English

 

الاثنين. أكتوبر. 27, 2008

حواء و آدم » صوت النساء

 
   
روابط من إسلام أون لاين

في مصر: الأرملة وحيدة حتى آخر العمر

مدحت محمود

حكم بالوحدة مدى الحياة
حكم بالوحدة مدى الحياة

بدون ذنب اقترفته، يصدر المجتمع حكمه على الأرملة بالانسحاب من الحياة، ولا يقبل بغير انكفائها على أحزانها، ومبالغتها في إظهار هذه الأحزان، ويتحكم في هذه النظرة المجتمعية خليط متباين من العادات والأعراف التي تغفل حاجة الأرملة للرعاية والمساندة، وتحيطها بسياج من القيود المجحفة التي تفرض عليها لزوم البيت والانقطاع لتربية الأولاد ما بقي لها من العمر، فضلا عما تفرضه عليها من التنازل طواعية أو كرهًا عن حقوقها التي كفلها الإسلام لها في معاودة الحياة الطبيعية مع زوج آخر تختاره بكامل إرادتها، مما يجعل الخوف يتسلل إلى دنياها، ويحتل مكانا لا بأس به في حياتها؛ فتفتقد الأمان، وتتخلى عن أحلامها السابقة في الحياة، وكأن حياتها انتهت مع وفاة الزوج.

أمينة على العهد

الأرامل.. حكايات ما بعد الحزن (شارك)
تصف "أمينة أحمد" معاناتها الرهيبة مع الترمل فتذكر أن نشأتها بمجتمع صعيدي متحفظ بجنوب مصر منعتها من التفكير بالزواج مرة ثانية منذ ترملها من اثني عشر عاما، وذلك خشية أن "يعاير" الناس أولادها بزواجها بعد أبيهم، تقول "أمينة": لم يكن أمامي إلا أن أرضى بنصيبي، وأفني شبابي في تربيتهم ورعايتهم، وأستغني بهم عن مباهج الحياة، وقتها كان أكبرهم على أعتاب الشباب، ولم أعرف كيف أواجهه بالفكرة، وماذا كان سيقال له عني لو تركتهم وتزوجت؟ وبعد تفكير وجدت أنه لم يكن ممكنا أن أدخل عليهم رجلا غريبا قد يقسو عليهم ويسيء معاملتهم، وقد يضعني في اختبار صعب بينه وبينهم، وأنا لا أطيق فراقهم ولو للحظة، فهم محور حياتي، وسندي الباقي في الحياة.

للثروة حسابات أخرى

وتروي "فاطمة الزهراء" بنت الريف المصري التي لم تكمل العقد الثالث من عمرها قصتها مع الأحزان قائلة: لم أكن أفكر بالزواج طيلة ثماني سنوات سابقة، وكتمت آلامي في صدري حتى لا يشعر بي أحد إلى أن وضع الله في طريقي محاميا شابا يصغرني بسنوات قليلة، جذبني إليه بخلقه الكريم وتفانيه في خدمة الآخرين، ووجدت فيه الكثير من صفات زوجي الراحل، فرحت على غير إرادة مني أتمنى أن يسوق الله لي مثله لأكمل معه مشوار حياتي، لكني ما لبثت أن عنفت نفسي كثيرا على هذا الإحساس، وحاولت قدر استطاعتي أن أنصرف بذهني عن هذا الشخص، لكن الله شاء أن يبدي ما حاولت إخفاءه، فقد فوجئت بزيارة شقيقته لتخبرني برغبته في الارتباط بي، وعندما أبديت دهشتي لاختياره لي وهو الذي لم يسبق له الزواج، أجابت برغبته أن ينال ما أعده الله من ثواب عظيم لكافل اليتامى والساعي على الأيامى، ووجدتني أزداد اقتناعا بأن الله يريد أن يعوضني خيرا، وأن مبدأ الاقتران بزوج لا يعني خيانة الزوج الراحل أو عدم الوفاء له.

وقررت إعلان الخبر.. لكني وجدت الدنيا من حولي قامت ولم تقعد، وسارع شقيق زوجي بإعلان خطبته لي برغم عدم موافقتي عليه؛ متعللا بأنني ما دمت راغبة في الزواج "فجحا أولى بلحم ثوره"، ولما أصررت على رفضي له طالبني بأن أتنازل له عن كل ما تركه زوجي السابق من أموال، وهددني بسحب وصايتي على بناتي ليحل هو محلي فيها، وتوعدني بأنه سيزوج البنتين برغم أنفهما لاثنين من أولاده حتى لا يدع ثمار شقاء أخيه تذهب للغريب، ولم ينقذني من براثنه سوى حماتي التي لم ترغب أن يحل أحد محل ابنها حتى لو كان أخاه، وأصرت أن أقضي بقية حياتي بدون زواج أسوة بها، وكانت قد ترملت في مثل سني تقريبا.

 أرملة وعذراء..!

ونبتعد عن الريف قليلا بتقاليده الراسخة التي يصعب على كثير من الرجال تغييرها أو مخالفتها، فما بالنا بأرملة وحيدة لا تملك من رصيد التحدي والقدرة على التغيير إلا القليل، لكننا وعلى أعتاب المدينة اصطدمنا بنفس المفاهيم التي تسببت في عنوسة "وفاء عبد القادر" بنت المدينة، التي ترملت وهي تعد لزفافها على ابن عمها، تقول "وفاء": كأي بنت كدت أطير فرحا فور علمي بخطبتي لابن عمي، ولكن لم تمض أيام على عقد قراني حتى لقي عريسي مصرعه في حادث سيارة، فتشاءم مني الخطاب، وظللت لثلاث سنوات لا يطرق بابي أحد، حتى تقدم لخطبتي شاب يعمل مدرسا بالخارج، وكان لابد من إخباره بأنني أرملة فأحست بالتردد يطرأ عليه، وصار يؤجل الزفاف المرة تلو الأخرى حتى جاء موعد سفره، وبعدها أبلغتني والدته في صراحة مؤلمة أنها ليست في غنى عن ابنها.

وبعد سنتين خطبت لثالث إلا أن والد العريس أصر على تغيير كل جهازي الذي سبق أن أعددته لزفافي الأول، وأخذ يضع العراقيل في طريق زواجي بابنه برغم تحملي كافة مصاريف الزواج، وعندما ضقت ذرعا بتصرفاته اعترف بأنه يخشى مني على ابنه، فأصبت بانهيار عصبي حاد، وأيقنت أن لعنة زواجي الأول ستظل تطاردني بقية حياتي.

إمرأة آيلة للسقوط

أما "وفاء ناصر" الموظفة بإحدى الهيئات الحكومية فلها قصة أخرى فهي امرأة شديدة المراس لا تستسلم بسهولة، ولا تدع أحدا يرسم لها حياتها وبرغم ذلك فقد لزمت منزلها وأصابها الاكتئاب بعد أن قيل عنها ما نال من سمعتها لمجرد أنها قررت الخروج من دائرة الحزن والعودة لممارسة أنشطتها التي اعتادت عليها قبل فقد الزوج.

ففي أول الأمر وفور وفاة زوجها تدفق المعزون والمواسون فرادى وجماعات لمواساتها في مصابها، وانهالت عليها عروضهم السخية بمساعدتها إلا أن تلك الزيارات والمكالمات الهاتفية لم تلبث أن تباعدت حتى تلاشت بعد بضعة أشهر، ووجدت نفسها وحيدة تعاني الملل والفراغ حتى كرهت العودة لمنزلها.

وفي أول لقاء لها بصديقاتها في النادي فوجئت بنظرات الاستهجان واللوم، فمنهن من استنكرت مجيئها قائلة: "النادي للعائلات فقط"! وأخرى تندرت في تخابث "ربما جاءت تقتنص عريسا، ألا ترون أنها عادت إلى شياكتها، كل واحدة تاخد بالها من جوزها من هنا ورايح"...

تقول الأرملة الشابة: جمعتني الصدفة في إحدى المرات بأحد الجيران فبادرني بالسؤال عن أحوالي وبادلته بالسؤال عن أحوال زوجته وأطفاله، وما إن دلف لشقته حتى سمعت زوجته تعنفه بشدة على ذلك، وتحذره من أنني أحاول أن أرمي شباكي عليه، وتعيب علي اهتمامي بمظهري، واتهمتني بمعابثة الرجال لأعوض ما بي من حرمان، عندها أدركت أنني لا مكان لي في هذا المجتمع، وعرفت سر مجافاة الناس وانقطاع الجارات والصديقات عن زيارتي بعد أن كان منزلي لا يخلو منهن، وأدركت مغزى النظرات التي ترقب خطواتي وتعد علي أنفاسي باعتباري كما يشيعون عني امرأة آيلة للسقوط .

أما السيدة "ناهد القرشي" بالمعاش فهي تنعى حظها الوافر من الوحدة والفراغ بعد رحيل رفيق عمرها وانشغال أولادها وبناتها بأمورهم الخاصة فتقول: "لو كنت رجلا لجلست على المقاهي.. ولو كنت ثرية لذهبت إلى النوادي.. ولو كنت معافاة في بدني لتنقلت بين منازل أولادي وصديقاتي وجيراني!.

السكون يطبق على أرجاء شقتي الفسيحة بعدما كانت تعج بالحياة والحركة، والأيام تمر علي ثقيلة بطيئة، وأخشى أن يباغتني الموت دون أن يدري بي أحد، سلواي الوحيدة في مشاهدة برامج ومسلسلات التلفاز المملة، التي ضقت بها ذرعا وبحياتي كلها حتى صرت أتمنى الموت، لأهرب من هذه الوحدة القاتلة.

شريكا للحياة لا للعمر

ينصح د.فكري عبد العزيز استشاري الطب النفسي بالمستشفيات العسكرية كل أرملة بألا تستسلم للأحزان حتى لا يتحفظ الناس في التعامل معها ويتجنبوا إشراكها في مناسباتهم السعيدة خشية أن تحسدهم، ويهمس في أذن كل أرملة بضرورة التوقف عن مقارنة الحياة مع الزوج المفقود بما آل إليه الحال بعده، حتى لا تصعب الأمر على نفسها وتقع فريسة للضغوط النفسية الناجمة عن الشعور بالوحدة والعزلة وافتقاد الأمان، وأن تشغل نفسها بما هو متاح من مباهج الحياة المشروعة للتخلص من التوتر والعصبية التي تسببها معاناتها للكبت، والتي يؤدي بها في كثير من الأحيان إلى العديد من الأعراض الجسدية أو الانكفاء على الحزن والرغبة في الانسحاب من المجتمع، وهو للأسف ما يدفعها إليه المحيطون بها غير مدركين أنهم بهذه التصرفات يضعونها على أعتاب المرض النفسي.

ويطالب د."إبراهيم عبد الحافظ" الأستاذ بالمعهد العالي للفنون الشعبية بتغيير النظرة الشعبية للزوج باعتباره شريك العمر بينما هو في الحقيقة شريكا بالحياة فقط، إذ قد يطول عمر الزوج أو يقصر عن زوجته.

ويؤكد ضرورة التخلص من القيم السلبية التي تذخر بها المأثورات الشعبية التي تنظر للأرملة على خلاف الحقيقة باعتبارها نحسا ونذير شؤم على زوجها تلام على وفاته، وتدعيم القيم الإيجابية التي تحض على رعايتها وتقديم العون والدعم اللازم لها باعتبارها كائنا ضعيفا زاده الترمل ضعفا على ما به من ضعف.


صحفي مهتم بالشأن الاجتماعي.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم