|
| الطبقة الوسطى أكثر الفئات تضررا من الأزمة المالية |
دائما ما يشكل نمط تصويت الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة الأمريكية عنصرا رئيسيا، ضمن العناصر التي تساهم في اختيار الرئيس الأمريكي وترجيح كفة مرشح على آخر، لكن الأزمة المالية التي تعصف بالولايات المتحدة حاليا، قد تجعل من هذه الطبقة عاملا حاسما في وصول المرشح الديمقراطي باراك أوباما أو منافسه الجمهوري جون ماكين إلى مقعد الرئاسة.
فالمتابع للمناظرات التي جرت بين كل من أوباما وماكين يلحظ تركيز كل منهما على تلك الطبقة والوسائل الواجب اتخاذها لحمايتها، في محاولة منهما لاجتذاب أصواتها، بوصفها الطبقة الأكثر تضررا مما يحدث من اختلالات اقتصادية نتيجة الأزمة المالية التي تعصف بالولايات المتحدة، وبالتالي فهي غالبا من سيحدد هوية الرئيس القادم، في ظل ما تعانيه من ارتفاع لأسعار السلع الأساسية والطاقة وخدمات التعليم والرعاية الصحية... إلخ.
وقد أعد مركز "بيو" لدراسة الاتجاهات الديموغرافية والاجتماعية، بالاشتراك مع معهد جالوب دراسة عن الطبقة الوسطى في المجتمع الأمريكي، تحت عنوان "داخل الطبقة الوسطى.. الأوقات السيئة تضرب الحياة الجميلة".
وتهدف الدراسة إلى وضع تعريف لهذه الطبقة، والتعرف على توجهاتها السياسية وتطلعاتها إلى المستقبل، فضلا عما تعانيه من مشكلات اقتصادية، معتمدة في ذلك على عدة مصادر أهمها استطلاعات الرأي العام الأمريكي إلى جانب بيانات تم الحصول عليها من مركز التعداد الأمريكي.
ويعتبر مفهوم الطبقة الوسطى من المفاهيم الاجتماعية الغامضة وغير المحددة، فهو مفهوم نسبي يختلف من شخص إلى آخر ومن مكان إلى آخر؛ حسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية؛ ومستوى التعليم السائد في البيئة المحلية.
وقد انعكس هذا الغموض في نتائج الاستطلاع الذي أجرته الدراسة، فقد اعتبر 53% من الأمريكيين أنفسهم جزءا من الطبقة الوسطى، برغم التباينات الموجودة بينهم، فعلى سبيل المثال فإن 40% من ذوي الدخول الأقل من 20 ألف دولار سنويا يعتبرون أنفسهم جزءا من الطبقة الوسطى، في حين أنهم من الطبقة الدنيا، حسب المعايير التي استندت إليها الدراسة لتحديد الطبقة الوسطى، بينما يرى 30% من ذوي الدخول التي تزيد عن 150 ألف دولار سنويا أنهم من الطبقة الوسطى في حين أنهم جزء من الطبقات العليا.
مشكلات اقتصادية
تعتبر الطبقة الوسطى من أكثر الطبقات تأثرا بالخلل الكبير الذي أحدثته الأزمة المالية على المستوى الطبقي، فمشكلة الإسكان من أهم المشكلات التي تواجه هذه الطبقة، حيث إن 61% من الطبقة الوسطى يعانون من مشكلات الرهن العقاري وصعوبة تسديد القروض.
كما أن ارتفاع أسعار المنازل بنسبة 50% عما كانت عليه خلال فترة الثمانينيات، استقطع جزءا كبيرا من ميزانية الطبقة الوسطى، إلى جانب ما تعانيه من مشكلات أخرى مثل ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية وخدمات التعليم والرعاية الصحية.
هذه المشكلات أثرت على وضع الطبقة الوسطى في المجتمع الأمريكي، فقد تقلصت نسبتها، من 40% عام 1970 إلى 35% فقط عام 2006، في مقابل ارتفاع نسبة الطبقة العليا من 28% عام 1970 إلى 32% عام 2006، وكذلك ارتفاع نسبة الطبقة الدنيا من 31% إلى 33% خلال نفس الفترة.
وإلى جانب انخفاض نسبة الطبقة الوسطى، فإن 78% من أعضاء هذه الطبقة، طبقا للدراسة، يرون أن مستواهم المعيشي أصبح أكثر صعوبة خلال الخمس سنوات الماضية، مقارنة بالوضع قبل ذلك، وإن اختلفت درجة الإحساس بانخفاض المستوى المعيشي، حسب التوجه الحزبي لهؤلاء الأعضاء، (85% من الديمقراطيين، مقابل 73% من الجمهوريين و67% من المستقلين).
وحمل غالبية الذين تم استطلاع آراؤهم (حوالي 26%) السياسات الحكومية مسئولية الصعوبات التي يجدونها في مستوى معيشتهم، مقابل 15% رأوا أن السبب في ذلك هو ارتفاع أسعار البترول.
الفقراء يؤيدون الديمقراطيين
وتميل غالبية أفراد الطبقة الوسطى إلى تأييد الحزب الديمقراطي، بدلا من الانتماء للحزب الجمهوري أو البقاء كمستقلين، وطبقا للدراسة فإن 47% من الطبقة الوسطى يميلون للحزب الديمقراطي، مقابل 35% يؤيدون الحزب الجمهوري، و18% لا يميلون لأي من الحزبين.
ومن المرجح أن يكون هذا التوجه قد ازداد نتيجة للوضع الاقتصادي السيئ والسياسات المالية الفاشلة التي اتبعتها الإدارة الجمهورية الحالية، والتي تسببت في التدهور الاقتصادي الكبير الذي لحق بالطبقة الوسطى. (انظر الجدول).
التوجهات الحزبية للطبقة الوسطى
| |
الطبقة العليا
|
الطبقة الوسطى
|
الطبقة الدنيا
|
|
الحزب الجمهوري
|
44%
|
35%
|
21%
|
|
الحزب الديمقراطي
|
46%
|
47%
|
58%
|
|
المستقلين
|
10%
|
18%
|
21%
|
ويعتبر كل من الإناث (51% يؤيدن الحزب الديمقراطي مقابل 33% يؤيدن الجمهوري)، والسود (70% للديمقراطي و20% للجمهوري)، بالإضافة إلى الأقليات وشباب الجامعات، من أكثر الفئات دعما للحزب الديمقراطي داخل الطبقة الوسطى.
ويمكن إرجاع التأييد الذي يحظى به الحزب الديمقراطي داخل الطبقة الوسطى إلى قناعة لدى أفراد هذه الطبقة مفادها أن الحزب الجمهوري يميل لصالح الأغنياء، بينما يميل الحزب الديمقراطي إلى دعم الطبقة الوسطى والفقراء، حيث يرى 58% من أعضاء الطبقة الوسطى أن الحزب الجمهوري يهتم بمصالح الأغنياء، في حين يرى 65% أن الحزب الديمقراطي يميل إلى الطبقة الوسطى والفقراء.
بين أوباما وماكين
وضعت الأزمة المالية التي عصفت بأسواق المال، علاوة على الوضع الاقتصادي المتدهور، الطبقة الوسطى في قلب المعركة الانتخابية بين باراك أوباما وجون ماكين، حيث تركزت جهودهما على مخاطبة الطبقة الوسطى لكسب أكبر عدد من الأصوات خلال الفترة المتبقية من السباق الرئاسي.
فالمرشح الديمقراطي باراك أوباما يرى أن الطبقة الوسطى هي كلمة السر للفوز بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، وبالتالي ركز حملته الانتخابية على الفقراء وعائلات الطبقة الوسطى، متحدثا في خطاباته عن الضمانات الاجتماعية والصحية التي ينوي توفيرها لهم.
وفي المناظرة الرئاسية الأولى في جامعة "ماري واشنطن"، في السابع عشر من سبتمبر الماضي، وجه أوباما انتقادا حادا للمرشح الجمهوري جون ماكين؛ لأنه لم يذكر مرة واحدة في خطاباته مصطلح الطبقة الوسطى، قائلا: "تحدثنا في الاقتصاد لمدة 40 دقيقة، ولم يذكر السيناتور ماكين الحديث عن نضالات الطبقة الوسطى".
وعلى النقيض من أوباما، ركز ماكين في حملته الانتخابية على الطبقات الاجتماعية العليا ورجال العمال والشركات، وإن اتفق مع أوباما على إجراء تخفيض ضريبي للطبقة الوسطى مع اختلاف النسبة والأسلوب بين المرشحين.
فباراك أوباما وضع خطة لتخفيض الضرائب على الطبقات الوسطى والفقيرة ورفعها على الطبقات العليا، خاصة من يزيد دخولهم عن 250 ألف دولار سنويا، وأصحاب رءوس الأموال والشركات، فضلا عن منح إعفاءات ضريبية للشركات التي توفر رعاية صحية للموظفين، ورفع الحد الأعلى للضرائب إلى 39% للشرائح العليا بدلا من 34% في الوقت الراهن.
أما جون ماكين فقد بنى خطته على تخفيض الضرائب لجميع الفئات بما فيها الشركات والدخول العليا والطبقة الوسطى، وإن اختلفت النسبة من طبقة لأخرى، وأبقى ماكين الحد الأعلى للضرائب عند مستواه الحالي 34% للشريحة العليا.
ويمكن القول إن الميل التقليدي لدى الطبقة الوسطى للتصويت للحزب الديمقراطي من ناحية، والاهتمام الذي يوليه المرشح الديمقراطي باراك أوباما بهذه الطبقة، في مقابل التحيز الواضح لجون ماكين للطبقات العليا ورجال الأعمال، من ناحية ثانية، قد يدفع بفئات الطبقة الوسطى إلى ترشيح كفة أوباما على منافسه الجمهوري جون ماكين.
ويعزز من هذا الافتراض أن الكثير من الأمريكيين يتهمون إدارة بوش الجمهورية، ونتيجة للسياسات الاقتصادية التي اتبعتها، بالمسئولية المباشرة عن الأزمة الاقتصادية التي يمرون بها، ما قد ينعكس سلبا على فرص ماكين في الفوز بالانتخابات الرئاسية.
باحث اقتصادي.
|