحرب ضد الإرهاب.

واللافت في التجربة السعودية أن النجاح الكبير الذي حققته لا يعود إلى اتباع المملكة نهجا أمنيا صارما في التعامل مع الإرهابيين، بل يعود ذلك النجاح -في جانب كبير منه- إلى الإستراتيجية "الناعمة" التي انتهجتها المملكة، والتي تتعامل مع الإرهاب من منطلق رؤية شمولية تأخذ في الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للظاهرة الإرهابية.

وفي هذا الإطار أصدرت مؤسسة "كارنيجي" للسلام الدولي، مطلع أكتوبر الجاري، دراسة مفصلة تناولت الإستراتيجية "الناعمة" التي اتبعتها الحكومة السعودية لمكافحة الإرهاب، وكانت الدراسة حصيلة حلقة نقاش تحدث فيها كل من "كريستوفر بوشيك" من المعهد الملكي للدفاع والدراسات الأمنية في لندن، و"ديل ديلي" منسق مكافحة الإرهاب ﻓــﻲ الخارجية الأمريكية، وباحثون من "مركز كارنيجي".

وأشارت الدراسة إلى أن الإستراتيجية السعودية اعتمدت على ثلاثة مقومات رئيسية هي: الوقاية، وإعادة التأهيل، وبرامج النقاهة، انطلاقا من قناعة سعودية مفادها أنه لا يمكن إلحاق الهزيمة بالتطرف من خلال الوسائل الأمنية التقليدية وحدها، بل لابد من خوض "مواجهة فكرية" معه.

البرامج الوقائية

اعتمدت السعودية مئات من البرامج التي تهدف إلى توفير الوقاية، وتشمل هذه البرامج نشاطات لتثقيف الجمهور في شأن الإسلام الراديكالي ومخاطر التطرف، إضافة إلى تحييد الميل إلى التطرف عن طريق توفير البدائل.

وتهدف كثير من هذه البرامج، التي تطبق من خلال "إدارة الإرشاد" في وزارة الداخلية، إلى مواجهة التطرف من خلال تشجيع ونشر تفسير للعقيدة الدينية هو أكثر حصافة وخلوا من التكفير.

ونظرا لأن الشباب هم أكثر الفئات انجذابا للمتطرفين، كما بينت بعض الدراسات، فقد قامت الحكومة السعودية باستحداث نشاطات لإشغالهم وإبعادهم عن المتطرفين، مثل المناسبات الرياضية وسباقات السيارات والجمال، والنزهات في الصحراء بواسطة سيارات الدفع الرباعي، وذلك لمنافسة المعسكرات الصيفية والخلوات الدينية المشكوك في أمرها التي كانت تنظّمها الجماعات المتطرفة مرارا في السابق.

وبدأت وزارة الإعلام، من خلال برامج وقائية أخرى، سلسلة من المشروعات للوقاية من الإرهاب، بعضها للشباب وبعضها الآخر للكبار، مستخدمة في ذلك التلفزيون والصحف ووسائل الاتصال الأخرى، علاوة على إعارة الخبراء للمدارس والمساجد للحديث عن مخاطر التطرف، وتنظم وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد محاضرات ودروسا بالمساجد في كل أنحاء البلاد، مستخدمة الخطباء.

وبالإضافة إلى ما سبق، تنظم وزارة التربية محاضرات وبرامج في مدارس المملكة لتعليم وتحذير التلاميذ في سن مبكرة من مخاطر التطرف وآثار الإرهاب والعنف، من خلال توزيع الكتب والنشرات والمواد التي تهدف إلى تنوير آباء التلاميذ والعائلات.

وفي سياق هذه الحملة الواسعة، تستمر البرامج والنشاطات في المدارس السعودية كل أسبوع، وطبقا لبعض التقديرات الحكومية، تجرى كل يوم حوالي سبعة نشاطات مختلفة تهدف إلى تقليص الدعم العلني والسري للتطرف بآلاف المدارس في كل أنحاء المملكة.

وقامت الحكومة كذلك بخطوات لمكافحة عمليات التجنيد الإرهابي في المدارس، عبر مراقبة المعلمين، حيث يرى المسئولون السعوديون أن أكبر مصدر للميل إلى التطرف في النظام التعليمي هو "المدرسون المنحرفون" الذين يسيئون استغلال وقتهم مع التلاميذ بمناقشة قضايا خارج المنهج الدراسي، مثل السياسة والدين والدفاع عن المواقف المتطرفة.

