|
من باب اليقين
الاقتصادي -وليس من أبواب المبالغة
الانفعالية- يمكن القول إن كافة دول العالم
بغير استثناء قد تأثرت بالأزمة المالية
العالمية بدرجات متفاوتة وبصور وأشكال
متعددة ترتبط بدرجة الاندماج في الاقتصاد
العالمي وأسواقه المالية، كما يمكن
التأكيد على أن الخسائر الناجمة عن تأثيرات
ونتائج الأزمة المرتبطة بالتباطؤ الاقتصادي
العالمي والركود وتقلبات أسعار الأسواق
المالية والتجارية لم تكتمل ملامحها
وأبعادها حتى هذه اللحظة.
يضاف لذلك أن
عالم الغد الأكثر تشددا وتقييدا للأسواق
والمعاملات والأقل غنى وثروة، والأقل في
فوائض الأموال وعوائدها لا بد أن يصيغ عالما
جديدا تحكمه منظومة جديدة من العلاقات
والحسابات والتوازنات، ولا بد أن تكون لها
انعكاساتها الواضحة على كافة الأوضاع
الاقتصادية والمالية والنقدية والتجارية
العالمية، ويحكم هذه الانعكاسات مؤشر عام قوي
يؤكد أن زمن الأرباح السهلة قد ولى وانتهى،
وأن زمن الأرباح الصعبة يدق كافة الأبواب بكل
العنف والشدة.
ولا
تقتصر الأزمة في تداعياتها على مجرد الخسائر
المهولة والفادحة لأسواق المال، ولكن
الخطورة الشديدة ترتبط بدفعها للدول التي
تجاوز كل الخطوط الحمراء الحاكمة للعلاقات
الاقتصادية والتجارية حتى مع الدول الصديقة
والمثال المثير يرتبط بتطبيق بريطانيا
لقوانين مكافحة الإرهاب وهي قوانين
استثنائية وطارئة ومقيدة في نفس الوقت ضد
أيسلندا الدولة الأوروبية بهدف الحجز على
أصول وأموال الشركات الأيسلندية العاملة في
بريطانيا؛ حماية للمليارات من الدولارات
التي تمثل إيداعات لأطراف بريطانية في بنوك
أيسلندية سيطرت عليها الحكومة هناك.
وتكشف
هذه القصة المهمة طبيعة خسائر الأموال
الخارجية في كافة المؤسسات والبنوك
الأمريكية والأوروبية، حيث ترتكز خطط
الإنقاذ العاجلة على تأمين وحماية حقوق
المواطنين بالدرجة الأولى.
وتتغاضى
بصورة شبه كاملة عن تأمين حقوق الأجانب من غير
المواطنين، وتنص صراحة على عدم ضمان أموال
الدول الأخرى، سواء كانت أموالا تخص الصناديق
السيادية المملوكة للحكومات أو غيرها من
الصور والأشكال، وهو ما تضمنته خطة الإنقاذ
المالي الأمريكي التي أقرها الكونجرس بشكل
صريح وواضح، ولا يفسر ذلك فقط ضخامة خسائر
الأموال العابرة للقارات والدول، ولكنه يفسر
أيضا حالة الذعر الشديد وعدم الثقة المفرطة؛
نتيجة للصدمة المفجعة في حجم الأزمة، وفي
معالجات الأزمة بكل ما تلقيه بظلال دامية على
مستقبل حركة الأموال في العالم والتي يقدرها
بنك التسويات الأوروبي الدولي بنحو 4
تريليونات دولار يوميا وانعكاس الفزع على
معاملات الأسواق واستقرارها في المستقبل
القريب والبعيد.
الصناديق
السيادية.. والخسائر الموجعة
وتقدم
حالة الهلع والارتباك التي تحيط بمعاملات
وأعمال الصناديق الاستثمارية السيادية
المملوكة للدول نموذجا متكاملا عن حالة
الفوضى الراهنة والمستقبلية في أسواق المال
العالمية، وتفسر حقائق عدم الاستقرار
المتوقعة في الأجل القصير والمتوسط، والحاجة
الضرورية لاتخاذ إجراءات دولية من شأنها أن
تعيد الاستقرار في الأجل الطويل على أفضل
الفروض، ويوضح تلك الحقائق والمتغيرات
العاصفة التي لحقت بتوزيع استثمارات هذه
الصناديق، حيث بلغت في أمريكا الشمالية
وأمريكا وكندا 39% من مجمل الاستثمارات في
الربع الأول من العام الحالي، وانخفضت بشكل
حاد إلى 0.3% في الربع الثاني وفي المقابل
ارتفعت استثماراتها في دول آسيا والمحيط
الهادي والشرق الأوسط إلى 58% في الربع
الثاني مقابل43% في الربع الأول.
وبالنسبة
لتوزيع الاستثمارات وفقا للقطاعات
الاقتصادية المختلفة فإن مجلة النيوزويك
الأمريكية ترصد أن هذه الصناديق كانت توجه
74% من استثماراتها في الربع الأول من العام
الحالي لقطاع الخدمات المالية وتراجعت
النسبة إلى 15% فقط مع الربع الثاني، ولكن
هذا التراجع اتجه إلى قطاع متفجر يتمتع بدرجة
مخاطر عالية للغاية، وكان بالفعل قد دخل
إلى دائرة الأزمة الحادة وهو قطاع العقارات،
حيث ارتفعت استثمارات هذه الصناديق إلى
51.7% من إجمالي استثماراتها في الربع الثاني
بعد أن كانت لا تتعدى 3.7% في الربع الأول من
العام الحالي مما يكشف عن ضخامة خسائرها لحظة
تفجر الأزمة وتفاقمها بعد الشهر الأول من
بداية الربع الثالث من العام.
وهو
ما يمكن أن يندرج تحت بند الألغاز والأسرار في
أسواق المال والاستثمار العالمية والحسابات
المضللة والضغوط التي قادت الكثيرين إلى قاع
الخسارة والضياع المالي، خاصة أن الفقاعة
العقارية الأمريكية والفقاعة العقارية
البريطانية تعرضتا للانفجار المدوي في أغسطس
2007 وبقيتا خارج نطاق المعالجة والإصلاح
حتى تفجر الأزمة المالية العالمية في سبتمبر
الماضي.
وبالرغم
من عدم توافر إحصاءات شاملة ودقيقة عن
الاستثمار الخارجي في أسواق الولايات
المتحدة الأمريكية بحكم الحركة السريعة
للأموال عالميا وأيضا بحكم الافتقار إلى
الشفافية في المعاملات وتعقيداتها
وتشابكاتها، وهو ما أكدت عليه نتائج الأزمة
العالمية، ووضعته في صدارة الأسباب، ووفقا
لمؤشرات مجلس الاحتياط الفيدرالي للبنك
المركزي الأمريكي؛ فإن خسائر الاستثمارات
الأجنبية في أسواق المال العالمية خلال 11
شهرا تمتد مع بداية الأزمة بانفجار الفقاعة
العقارية في أغسطس 2007 وحتى نهاية يونيو
2008 تبلغ نحو400 مليار دولار، وأن هذه
الخسائر ارتفعت مع اندلاع الأزمة المالية إلى
أكثر من تريليون دولار (1000 مليار دولار)
وأن خسائر الاستثمارات العربية المصدرة تبلغ
50 مليار دولار.
الفوائض
البترولية.. والسوق الأمريكية
وتشير
الإحصائيات إلى أن رصيد الفوائض لدول مجلس
التعاون الخليجي ارتفع في العام الحالي إلى
أكثر من تريليوني دولار في ظل الارتفاعات
المتوالية لأسعار النفط السابقة على
الانخفاض الأخير للأسعار ووفقا لتقديرات
معهد التمويل الدولي فإن السنوات الخمس
الأخيرة شهدت تدفقات استثمارية جديدة من هذه
الدول في أسواق الاستثمار العالمية تبلغ
530 مليار دولار منها 300 مليار دولار
توجهت للأسواق الأمريكية، وكل ذلك بخلاف
الاستثمارات السابقة على السنوات الخمس
والتي تزامنت مع بداية الفوائض النفطية بعد
ارتفاع أسعاره نتيجة لحرب أكتوبر 1973 والتي
قدرت بما يتراوح بين تريليون دولار و800
مليار دولار على الرغم من الخسائر العربية
بالغة الضخامة في مضاربات المعادن النفيسة
والعملات الدولية وتقلباتها العنيفة وأزمة
المديونية لدول أمريكا اللاتينية في
الثمانينيات، والتي تقدر خسائرهم فيها بنحو300
مليار دولار.
وتشير
مؤشرات وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن
الاستثمارات العربية في الأصول المالية
الأمريكية تبلغ 322 مليار دولار غالبيتها
العظمى بنحو 308 مليارات دولار استثمارات
سعودية وخليجية، ومنها استثمارات مصرية تبلغ
11 مليار دولار، واستثمارات للمغرب قيمتها
1.3 مليار بخلاف استثمارات للأردن ولبنان
وتونس.
وترصد
المؤشرات الأمريكية التاريخ القريب للخسائر
في البورصة الأمريكية عام 2001 مع انهيار
أسهم شركات البرمجيات المسماة بفقاعة الدوت
كوم، والتي ارتفعت خسائرها الإجمالية إلى
7 تريليونات دولار من القيمة السوقية
للأسهم، وفي ذلك الوقت قدرت خسائر الاستثمار
الأجنبي بنسبة 18% من الخسائر الإجمالية
بقيمة 314 مليار دولار، وقدرت خسائر
الاستثمارات العربية بمبلغ 3.2 مليار
دولار، حيث كانت تقديرات تعاملات العرب في
بورصة نيويورك عموما لا تزيد على 45 مليار
دولار.
ويستوجب
التحليل الاقتصادي والمالي الدقيق عند حساب
الخسائر وتقديرها أن تؤخذ في الاعتبار طبيعة
أسواق المال المفتوحة عالميا وتداول الأسهم
الأمريكية في العديد من بورصات العالم
الكبرى، وأن خسائر المعاملات تحسب في نطاق
تعاملات كل بورصة وفقا للدولة التي تنتمي
إليها؛ وبالتالي فإن خسائر المتعاملين على
الأسهم الأمريكية تمتد عبر بورصات العالم.
كما
يؤخذ في الاعتبار أيضا أن المؤسسات المالية
والبنوك الكبرى الأمريكية المفلسة تتيح
المشاركة المباشرة في رؤوس أموالها بنظام
يعرف بالأسهم الممتازة، وكذلك السندات
الخاصة، ولا يدخل ذلك في تقدير خسائر
البورصات وما لحق بالمستثمرين الأجانب عموما
في هذا الشأن بالغ الضخامة مع إفلاس ليمان
برازرز رابع أكبر بنك استثماري أمريكي وغيره،
ومع وضع البنوك الاستثمارية الأخرى العملاقة
تحت الوصاية وتأميمها تأميما جزئيا بدخول
مجلس الاحتياط الفيدرالي أو وزارة الخزانة
كمساهم أكبر وما شملته هذه الإجراءات من ضمان
جزئي لحقوق الملاك وأصحاب الأسهم الأصليين.
وقد
تضمنت خطة الإنقاذ العاجل الأمريكية النص على
عدم تعويض حقوق صناديق الاستثمار السيادية
مما يجعل خسارتها لكامل استثماراتها، وليس
لجزء منها كما هو الحال للمستثمرين
الأمريكيين، وتوضح مؤشرات وزارة الخزانة
الأمريكية ضخامة قيمة الأوراق المالية
الأمريكية بكافة صورها وأشكالها التقليدية،
حيث تقدرها بنحو 10 تريليونات دولار؛ تملك
الحكومة الأمريكية منها 4.2 تريليون دولار،
ويملك المواطن الأمريكي منها 3.1 تريليون
دولار، وتملك الصناديق الأجنبية السيادية
والخاصة 2.7 تريليون دولار.
الاحتياطيات
النقدية.. وتقلبات العملات
وتتكشف
جوانب أخرى بالغة الأهمية لتفهم الأزمة
المالية العالمية ترتبط بضخامة الاحتياطيات
المملوكة للدول من العملات الدولية الرئيسية
وفي المقدمة وعلى العرش الدولار واليورو، حيث
تبلغ تقديراتها وفقا لإحصائيات صندوق النقد
الدولي الأخيرة سبعة تريليونات دولار مع
منتصف العام الحالي مرتفعة بمعدلات كبيرة
نسبتها 23% بما يساوي 1.3 تريليون دولار
خلال 12 شهرا، مع الإشارة إلى امتلاك الدول
النامية خارج نادي الدول الصناعية الكبرى
للجزء الكبير من هذه الاحتياطيات بما قيمته
5.5 تريليون دولار.
ويقدر
صندوق النقد أن 50% من هذه الاحتياطيات
بالدولار الأمريكي مقابل 70% في نهاية عام
ألفين، في حين تقدر حصة اليورو بنحو 28.9%
مقابل 19% في بداية العقد الحالي مع توزيع
الاحتياطيات الباقية على عملات دولية رئيسية
أخرى في مقدمتها الجنيه الإسترليني والين
الياباني والفرنك السويسري، ولكن نصيب
الدولار في احتياطيات الدول الصناعية الكبرى
ما زال كبيرا وتبلغ حاليا 68.5% مقابل 73%
في سنوات سابقة وتحدد هذه الاحتياطيات الضخمة
والموظفة في الأسواق المالية الدولية حجم
خسائر ومكاسب الدول، خاصة فيما يرتبط بتقلبات
أسعار الصرف الدولية.
الصناديق
السيادية.. والاستثمارات المتعثرة
وقد
ارتفعت استثمارات الصناديق الاستثمارية
السيادية بشكل واضح وكبير في الأسواق
العالمية الكبرى خلال السنوات الأخيرة،
وتقدر الخدمة الاقتصادية لوكالة رويترز أن
أصول هذه الصناديق يبلغ نحو 3 تريليونات
دولار كان ينتظر أن تشهد ارتفاعا ملموسا خلال
السنوات القليلة القادمة؛ لتصل إلى ما يتراوح
بين 7 و11 تريليون دولار مع عام 2013،
ومع ضخامة هذه الاستثمارات وما يثار حول
نشاطها في الأسواق العالمية الكبرى من تخوفات
واعتراضات فقد اجتمعت تحت مظلة صندوق النقد
الدولي في بداية سبتمبر الماضي، واتفقت على
مجموعة من المبادئ الطوعية للاسترشاد بها في
ممارساتها الاستثمارية بما يسهم في تهدئة
المخاوف العالمية بشأن دوافعها الاستثمارية
ويبلغ عدد هذه الصناديق حاليا نحو 40
صندوقا.
ورصدت
المؤشرات العالمية ارتفاع استثماراتها خلال
الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي
يناير/ أغسطس أي قبل اندلاع الأزمة
المالية العالية للاستحواذ على حصص شركات
ومؤسسات مالية كبرى بشكل ملحوظ.
والمثير
للانتباه أن الصفقات الكبرى للصناديق
الاستثمارية السيادية تركزت بالدرجة الأولى
حول مؤسسات مالية وبنوك تعثرت أو أفلست أو
بيعت مع احتدام الأزمة المالية، حيث تشير
تقديرات رويترز إلى استثمار هذه الصناديق ما
قيمته 25.48 مليار دولار في شراء أصول
بمؤسسات عالمية مثل سيتي جروب وميريل لينش،
وأن هذه الاستثمارات تزيد بنسبة 66%
بالمقارنة بنفس الفترة من العام الماضي
والبالغ قيمتها 15.4 مليار دولار.
وقد
تركزت صفقات هذه الصناديق على السوق
الأمريكية بنسبة 62% من إجمالي استثماراتها
وبقيمة 15.8 مليار دولار في ثماني صفقات
كبرى، ويشكل ذلك نحو خمسة أضعاف استثماراتها
الأمريكية قي العام السابق والبالغ قيمتها
3.45 مليار دولار، وجاءت روسيا في المرتبة
الثانية للعام الحالي باستثمارات قيمتها
5.3 مليار دولار استثمرتها دبي العالمية في
شركة أو. جي. كيه. ا الروسية
الإقليمية للكهرباء.
وتتصدر
هذه الصناديق السيادية الاستثمارية صندوق
تماسيك هولدنفز السنغافوري وهيئة أبو ظبي
للاستثمار ودبي العالمية، وقد تعمقت منذ
العام الماضي في الاستثمار في المصارف
الأمريكية والأوروبية التي منيت بخسائر في
أزمة الرهن العقاري الأمريكية والأوروبية
قبل تصاعدها والاستثمارات المترتبة عليها،
وتضم هذه الصناديق أيضا صناديق صينية
لاستثمار الفوائض الضخمة المحققة، والتي
بلغت في الصين أخيرا نحو 1.9 تريليون دولار
تشكل احتياطيات النقد الأجنبي للدولة، كما
تملكها أيضا الدول الأخرى صاحبة الفوائض
البترولية مثل روسيا.
ولا
تقتصر ضخامة الخسائر لدول الفوائض البترولية
الخارجية على استثمارات الصناديق
الاستثمارية السيادية، فإن المشكلة التي
برزت على السطح في الفترة الأخيرة، ومع تصاعد
نيران الأزمة المالية العالمية ترتبط
بالمخاوف الشديدة من القدرة على تسييل الأصول
أو جانب منها في الأجل القصير لتوفير التمويل
اللازم للمشروعات الاستثمارية الضخمة التي
تمولها الدولة، خاصة مشروعات البنية التحتية
وهي مشكلة تعمقت كثيرا مع توجهات أسعار النفط
للانخفاض المتوالي والكبير خلال الفترة
الأخيرة وتدني السعر لأقل من 80 دولارا
للبرميل في حين أن التوقعات السائدة قبل
الأزمة العالمية كانت تراهن على حد أدنى
لأسعار برميل النفط لا يقل عن 180 دولارا،
في مواجهة توقعات مندفعة راهنت في يوليو
الماضي على ضرورة ارتفاع السعر إلى 150
دولارا للبرميل على الأقل، ويعكس ذلك
انخفاضات كبيرة في إيرادات الدول النفطية،
وتعديلات جوهرية في موازناتها العامة لتوفير
التمويل للطموحات الاستثمارية تحت التنفيذ.
وقد
تعرضت الحكومة الكويتية خلال الفترة الأخيرة
لانتقادات في البرلمان نتيجة للخسائر التي
تعرضت لها الهيئة العامة للاستثمارات
الكويتية نتيجة لقيامها باستثمار نحو خمسة
مليارات دولار في أصول بنك ميريل لينش وسيتي
جروب ضمن صفقات الصناديق الاستثمارية
السيادية الدولية، وكانت أبو ظبي قد عقدت
صفقة لشراء حصة من سيتي جروب قيمتها 7.5
مليار دولار، كما اشترت هيئة الاستثمار
القطرية 20% من بورصة لندن كشركة و2% من
بنك كريدي سويس في سبتمبر الماضي.
وفي
ظل هذه الأوضاع العربية التي تفتقر لدرجة
عالية من الشفافية يصعب معها رصد الحجم
النهائي والتقدير الإجمالي للخسائر المباشرة
في أسواق المال الأمريكية والأوروبية وغيرها،
وعلى الرغم من كل ذلك فإن هناك مؤشرات على
تصاعد المخاوف من أزمة سيولة دفعت المؤسسات
النقدية المسئولة لزيادة السيولة بمعدلات
مرتفعة خلال الفترة الأخيرة؛ لدعم مواقف
البنوك ومعاملاتها وتعاملاتها مع الجمهور،
حيث تم ضخ عشرات المليارات من الدولارات في
السعودية والإمارات العربية وغيرها.
ويجب
أن يؤخذ في الاعتبار عند حساب الخسائر
الإجمالية أن الأزمة قد لحقت أيضا الأسواق
الآسيوية، والتي يتركز بها جانب من
الاستثمارات العربية والخليجية، وكانت خلال
السنوات الأخيرة الماضية تمثل الملاذ الآمن
من تقلبات الأسواق الأمريكية والأوروبية
وتوجهها للتضييق على الاستثمارات العربية
والخليجية في أنشطتها وأعمالها.
وقد
شهدت بورصة طوكيو التي تعد المركز والقلب
للبورصات الآسيوية انخفاضات حادة ومتوالية
لم تشهدها منذ عام 1987، وكذلك الحال في
بورصة هونج كونج واضطرت إدارة بورصة جاكرتا
الإندونيسية إلى تعليق التعامل بعد تراجع
المؤشر 10.38%؛ مما يعني أن الخسائر متعددة
الحلقات بغير انفصال أو انقطاع.
وفي
الدول الخليجية تحديدا وعلى الرغم من كل
أحاديث الثروة والفائض والعائدات النفطية
الضخمة، فإن خسائر السوق السعودية بلغت نحو
124 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى
من العام الحالي بنسبة 18.35% من القيمة
الإجمالية لرأس مال البورصة.
وفي
يوم الثلاثاء 7 أكتوبر الحالي بلغت قيمة
خسائر البورصة السعودية في يوم واحد 24
مليار دولار، ولا يقل عن ذلك خطورة ما حدث
للبورصة المصرية الذي توالي نزيف الخسائر منذ
يونيو 2007، وتراكمت قيمتها حتى نهاية أغسطس
الماضي؛ لتخسر البورصة نحو 30% من
رأسمالها، وعندما عادت للعمل بعد إجازة عيد
الفطر يومي الأربعاء والخميس 8 و9
أكتوبر خسرت أكثر من 20% إضافية؛ لتصل
الخسائر الإجمالية في رأسمالها إلى نحو 50%،
مما يعكس مسلسل الخسائر الضخمة المتوالي
الحلقات بصورة غير مباشرة على الأسواق
العربية.
الأزمة
المالية.. والتوسع في القروض
قدمت
الأزمة المالية العالمية درسا مهما في
الاقتصاد لكافة دول العالم يؤكد أن التوسع في
الإنفاق الاستهلاكي والتوسع في القروض
الاستهلاكية بكافة صورها وأشكالها لابد أن
يدفع الجميع إلى الكارثة، ومن أهم ما كشفته أن
طموحات السياسيين للفوز بالانتخابات قد
تتسبب في تقويض دعائم اقتصاد أكبر قوة
اقتصادية عالمية، حيث تشير التحليلات إلى أن
برنامج بوش الابن الانتخابي عام 2004
والقائم على ما يسمى بمبدأ مجتمع التملك قد
سمح للمؤسسات المالية وللبنوك أن تقدم قروضا
بلا ضمانات للأمريكيين، وبتسهيلات تخالف
كافة الأعراف المصرفية؛ مما تسبب بالضرورة في
انفجار الفقاعة العقارية وقيادتها للأزمة
المالية، وهيأ المناخ لصناعة التسيب
والانحراف والفساد في المؤسسات المالية
والبنوك الأمريكية الكبرى تحت ظلال برنامج
الرئيس الانتخابي العظيم.
وتشير
الأرقام إلى أن جنون المجتمع الاستهلاكي
وسيادة عقلية الاستهلاك التي تفوق إمكانات
وقدرات المواطنين اعتمادا على القروض
وبطاقات الائتمان البلاستيكية نجم عنه أن
اتفاق الأمريكيين تعدى دخولهم سنويا بنحو
800 مليار دولار؛ بما يعنيه أن الأمريكي ينفق
ما لا يملكه، وما لم يحصل عليه بعد، وكانت
النتيجة مخيفة ومفزعة في جانب الادخار
وتضاؤله وانخفاضه والإسراف والإفراط في
الاقتراض من الخارج بكافة الأساليب، والسبل
إلى حدود النصب والاحتيال من المؤسسات
المالية والبنوك، وكل ذلك يكاد يعصف بكل
الشدة والعنف بالحلم الأمريكي، ويكاد يقود
التطلع العالمي للأحسن والأفضل إلى قيعان
الإحباط والدمار؟!.
كاتب ومدير تحرير جريدة الأهرام المصرية
*نقلاً عن جريدة الأهرام المصرية بتاريخ 25 - 10 2008
|