|
عمان - المشهد في العاصمة الأردنية عمان كان مختلفا الساعة 11.50 مساء يوم السبت 18 أكتوبر 2008، أي قبل عشر دقائق من انقضاء اليوم، واستقبال يوم جديد.. السيارات مصطفة بكثرة أمام محطات الوقود لتكسر حالة الهدوء المميزة للشارع، في مدينة تغلق محلاتها التجارية أبوابها الساعة العاشرة مساء على أقصى تقدير.
لم يكن من الصعب الوصول إلى تفسير لهذا المشهد الغريب؛ فقد كانت الإجابة هي "مانشتات" كل الصحف الأردنية الصادرة في اليوم التالي والتي حملت أنباء عن تخفيض أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 10.6% و15.4% ابتداء من يوم الأحد، وهو ما يعني أن السيارات المصطفة بالشوارع أخرت تزودها بالوقود لعشر دقائق لتستفد من التخفيض منذ أول دقيقة لإقراره.
وكانت الحكومة قد أعلنت عن سياسة جديدة في تسعير المحروقات تقوم على إقرار سعر جديد كل أسبوعين، ليتماشى مع السعر العالمي صعودا وهبوطا، والذي بدا متذبذبا منذ انفجار الأزمة المالية العالمية.
وفي وقت يتحدث فيه العالم عن سلبيات الأزمة المالية، تركت هذه الخطوة انطباعا إيجابيا عنها لدى المواطن الأردني الذي جرت على لسانه عبارة: "مصائب قوم عند قوم فوائد"، إلا أنهم طالبوا بألا يقتصر الأمر على الوقود الذي يستفيد منه شريحة ذوي الدخول المرتفعة من مالكي السيارات، مطالبين بضرورة أن تنعكس على أسعار السلع والخدمات، وهو الأمر الذي يعني فئة محدودي الدخل المكونة لغالبية الشعب الأردني.
النقل والغذاء
وأوضح محمد توفيق "مدرس" أنها ليست المرة الأولى التي ينخفض فيها سعر الوقود، إلا أن ذلك لم ينعكس على أسعار وسائل النقل والمواصلات، وقال: "ليس من المقبول أن يستفيد أصحاب هذه الوسائل من انخفاض أسعار البنزين، ويبقوا على أسعار النقل والمواصلات كما هي!"، وطالب خالد الشوبكي "موظف بإحدى المصالح الحكومية" بأن ينعكس الانخفاض على أسعار السلع الغذائية، مضيفا: "إذا ارتفعت أسعار المحروقات تخرج الحكومة لتقول إن ارتفاع أسعار الغذاء جاء نتيجة لذلك، فليس من المقبول أن تظل الأسعار كما هي رغم الانخفاض".
وفي مقاله بجريدة "العرب اليوم" الأردنية الصادرة يوم الأحد 19 أكتوبر 2008 عبر الكاتب الاقتصادي سلامة الدرعاوي عن هذه المطالب، مؤكدا على ضرورة أن تأخذ الحكومة إجراءات من شأنها إجبار القطاع الخاص على الالتزام بعكس انخفاض أسعار المحروقات على الأسعار محليا، وقال: "ليس من المعقول أن تكون الحكومة هي الجهة الوحيدة الملتزمة بتخفيض الأسعار، ونقل ما يحدث في الأسواق العالمية على الصعيد الداخلي، في حين يبقى القطاع الخاص متحجرا لا يحرك ساكنا تجاه تغيرات الأسواق، وكأنه لا يعيش في اقتصاد السوق الحر".
أعفاءات المواد التموينية
وفي أول رد فعل سريع على هذه المطالب، شدد وزير المالية د.حمد الكسابة وزير المالية على ضرورة انعكاس انخفاض أسعار المحروقات على الأسعار محليا، وقال في تصريحات نشرتها الصحف الأردنية الصادرة يوم الأحد 19 أكتوبر إن وزارته ستجري دراسة للتأكد من حدوث انخفاضات بالأسعار محليا نتيجة انخفاض أسعار المحروقات، وهدد أنه في حالة عدم التخفيض ستقوم الحكومة بإعادة النظر في الإعفاءات الممنوحة لـ 45 سلعة غذائية والتي تكلف خزينة الدولة 100 مليون دينار.
ومن جانبه، وعد نقيب تجار المواد الغذائية خليل الحاج توفيق بأن يشعر المواطن بانعكاس انخفاضات أسعار المحروقات والسلع الغذائية بالسوق العالمي على الأسعار محليا، واعدا في نفس التصريحات بأن يشهد السوق الأردني سلسلة من الانخفاضات بالأسعار.
الأيام السمان
وعلى الرغم من أن شعور المواطن الأردني بإيجابيات الأزمة مرهون بتنفيذ د.الكسابة وخليل الحاج بالوعد الذي قطعاه، إلا أن بارقة الأمل التي منحتها خطوة تخفيض أسعار المحروقات سرقتها آراء بعض الخبراء عبر التأكيد في ندوة نظمها مركز الدراسات المستقبلية بجامعة فيلادفيا بالأردن يوم السبت 18 أكتوبر أن الأزمة سيكون لها تداعيات متأخرة على السوق الأردنية، ورهنوا هذه التداعيات بتوقعات انخفاض مستوى المساعدات الخارجية، وتراجع الطلب على الصادرات الوطنية لأمريكا نتيجة انخفاض الطلب في أكبر الأسواق الاستهلاكية.
ويبدو المواطن الأردني غير عابئ بهذه التوقعات المنطقية، ولا يعنيه حاليا سوى تنفيذ د.الكسابة وخليل الحاج لوعدهما، فهل يتحقق ذلك ليعيش المواطن أياما سمانا، قبل أن تأتي الأيام العجاف التي توقعها الخبراء؟ هذا ما ستسفر عنه الأيام المقبلة .
محرر بصفحة نماء، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com
|