وبعد انتهاء عملية المراقبة يتم إرسال المعلمين المثيرين للمشاكل إلى كلية الملك فهد للعلوم الأمنية كي يتم إعادة تدريبهم، وبعد حضور سلسلة من خمس جلسات عن التطرف والإرهاب،

يتم تعيين المدرسين الذين يواصلون الخروج على المنهاج الدراسي في مناصب إدارية بعيدا عن التلاميذ، بينما يتم -على ما يبدو- طرد أولئك الذين لا يمكن إعادة تدريبهم.

حملة المعلومات العامة والاتصال

مثلت الحملة الشاملة للمعلومات العامة والتوعية جانبا أساسيا من البرنامج الوقائي السعودي، وتهدف هذه الجهود إلى تعزيز التعاون بين الدولة والجمهور، وتسليط الضوء على الضرر الذي يتسبب فيه الإرهاب والتطرف، ووضع حد لدعم الجمهور وتسامحه مع المعتقدات المتطرفة.

ففي أعقاب تفجيرات الرياض في العام 2003، وضعت الحكومة لافتات ولوحات في أنحاء المدن الرئيسية تركز على شرور الإرهاب، وتلفت تلك اللوحات -والتي علقت على المفارق والتحويلات في الطرق الرئيسية- أنظار المواطنين السعوديين إلى المذابح التي سببتها الهجمات الإرهابية.

وحوت اللافتات أيضا شعارات مثل "ديننا يرفض الإرهاب"، بالإضافة إلى صور للفظائع التي ارتكبتها الجماعات الإرهابية جنبا إلى جنب مع صور المصلين وهم يصلون داخل الحرم المكي، علاوة على صور التقطت من مواقع بعض الهجمات وصور أخرى لحطام سيارات مفخخة.

وكان الهدف من هذه اللوحات هو تعزيز التعاون بين الشرطة وضباط الأمن العام من جانب وبين الجمهور من جانب آخر، فضلا عن دمغ المتطرفين والمتعاطفين معهم بوصفهم أغرابا لا يعملون لمصلحة الناس بل لخدمة أجنداتهم الخاصة.

إعادة التأهيل

يشكل برنامج الإرشاد لب الإستراتيجية السعودية لإعادة التأهيل، ويهدف إلى إعادة تأهيل وتثقيف المتطرفين والمتعاطفين معهم، من خلال نقاشات دينية مكثفة ونصائح نفسية لفك ارتباطهم بالتطرف، ولتشجيع المتطرفين على إدانة "المعتقدات الإرهابية"، وخصوصا عقيدة التكفير.

ولا يقوم برنامج الإرشاد على فلسفة الثواب والعقاب، بل على فرضية "الميل إلى فعل الخير"، بمعنى أن الدولة لا تسعى إلى الانتقام من المتطرفين، من خلال هذا البرنامج، ولكنها تنطلق من قناعة لديها أن المشتبه فيهم تعرضوا للكذب والتضليل من جانب المتطرفين كي ينحرفوا عن الإسلام الحقيقي، ومن منطلق أن المتطرفين يؤثرون سلبا على الأشخاص الذين يرغبون في معرفة المزيد عن دينهم، ومن ثم يفسدونهم من خلال احتكاكهم بأيديولوجياتهم المتطرفة، ولذلك يقدم الإرشاد بوصفه مساعدة لضحايا الميل إلى التطرف لا عقوبة للمخالفين.

وتعتبر "اللجنة الاستشارية" في وزارة الداخلية برئاسة الأمير محمد بن نايف، التي مقرها الرياض ولها ممثلون دائمون في سبع مدن كبرى، هي المسئولة الأولى عن برنامج الإرشاد، حيث يقوم أعضاؤها بزيارة السجون في أنحاء البلاد ويلتقون مع المحتجزين فيها.

وتتكون اللجنة من أربع لجان فرعية هي:اللجنة الدينية، واللجنة النفسية والاجتماعية، واللجنة الأمنية، واللجنة الإعلامية.

وتعتبر اللجنة الدينية أكبر اللجان الفرعية، كما أنها تتألف من 150 عالما سعوديا وأستاذا جامعيا.

وتتكون اللجنة النفسية والاجتماعية من حوالي 50 من علماء النفس والأطباء النفسانيين وعلماء الاجتماع والباحثين، وهم مسئولون عن تقييم الوضع الاجتماعي للسجين، وتحليل أي مشكلات نفسية يعانيها، وتقييم سلوك السجين وطواعيته خلال البرنامج.

وتقيّم اللجنة كذلك، مشاركة المحتجز، في محاولة لتقرير إذا ما كانت عملية إعادة التأهيل تؤتي ثمارها أم لا؟ كما أنها مسئولة عن تقرير نوع الدعم الذي قد يحتاجه المحتجز وعائلته بعد الإفراج عنه، لتعويض المصاعب التي تسبب فيها سجنه وتقليص فرص تحول أفراد آخرين من عائلته إلى التطرف.

أما اللجنة الأمنية فتؤدي عددا من الوظائف، منها تقييم السجناء طبقا للمخاطر الأمنية التي قد يشكلونها، وتقديم توصيات بشأن الإفراج عنهم، عبر الاستعانة بمعلومات من اللجنة الدينية، واللجنة النفسية والاجتماعية.

وتقدم اللجنة أيضا المشورة إلى السجناء في شأن كيفية التصرف عند الإفراج عنهم، وكيفية تجنب الوقوع في مواجهات مع السلطات مستقبلا، كما تعمل على مراقبة المحتجزين بعد مغادرة السجن حيث يتم إبلاغ خريجي البرنامج، ممن سيفرج عنهم قريبا، بأنه ستتم مراقبتهم سرا وعلانية.

ولا ينتهي دور هذه اللجان الثلاثة بعد خروج المعتقلين من السجون حيث يبقى أعضاء كل من اللجنة الدينية واللجنة النفسية والاجتماعية على اتصال مع خريجي البرنامج، وتستمر الزيارات الدورية من قبل أعضاء اللجنة الاستشارية للمشاركين السابقين في البرنامج لضمان أن تسير الأمور كما هو مخطط لها وللتأكد من عدم وجود أية مشاكل.

أما اللجنة الإعلامية، فتأخذ على عاتقها توفير المواد الخاصة ببرنامج الإرشاد، إلى جانب المواد التعليمية الأخرى لاستخدامها في المدارس والمساجد، ويتم توصيل القسم الأكبر من عمل اللجنة إلى عامة الناس عبر المساجد وبعض الفعاليات، كالمحاضرات والحلقات الدراسية التي تُعقد في المساجد.

وتقوم اللجنة بتوفير الكتب والنشرات والمواد الأخرى المستخدمة في البرنامج، كما تساهم بالتنسيق مع وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ووزارة التربية، في تنظيم المحاضرات في المساجد والمدارس.

مرحلة النقاهة

تتكوّن برامج النقاهة التي تشرف عليها وزارة الداخلية من مبادرات عدة، من بينها برنامج انتقالي للمعتقلين من أجل تسهيل عودة انخراطهم في المجتمع، وبرامج لإعادة دمج العائدين من معتقل جوانتانامو، وسياسات تساعد في الحيلولة دون قيام المعتقلين الذين يطلق سراحهم بارتكاب جرائم جديدة.

ويتم نقل السجناء الذين اجتازوا عملية إعادة التأهيل بنجاح وحازوا رضا الشيوخ والأطباء وعلماء النفس المسئولين عن البرنامج، إلى مركز خارجي متخصص يسمى "مركز الرعاية لإعادة التأهيل" لتسهيل عودتهم إلى المجتمع.

ويوفر هذا المركز للسجناء بيئة مختلفة تماما عن بيئة السجن، فعلى سبيل المثال تتاح للسجناء إمكانية التمتع بساحات عشبية والخروج إلى الهواء، كما أن الحراس الموجودين في المركز لا يرتدون اللباس الرسمي الموحد، وغالبا ما يختلطون مع المشاركين في البرنامج ويشاركونهم بعض أنشطتهم.

ويعتبر هذا المركز مرحلة انتقالية بين السجن وإطلاق السراح؛ إذ يتم إجبار المعتقلين على الإقامة فيه، لمدة تتراوح عادة بين 12:8 أسبوعا، علما أنه من الممكن الإفراج عنهم بشكل مؤقت ليوضعوا تحت رعاية عائلاتهم، وتستطيع العائلات زيارة أبنائها في المركز، كما توجد هواتف تتيح للمعتقلين التحدث إلى عائلاتهم على مدار الساعة.

الدعم الاجتماعي

لا يتوقف الدعم الاجتماعي بعد الإفراج عن الشخص المعتقل من "مركز الرعاية لإعادة التأهيل"، وذلك للحيلولة دون حصول انتكاسة لدى هذا الشخص، وذلك عبر الإسراع بتلبية حاجاته الاجتماعية قبل أن تتحول إلى مشاكل تؤرقه.

وعندما يتم التأكد من أن هذا المعتقل قد تراجع عن المعتقدات التي كان يتمسك بها في السابق، يتم تقديم المساعدة له للحصول على عمل، وعلى بعض المنافع الأخرى، من بينها علاوات حكومية إضافية وسيارة وشقة، كما تساعد وزارة الداخلية أولئك الذين كانت لديهم وظائف حكومية في السابق على العودة إلى تلك الوظائف.

ومؤخرا، بدأت اللجنة الاستشارية العمل مع غرف التجارة والمؤسسات الأخرى لافتتاح دورات تدريبية للمشاركين في البرنامج.

وبموجب هذه الخطة، يصبح الموقوفون قادرين على تعلم المهارات والحصول على المؤهلات وهم لا يزالون خاضعين لبرنامج إعادة التأهيل )الاستتابة).

ويتم تشجيع السجناء الذين تم تأهيلهم على الاستقرار والزواج وإنجاب الأطفال، لأن الشباب عادة يكونون أقل استعدادا للانخراط في المشاكل بعد أن تصبح لديهم مسئوليات عائلية.. وقد سهلت الحكومة هذه العملية عبر المساهمة في تمويل حفلات الزفاف والتبرع بالمهور، وتغطية النفقات الضرورية السابقة على الزواج مثل تأمين الأثاث وتجهيز المسكن.

هل نجح برنامج الإرشاد؟

منذ بدء حملة إعادة التأهيل وفك ارتباط المتشددين بالتطرف بعد الهجمات الإرهابية في الداخلالسعودي عام 2003، شارك حوالي 3000 سجين في جوانب من البرنامج الإرشادي، تخلى نحو 1400 منهم عن قناعاتهم السابقة وأخلي سبيلهم.

ورغم أنه من الصعب للغاية الحصول على أرقام دقيقة، فإنه ما يزال هناك تقريبا 1000 سجين قيد الاعتقال؛ ويشمل هذا الرقم الأشخاص الذين لا يزالون يخضعون لعملية إعادة التأهيل وأولئك الذين أتموا البرنامج لكنهم يستكملون تنفيذ الأحكام التي صدرت بحقهم، إضافة إلى أولئك الذين حاولوا وفشلوا أو رفضوا المشاركة كليا.

وحقق البرنامج حتى الآن نتائج مبشرة، إذ تقدر السلطات السعودية نسبة النجاح بين 90:80%، وتشمل نسبة الفشل الباقية والبالغة من 20:10% أولئك الموقوفين الذين رفضوا المشاركة في البرنامج، إضافة إلى الذين لم ينجحوا في برنامج إعادة التأهيل.

وتختم الدراسة بإبداء بعض الملاحظات على الإستراتيجية الناعمة التي اتبعتها السعودية:

أولا: يبرز البرنامج الإرشادي عددا من العوامل ربما تكون جوهرية في أي جهود لفك ارتباط الإسلاميين المتشددين بالتطرف، ومن بين هذه العوامل انخراط عائلة الفرد المعني وشبكة العلاقات الاجتماعية المحيطة به في عملية إعادة تأهيله.

ثانيا: أن يعتمد نجاح برنامج إعادة التأهيل، في جزء منه أيضا، على إدراك أن كون الشخص متطرفا لا يعني أنه سيئ بالفطرة.

ثالثا: من المؤكد أن الاهتمام ببرامج التأهيل سوف يتزايد، وسط الأحوال الخطرة السائدة هذه الأيام، وكثير من الدول سوف تنفذ برامج على النمط المعمول به في المملكة العربية السعودية، حيث تعتبر العملية السعودية أفضل برنامج مضاد للتطرف في العالم من حيث الشمولية والتمويل والاستمرارية.

ويدل على ذلك أن سنغافورة حين بدأت برنامجا لمكافحة التطرف، اعتمدت جزئيا في عملها على النموذج السعودي.


صحفي ومراسل شبكة إسلام أون لاين في المملكة العربية السعودية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات