|
| مشروع إيران الإقليمي.. المصلحة أم الإيديولوجيا؟ |
لابد أن نبدأ من الأسئلة البديهية: هل للدولة الإيرانية المعاصرة مشروع؟ وهل هو مشروع تقليدي أم حداثي؟ وهل هو محلي مغلق أم إقليمي أم دولي؟ وما هي مقومات هذا المشروع؟ وما هي أهدافه المرحلية؟ وما هي ثوابته؟ وما هي متغيراته؟.
ولابد أيضا للرجوع إلى مؤسس الدولة ومعاونيه في تصريحاتهم وأعمالهم وقراراتهم، لمحاولة الوصول إلى إجابة شافية حول هذه التساؤلات، ورؤية واضحة حول ماهية هذه الدولة ومشروعها، ومن ثم يمكن إدراك تأثير هذه الدولة الإقليمي، وهو الهدف من هذه الدراسة.
عندما نجحت الثورة الإسلامية الإيرانية في أن تضع نهاية لحكم الشاه محمد رضا بهلوي، عاد آية الله الخميني زعيم هذه الثورة إلى إيران من منفاه، حاملا معه كتابه "الحكومة الإسلامية"، والذي وضع فيه أسس نظام بديل للنظام الشاهنشاهي الذي أسقطته الثورة.
عالمية الإسلام من المنظور الإيراني
وكان من الواضح أن ما جاء في هذا الكتاب لم يقف عند تحديد أسس قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، بل تعداه إلى مشروع حكومة عالمية للإسلام، يعيد إحياء الخلافة الإسلامية في إطار الفكر الشيعي؛ لأن النظم الإسلامية الموجودة جعلت الإسلام غريبا فيها، وكذلك القرآن، وهو ما جعل الإسلام غريبا في العالم كله، يقول آية الله الخميني: إن الإسلام يعيش بين أهل الدنيا في غربة (حكومت إسلامي ص.7).
ويقول لأنصاره: "إن الإسلام غريب فعلا، ولا أحد يعرف ما هو الإسلام؟! ومن اللازم أن توصلوا الإسلام وأحكام الإسلام للناس، حتى يفهموا ما هو الإسلام، وما هي حكومة الإسلام، وما معنى الرسالة والإمامة!" بمعنى الإسلام من خلال وجهة النظر الشيعية" (ص.179)، ويقول لتلامذته: "إن هذا الإسلام هو الذي أخرجكم من الانزواء بعد أن كنتم تحت وطأة السافاك "هيئة الأمن والمعلومات" (صحيفة نور في 22/6/1979م).
ومن هنا فقد وضع آية الله الخميني على رأس مشروع الدولة هذا الهدف، وهو محاربة الشرك والكفر، يقول: "نحن مكلفون بأن نزيل آثار الشرك من مجتمع المسلمين، ومن حياتهم، ونقضي عليه. (حكومت إسلامي ص 34). ومن ثم فقد وضع على عاتقه إقامة نظام ديني، يقول: إن أردنا تشكيل حكومة إسلامية فينبغي أن نشكل هذه الحكومة بهذه العباءة وهذه العمامة، وإلا كان ذلك مخالفا للمروءة والعدالة. (حكومت إسلامي ص.15)، على أن يكون هذا النظام نواة لتشكيل حكومة إسلامية عالمية، ويضيف: "إن انتزاع السلطة من النظام البائد هو خطوة أولى، أما الخطوة الثانية فهي وضع خطة للحكومة العالمية للإسلام. (صحيفة كيهان في 10/8/1357هـ.ش.).
وعلى هذا فمشروع الدولة الإيرانية كما وضعه الخميني، يضع حجر الأساس لقيام دولة عالمية تستند إلى أسس إسلامية، بل إنه يحصر هذه الأسس الإسلامية في المذهب الشيعي الإثنا عشري وأصوله الثابتة، ويربطها بالطموحات الشيعية التي يقودها ظهور المهدي المنتظر لقيادة هذه الحكومة العالمية، يقول الزعيم آية الله خامنئي: "إن راية عزة الإسلام والقرآن أصبحت في أيدي شعب إيران المسلم الشيعي، وإن مصدر هذه العزة هو الاعتقاد بالمهدي الموعود. (صحيفة جمهوري إسلامي في 9/1/1996م).
ويؤكد المشروع أن دلائله تأتي من القرآن وتصريحات أئمة الشيعة، يقول الزعيم خامنئي: "إن آيات القرآن الكريم وأحاديث الأئمة المعصومين تؤكد حتمية ظهور الحكومة العالمية للإسلام بزعامة حضرة ولي العصر، وسوف تقوم هذه الحكومة لرسم مستقبل مشرق لمحرومي العالم، إننا نعتقد ونؤمن بهذه الحكومة، وهذا المستقبل المشرق، ونعتبر أن المهدي المنتظر هو عامل إيجاد هذه الحكومة، وإن الخصائص الإجمالية لهذه الحكومة واضحة لنا تماما، وأننا نعد أنفسنا لوجودها، ونعتقد أنه ينبغي أن تكون حركتنا بإلهام من مثل هذه المثل سعيا لقيامها وتحققها (صحيفة كيهان في 11/4/1987م).
ومن ثم فإن مشروع الدولة في انطلاقه من المحلية إلى العالمية يعمم الهدف، فلا يحصره في الشيعة، وإنما يجعله لكل المسلمين، يقول الزعيم خامنئي: "إن المهدي الموعود ليس خاصا بالشيعة، بل إن جميع الأديان والمذاهب تعتقد أن هناك مخلصا يكون يد الله القادرة، وسوف يأتي في مرحلة من التاريخ، وسوف يحقق العزة في خلاص البشر من الظلم والجور، لكن الفرق بين الشيعة وغيرهم في هذا الاعتقاد أننا نعظم هذا الشخص، ونعرف اسمه وتاريخ ميلاده، وأمه وآباءه، وقضاياه، لكن الآخرين لا يعلمون، إن الشيعة هم أفضل من يستشعر حضور إمام الزمان في كل لحظة وزمان. (صحيفة جمهوري إسلامي في 9/1/1996م).
ووضع الخميني ضمن مشروع الدولة الإيرانية وحدة المسلمين، يقول آية الله خامنئي: "إن وحدة المسلمين أصبحت واجبا وعملا دينيا وحركة سياسية، ونحن باعتبارنا مسئولين في جمهورية إيران الإسلامية نحمل على أكتافنا مسئولية الدفاع عن تطبيق الإسلام والقرآن في واقع حياة الإنسان، ونرفع شعار محاربة أعداء الإسلام بالروح والدم، ونعتبر أنفسنا مضحين من أجله" (كيهان في 7/5/1984م).
ويستتبع ذلك مناصرة المستضعفين ومحاربة المستكبرين كهدف آخر للمشروع، يقول آية الله إمامي كاشاني إمام الجمعة في طهران: إن نظام الجمهورية الإسلامية يكافح ضد عالم الاستكبار ويناصر عالم المستضعفين، فينبغي أن يكون سلوكنا كسلوك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كان يصطدم بشدة مع استكبار بني أمية، وكان بحرا من الرحمة والرفعة في معاملته للأيتام والمستضعفين (صحيفة إطلاعات في 12/4/1986م).
ويقول آية الله مرتضى مطهري أحد منظري الجمهورية الإسلامية: انتظار ظهور المهدي الموعود انتظار بناء؛ لأننا نعتبر ظهور المهدي حلقة من سلسلة كفاح أهل الحق ضد أهل الباطن، والتي تنتهي بانتصار أهل الحق، وهنا يكون المهدي منة للمستضعفين، وبشرى لهم للقيادة وخلافة الله في الأرض، ويكون ظهوره تحقيقا لمبادئ جميع الأنبياء والأولياء والمناضلين في سبيل الحق. (الانتظار البناء والانتظار المخرب: كيهان في 16/10/1374هـ.ش.).
ويقول آية الله محمد يزدي رئيس السلطة القضائية السابق: إن الغيبة ليس معناها الانقطاع، فإمام الزمان يساعد نائبه، أي الشخص الذي يعهد إليه بمسئولية قيادة الناس (صحيفة كيهان في 29/1/1994م). ويقول آية الله جوادي آملي أحد مراجع الحوزة الدينية في قم: إن المعنى الحقيقي لانتظار ظهور حضرة المهدي هو تملك فكر مستعد في كل الأمور، وينبغي أن يسعى أتباعه بالإيثار والفدائية لتهيئة المجال لظهوره، حتى تسود مع ظهوره العدالة في جميع أرجاء العالم. (صحيفة كيهان في 29/1/1994م).
الحكومة الدينية في إطار شيعي
لقد كانت الإمامة هي النقطة الفارقة بين الحكومة المدنية والحكومة الإسلامية عند الشيعة، فجعل الشيعة الإمامة التي تختلف اختلافا كاملا مع الخلافة، أساس نظرية الحكم الديني؛ لأنها تكون بالتعيين وليست بالشورى أو البيعة، وتأكيدا من الشيعة على سمو الأمة الإسلامية أكدوا على سمو من يتولى شئونها، وألا يترك للمؤامرات السياسية، ووجدوا في الإمام علي النموذج الأوفى للحاكم المسلم، فابتكروا قصة تعيينه من خلال الوحي في واقعة غدير خم، ثم أكدوا على الجانب الوراثي فيه تحت شعار الولاية التكوينية؛ نظرا لثقل المهمة الملقاة على عاتقه بقيادة خير أمة أخرجت للناس، وعمقوها بالجانب الاجتهادي المتمثل في الولاية الاعتبارية، ونموذج الاستشهاد الحسيني من أجل الحكومة الدينية.
وقد تبنى الشيعة في كل العصور نظرية الحكم الديني، وطبقوها عمليا في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، كان أبرزها الخلافة الفاطمية في مصر، والدولة الصفوية، والجمهورية الإسلامية في إيران، حيث كان لكل منها إضافات على النظرية تتناسب مع طبيعة المكان والزمان والظروف، إلا أنها اتفقت جميعا على أسس النظرية، فكان واضحا في كل منها جانب القيادة الدينية، ومواصفات الحاكم وصلاحياته، ومؤسسات الدولة التي تقوم على المزج بين الدين والسياسة.
ولم يكتف الشيعة باعتماد المذهب الشيعي إطارا للحكومة الدينية، بل أسسوا مدرسة لاستمرار هذه الحكومة، تحولت إلى مؤسسة دينية تتمثل في الحوزات العلمية، سواء في الأزهر أو النجف أو أصفهان أو قم أو جبل عامل، مع غيبة الإمام وانتهاء عصر الأوصياء والأقطاب والأبدال، وبداية عصر الفقهاء، يقول الخميني: أنقذوا القرآن الكريم من شر الجهلاء المتنسكين، والعلماء المتهتكين الذي أغاروا عن علم وعمد على القرآن والإسلام. (صحيفة كيهان في 7/8/1986م)
كانت شروط النظرية في الحاكم هي الولاية التكوينية إلى جانب الاجتهاد والالتزام، ثم أصبحت الأعلمية والأعدلية والمقبولية من الجماهير، وتم التنازل عن عدد من الشروط المتعلقة بالإمامة التكوينية مثل: العصمة والوراثة، وأصبح التعيين من خلال الفقهاء، مع الإبقاء على صلاحيات الجمع بين القيادة الدينية والقيادة السياسية، مع حقوق معينة للحاكم مثل حق الخمس أو الأنفال (الذي أسقطه الحكم المدني للصحابة)، وحق الحكم مدى الحياة ما دام لا يتعرض لعائق يمنعه من أداء مسئولياته كمرض عضال أو جنون، والتقية في ممارسة السياسة الخارجية، باعتبارها من أصول مذهبهم.
وقد قطع الشيعة خلال تاريخهم الطويل شوطا طويلا في العمل السياسي، وكان خلط ولاية الفقيه بين العبادة والسياسة ناتجا من هذه الخبرة في دعم نظرية الحكم الديني، إلى الدرجة التي صار معها للفرائض الإسلامية وجهان: أحدهما عبادي، والآخر سياسي.
ورغم ما أشيع عن النظرية من اتجاه للعنف، واتخاذ الجهاد والمقاومة فريضة خامسة، فقد كان لهذا تبريره في أن الشيعة يتبنون الثورة الإسلامية لإقرار نموذج إسلامي في السياسة والحكم، باعتبار أن الإسلام قد افتقد الحركة الثورية التي يتميز بها، والإيجابية العملية التي تدفع المسلمين إلى التقدم، وأن الالتفاف حول آل بيت الرسول يحقق وحدة المسلمين، وأن دمج السياسة في العبادة يحقق رؤية أشمل للكون وفكرا أرحب للعبادة، وتنفيذا عمليا لخلافة الله في الأرض والتعامل مع المستجدات بدافع عقائدي.
كما أن أحد أهداف الحكومة الدينية التطلع إلى عودة الإمام الغائب محمد المهدي؛ لذلك فإن إقامة الحكومة العالمية للإسلام أمر يدخل في العقيدة، ويكون دورها التمهيد لعودة المهدي المنتظر، فصارت عناصر القوة في هذه النظرية عناصر تدخل في باب الفرض والواجب، وليس من باب التطوع أو النافلة.
فكرة المصلحة.. مبدأ ديني
والحكومة الدينية لا تعتقد في مبدأ التسوية الديني، باعتبار أن الاختلاف آية من آيات الله، يقول المؤرخ حسين علي ممتحن: إن ابن قتيبة قد وقع في التناقض والشك عندما اعتبر جميع الشعوب والأقوام على وجه الأرض متساوين، ودافع عن آراء وعقائد أهل التسوية (رازبقاي تمدن إيران ص 128 ط. طهران 2535 شاهنشاهي)، ومن هنا يعتقد الشيعة أنهم متميزون بما يختصون به من مزايا، ويقسمون الناس إلى فئات، وربما طبقات، يعتبرون أنفسهم الصفوة من بينهم، ورغم ذلك فهم مظلومون؛ لأنهم لم ينالوا حقهم من التقدير، ولم يأخذوا فرصتهم في قيادة العالم الإسلامي، ومن ثم فإن الحكومة الدينية تصحح هذه الأوضاع، وتضع النقاط فوق الحروف، وتنتصف للشيعة، وتحقق العدالة الإسلامية.
وتدخل فكرة المصلحة كمبدأ ديني عند الشيعة في نظرية الحكم الديني؛ لأنها تتفق مع مبدأ "التولي والتبري" الإسلاميين، وتؤدي إلى تمدد في حجم العلاقات بين هذه الحكومة والدول الأخرى، بل إنها تجعل العلاقات مع الدول غير الصديقة في منزلة بين المنزلتين، حسب تعبير فرقة المعتزلة التي تتجاوب النظرية مع فكرها، حيث تتسع وتنكمش حسبما تحدده المصالح المشتركة.
واستفادت النظرية مما تركته نظرية الحكومة المدنية، فحاولت ملأ الفراغ بدلا منها، وهي عناصر قوة، وقدرة على الحركة والتكيف، وقيم أثبتت قدرتها على الصمود في وجه المشاكل مثل الاجتهاد الفقهي، وهو صمام أمان الاعتدال وعدم التطرف والمحافظة على الوسطية والوحدة، والاستفادة من المناسبات الشيعية، خاصة الحزينة منها، حيث قتل معظم أئمة الشيعة، مثل مناسبة عاشوراء ذكرى استشهاد الإمام الحسين في كربلاء.
وهذا كله يدخل في إستراتيجية حركة الحكومة الدينية، يقول الخميني: اعملوا اليوم على أن توجد موجة حزينة تتعلق بالحكومة حتى توجد موجة عارمة لدى الناس، فيكون الجميع غير راضين وغير مرتاحين. (حكومت إسلامي ص. 158).
أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس- القاهرة.
|