English

 

الاثنين. أكتوبر. 20, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أمريكا الشمالية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الولايات المتحدة.. قصة إمبراطورية بنيت على الديون

د. صلاح عبد الكريم

Image
إمبراطورية الديون.. هل حان وقت الأفول؟
لكي نفهم أبعاد هذه الأزمة، وما إذا كانت كما يقول كثير من الخبراء، إرهاصة انهيار وشيك للنظام المالي والاقتصادي العالمي، أو على الأقل نهاية للريادة الأمريكية المالية والاقتصادية على العالم، فإنه يتعين علينا أن ننظر إلى الأسس والقيم التي بني عليها هذا النظام، لنحكم بأنفسنا على حقيقة هذه الأزمة، وكيفية الخروج منها لصالحنا ولصالح البشرية.

ومنذ حدوث الأزمة، بل وحتى قبل ظهور إرهاصاتها، تحدث كثير من خبراء الاقتصاد عنها، شارحين ومحذرين ومقترحين للحلول، لكن الغالب على أحاديثهم ودراساتهم وحلولهم كان النظر إلى الأزمة من داخل سياق علوم الاقتصاد الغربية، مهتدين بالأصول النظرية للفكر الاقتصادي الغربي.

 وهم لهذا السبب (من وجهة نظري) لا يسهمون في إيجاد حلول حقيقية لهذه الأزمة، ولا في إخراج الناس من حيرتهم.

وإذا فكر الجميع من داخل القفص الحديدي الذي تجد البشرية نفسها فيه رهينة هذا النظام المالي الاقتصادي الذي وضعته الحضارة المادية الغربية، فليس هناك مخرج لا من هذه الأزمة ولا من القفص الحديدي.

ونحن لهذا، عند تناولنا لهذه الأزمة، ننطلق بالضرورة من منطلقات مختلفة؛ لأننا لو انطلقنا من نفس المنطلقات، فستصيبنا الحيرة التي أصابت الجميع.

يأنف بعض الناس من أن يتم التذكير بحقيقة أن الله عز وجل توعد المتعاملين بالربا بحرب منه، آذنهم بها وحذرهم منها. والعقل يحار في وصف آخر مناسب للشرور التي حاقت بالعالم، وتحير الحليم من جراء النظام المالي الحديث.

اقرأ في هذا الموضوع:

أولا: الهيمنة الأمريكية من خلال التمويل والديون

في النظام النقدي الحديث الذي تفتقت عنه قريحة الحضارة المادية، لا يتم خلق النقود إلا إذا اقترضها أحدهم.

نحن جميعا نتعامل بنقود محملة بديون تدفع عنها فوائد هي الربا في أبشع صوره؛ لأن الربا القديم كان يحصل على نقود حقيقية يأخذها المقترض من المرابي، ولكن النقود الحديثة تنتقل إلى حيز الوجود حال اقتراضها.

فالربا هنا يعني تحصيل إتاوة على لا شيء، فقد أصبح الربا أمرا مؤسسيا في إطار هذا النظام.

نظام نقدي يقوم على الديون!

ويعود أصل رأس المال الذي يسعى لتوليد المزيد من نفسه دون أن يقدم أية سلعة حياتية أو خدمية إلى الربا، ولكن لم يحدث في التاريخ البشري من قبل أن كان هذا الشكل هو النمط المسيطر على تنظيم الحياة الاجتماعية.

لقد حدث هذا عندما أصبح المال يدور في دوائر مغلقة بين استثمار المال وتوليد الأرباح بحيث أصبح في كل مرحلة من نموه يرتبط بهدف واحد، هو مضاعفة نفسه، ولم يعد هناك الآن أي التزام لرأس المال تجاه أي نظام اجتماعي على وجه الأرض.

فالأموال تتحرك بحرية وتتزايد وتدخل إلى البلدان كلها وتخرج منها، ليس بغرض دعم الحياة الاجتماعية في الدول المضيفة، بل على النقيض، وحتى الموارد وأشكال الحماية القانونية والسياسية يتم توجيهها لزيادة انتشار هذا السرطان الرأسمالي.

العجيب هنا هو أن الجميع مدينون وبلا استثناء! الأغنياء، سواء أكانوا رجال أعمال أم شركات كبرى أم حكومات دول كبرى وعظمى، بل إن الدولة العظمى الوحيدة هي أيضا في نفس الوقت الدولة المدينة العظمى! لقد استعصى على فهمي أن الجميع مدينون، وبلا استثناء.. الجميع.

من هو الدائن إذن لكل سكان الكرة الأرضية؟ والحكمة الريفية التي تعلمناها من أجدادنا ويعرفها الجميع هي أن الدين ذل. من هنا يذل من؟.

إن كل دول العالم، وكل المؤسسات الصناعية الكبرى في العالم تقريبا، ومعظم سكان الدول الصناعية مدينين إلى الجهات التي تصدر النقود، أي البنوك المركزية والبنوك الخاصة والبنوك التجارية... إلخ، إن نظام البنوك الحالي يخلق سلسلة لا تنتهي من الديون والقروض.

إننا نعيش في عصر النقود المحملة بالديون، وكل المحتوى النقدي سوف يتلاشى إذا حدث أن تم سداد جميع الديون والقروض البنكية.

 وبموجب النظام الحالي، فلن يسمح بأي تقليص خطير سواء في الدين القومي أو في ديون الأفراد، وهذا الأمر يتم إخفاءه عن الجميع! لقد كان من الطبيعي أن تكون آلية إيجاد النقود على رأس الموضوعات الأساسية في مناهج المال والاقتصاد الجامعية؛ وذلك لأهميتها الشديدة في فهم الاقتصاد، ولكن هذا لا يحدث للأسف، راجع بنفسك تلك المناهج لتتأكد مما أقول.

نظام مملوك لأفراد يدار بغرض الربح

 الصدمة المالية تجتاح الأسواق العالمية

إذا كان كلامي هذا يصيبك بالحيرة فاصبر، فسوف تزداد حيرتك كما ازدادت حيرتي عندما علمت  أن النظام البنكي الغربي كله وفي ذلك البنوك المركزية وعلى رأسها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (وهم الذين يصدرون العملات النقدية ويحددون معدل الفائدة على القروض) كلها مملوكة ملكية خاصة لأفراد يمثلون منذ نشأة الحضارة الغربية النخب المتنفذة.

والنخب المتنفذة هي خليط وتكتل من رجال المال والبنوك والساسة والملوك والأسر الحاكمة وكبار رجال الصناعة وكبار القادة وبعض كبار العلماء، وهي تدير البنوك المركزية والبنوك والمؤسسات المالية كأي مؤسسات تجارية خاصة أخرى؛ بغرض تحقيق الربح.

إن النخب تستخدم النقود لتحقيق سيطرتها على الأمور، فمن خلال إصدار النقود التي يتعامل بها الجميع، وتحديد سعر الفائدة، وتحديد كمية النقود المطروحة للتداول وتغيير متطلبات ما يسمى بالاحتياطي النقدي الجزئي في البنوك (أي نسبة الودائع إلى القروض الممنوحة)، تتقلب المجتمعات الإنسانية فيما يسمى بالدورات الاقتصادية بين التضخم والكساد.

وإذا أوجدت البنوك كميات كبيرة من هذا النقد المصطنع فسنكون في رخاء وازدهار؛ وإذا لم يحدث هذا، فسوف نفقد القدرة على التعامل والتبادل مع بعضنا البعض ويعم الكساد. وكلما أوجدت البنوك كميات متزايدة من هذا النقد المحمل بالفائدة، كلما زاد المحتوى النقدي في المجتمع وزاد التضخم وتآكلت القوة الشرائية للنقود، في نوع عجيب من الضرائب العصرية.

وعندما يحاول عدد كبير من الناس استخدام ثرواتهم النقدية في نفس الوقت، أو يحاولوا التخلص مما يسمى بالأصول المالية مثل الأسهم والسندات وغيرها، فإن هذه الثروة النقدية تفقد قيمتها والثقة فيها وتنهار، وتختفي ببساطة؛ لأنها لم تكن موجودة في المقام الأول على الإطلاق.

إن نمو هذه الثروة النقدية وتبادلها وهذا التمدد والانكماش في المحتوى النقدي، في قلب الأسباب التي أدت إلى ما يسمى بالدورة الاقتصادية بين ازدهار وكساد وهو أساس بنية الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي الهشة.

بل إن الحملة الأمريكية الجديدة للهيمنة على العالم تعتبر فرصة كبيرة لمزيد من الإنفاقات (أي الديون) ولمزيد من الأرباح البنكية ولمزيد من تضخم الدولار بالطبع، أي أن جميع مستخدمي الدولار في جميع أنحاء العالم هم في حقيقة الأمر الممولون الحقيقيون للإمبراطورية الأمريكية الجديدة السافرة من خلال الضرائب المفروضة على الدولار عن طريق التضخم.

ولكن إلى متى يمكن أن يدوم النظام المالي الحالي لهذه النقود الغريبة؟ إن الاقتصاد الأمريكي العملاق غارق الآن في القروض مثله في ذلك مثل بقية العالم، وقطع الدومينو واقفة في وضع الاستعداد لكي تتساقط، وأي حدث يقلص من المحتوى النقدي أو يقلل من الثقة في الدولار، سوف يكشف العيوب المتأصلة في هذا النظام المبني على القروض.

إن صروحا مالية هائلة تنهار الآن في لمح البصر، أو يتم شراؤها بالملاليم بواسطة مؤسسات أخرى الله وحده يعلم عمق مشاكلها.

هل هذه نهاية النظام المالي للرأسمالية الصناعية كما يقولون؟ وهل هذه نهاية الريادة الاقتصادية العالمية للولايات المتحدة؟ وإذا كان هذا صحيحا، فهل ستنزوي كقوة عظمى بهدوء كما فعل الاتحاد السوفيتي؟ أم أننا على أعتاب مرحلة جديدة من عدم الاستقرار العالمي يمكن أن تؤدي إلى حروب لا يعلم مداها إلا الله؟.

اضمحلال الهيمنة.. تمويل وقروض وعجز

خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب العالمية الثانية بأقوى اقتصاد في العالم، حيث كان إنتاجها الصناعي عام 1945 أكثر من ضعف الإنتاج السنوي لدول أوروبا واليابان مجتمعة، ولديها 65% من احتياطي الذهب العالمي.

وحلت البنوك والمؤسسات المالية الأمريكية محل مؤسسات مدينة لندن كمصادر للتمويل العالمي (مثلما حدث في مشروع مارشال لتمويل إعادة بناء أوروبا بعد دمار الحرب العالمية الثانية).

وتم فرض السيطرة الاقتصادية الأمريكية على العالم من خلال جعل الدولار هو العملة العالمية التي تستخدم في معظم التبادل التجاري، بحيث يتم تسعير السلع به وجعله عملة الاحتياطي العالمي مع التزام أمريكا بتحويله للذهب بسعر متفق عليه، وفرض احترام هذا النظام بالقوة العسكرية.

وكانت الخطة تستلزم إنشاء ما يسمى بمنظمات اتفاقية بريتون وودز وهي صندوق النقد والبنك الدولي (أضيفت لهما فيما بعد اتفاقيات الجات ومنظمة التجارة العالمية)؛ لتكون أدوات الإمبراطورية الأمريكية غير السافرة المرتكزة على الائتمان والتمويل؛ لأن مطابع الدولار الذي يحتاجه الجميع لشراء السلع موجودة في أمريكا.

اضطرت أمريكا إلى الدخول في حروب إقليمية متعددة للمحافظة على هذه السيطرة أدت إلى عسكرة الاقتصاد الصناعي الأمريكي بالتدريج على حساب تطوير الاقتصاد الصناعي المدني.

وهكذا بدأت السيطرة الاقتصادية الأمريكية في التدهور في النصف الثاني من الخمسينيات، بعد أن تعافت اقتصاديات كثير من دول الحلفاء مثل ألمانيا واليابان، بل وبعض الدول النامية، وأصبحت منتجاتهم تنافس الصناعة الأمريكية في عقر دارها بسبب التجارة الحرة، حتى أصبحت السوق الاستهلاكية الأمريكية لا غنى عنها للجميع، وأصبحت الريادة الأمريكية ومكانة الدولار في خطر، وكان لابد من وضع حد لهذا.

وهكذا تم في عام 1971 إلغاء إمكانية تحويل الدولار إلى ذهب، كما تم زيادة أسعار البترول أربعة أضعاف، واستخدام فوائضه في إقراض الدول النامية المستهلكة له (للوفاء بالزيادة في أسعاره، كنوع من الإتاوة)، والإيقاع بها في فخ الديون المتوالدة، مما نتج عنه وأد نموها والتخلص من خطرها.

ولم يكن أمام الدول الصناعية ذات الفوائض الدولارية إلا ثلاثة بدائل: إما أن توجد سوقا بديلة لسوق أمريكا؛ وهذا غير ممكن، أو تـعرض اقتصادها للانكماش بالتوقف عن التصدير للسوق الأمريكي، أو أن تستثمر فوائضها في أمريكا في صورة سندات الخزانة الأمريكية.

أدرك صناع السياسة أنه يمكن لأمريكا أن تحتفظ بازدهارها وريادة الدولار للأسواق المالية بإحداث عجز في الميزان التجاري بينها وبين الدول الصناعية، وإرغامها على تحويل فوائضها إلى سندات الخزانة الأمريكية إن أرادت التصدير للسوق الأمريكي، عن طريق جعلها معتمدة على الحماية الأمريكية مع التلويح دائما بنزع درع الحماية النووية.

وهكذا، وبعد اضمحلال تفوق الاقتصاد الأمريكي الصناعي التقليدي، تحولت السياسة الأمريكية من كون أمريكا الممول الرئيس للعالم إلى كونها المدينة الأكبر في العالم.

وحلت المؤسسات المالية الأمريكية في نيويورك (المتعاملة في السندات الأمريكية وغيرها من أدوات استثمار الفوائض التجارية للدول الأخرى في الأسواق المالية الأمريكية) بالتدريج محل المراكز الصناعية الأمريكية الكبرى كأكبر نشاط اقتصادي أمريكي.

كان هذا يعني في الواقع إصدار المزيد من الدولارات لتغطية العجز التجاري والنفقات الأمريكية بدون زيادة في الإنتاج الأمريكي.

وكان يعني أيضا حدوث التضخم وتهاوي قيمة الدولار؛ ولأن أمريكا هي القوة الوحيدة، اضطر العالم إلى الاستمرار في قبول الدولار المتضخم ذو القيمة المتهاوية كأداة للمقايضة على السلع ودفع قيمتها، واستمر الجميع في السعي للحصول على الدولارات.

واستمر الأمر على هذا الحال حتى عام 1979 عندما بدأت ألمانيا واليابان وحتى السعودية في التخلص من سندات الخزانة الأمريكية لتدني ثقتهم فيها ولانخفاض عائدها. واضطر محافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي لمضاعفة الفائدة في أكتوبر 1979 ثلاثة أضعاف (إلى حوالي 21%) لإغراء الدول للاحتفاظ بسندات الخزانة، وكان الهدف هو إنقاذ الدولار كعملة للاحتياطي العالمي من الانهيار مهما كان الثمن.

وأدى هذا إلى ارتفاع قيمة الدولار أمام كل العملات الرئيسة الأخرى، وإلى جعل المنتجات الأمريكية باهظة الأسعار في الأسواق العالمية، وتسبب في تدهور الصادرات الأمريكية وإلى ركود حركة بناء العقارات وانهيار صناعة السيارات والصلب، ودفع الصناعة الأمريكية إلى الانتقال خارج أمريكا بحثا عن تكلفة أقل للتمويل والأصول والعمالة، لقد تم إنقاذ الدولار على حساب الاقتصاد الأمريكي.

وأصبحت أمريكا ترغم الجميع على استثمار فوائضهم التجارية فيها بمعدل يقترب حاليا من 2 بليون دولار يوميا. وما دام أن هناك عجزا في الموازنة الأمريكية، فهناك أذون خزانة للجميع.

التنشيط عبر الفقاعات الاستهلاكية

 

هل يفقد الدولار مكانته العالمية؟

كان هذا يعني أيضا استمرار تدهور الاقتصاد الأمريكي المحلي والصناعة الأمريكية، واستمرار انتقالها إلى حيث التكلفة الأقل.

وتحولت مراكز التسوق إلى قاطرة الاقتصاد بدلا من المراكز الصناعية، وحيث إن هذا التدهور، بالإضافة إلى التضخم وتهاوي القوة الشرائية للدولار، كان يضعف مجتمع الاستهلاك الأمريكي وقدرته الفعلية على الاستهلاك، فقد كان من الضروري دفع الاستهلاك ولو بوسائل مصطنعة.

وهكذا، كان يتم خلق الفقاعات الاستهلاكية وفقاعات الثروة المصطنعة؛ لامتصاص السيولة الزائدة في المجتمع جراء التضخم وزيادة المحتوى النقدي في الاقتصاد من ناحية، وللمحافظة على دوران الاقتصاد الأمريكي المحلي من ناحية أخرى، وللإبقاء على آلية إحداث العجز في الميزان التجاري الفيدرالي الذي يحفظ الريادة العالمية للدولار والسيطرة العالمية من ناحية ثالثة.

ومع زيادة الأسهم والسندات الأمريكية في أيدي الجميع، زادت أنشطة تداولها، ونشطت الأسواق المالية الأمريكية في المضاربات فيها بكل أنواع المضاربات.

لقد كان من الأعمال المكملة لإستراتيجية إدامة الهيمنة الأمريكية، أن يتم تنشيط المؤسسات المالية الأمريكية ودعمها وحمايتها وفتح الطريق أمامها، للاشتباك في معاملات ومضاربات مالية تحاول بها ضرب المنافسين، واستعادة ما يمكن من الفوائض الدولارية من أيدي الآخرين، وابتكار الأدوات المالية التي تمكنها من ذلك.

وهكذا تحول الاقتصاد الأمريكي بالتدريج إلي هرم من السندات والمضاربات، وكانت أنواع السندات والمضاربات دائمة التطور، ولكنها كانت دائما بمعزل عن أي نشاط إنتاجي في الاقتصاد الحقيقي بصورة متزايدة.

ظهرت منذ منتصف السبعينيات أدوات مالية جديدة للمضاربة والمراهنة على قيم الأسهم والسندات والعقود والعملات. وشهدنا رفعا للضوابط المالية والقوانين المنظمة وأجهزة المراقبة، وتطورات كبيرة في الاتصالات والحاسبات الآلية ساهمت كلها في خلق نظام مالي دولي شديد التداخل.

وزادت معدلات تلك المراهنات حتى أصبحت الآن تقدر بحوالي 590 تريليون دولار أمريكي (وهو يساوي 15 ضعفا للاقتصاد العالمي كله) مما ساهم في تعقيد وعدم استقرار النظام المالي الدولي. ومع تطور الحواسب الآلية، تم وضع البرامج والمعادلات الرياضية المعقدة التي تضع في حسابها كل المتغيرات، ويستطيع الحاسب الآلي عن طريقها تحديد وتنفيذ عمليات البيع والمضاربة بصورة لحظية لتحقيق أقصى ربح، بل واعتقدوا أنهم نجحوا عن طريق برامجهم في خلق شفاط آلي هائل يكنس الأرباح من كل الأسواق المالية في العالم، مثلما حدث مع شركة (Long Term Capital Management-LTCM) وقد أصبحت تلك المضاربات من التعقيد بحيث قيل عنها إنها تعتبر من أسلحة الدمار المالي الشامل.

وهذا الوضع جعل الاقتصاد الأمريكي اقتصادا استهلاكيا يعتمد على الواردات من الدول الأخرى حتى بلغ العجز في الميزان التجاري الأمريكي عام 2007 أكثر من 700 بليون دولار.

وزاد الكساد الذي تعانيه أمريكا، وتقلصت العمالة الصناعية بسبب التجارة الحرة وانتقال المصانع إلى الخارج، ولجأت الأسر إلى الاقتراض لتوفير ضروريات الحياة، ومع ثبات الرواتب منذ عام 2000 فإن المصدر الوحيد للأموال التي تم ضخها في الاقتصاد الاستهلاكي في هذه الفترة كان من أرباح التضخم في أسعار العقارات، ذلك السوق الذي يتهاوي حاليا.

آلية استعادة الفوائض الدولارية من الآخرين

حاولت تلك المؤسسات المالية الأمريكية الكبرى عن طريق المضاربة فيما بينها في أسعار عقود البيع المستقبلية للبترول والمعادن والغذاء (التي تضاعفت فجأة بدون زيادة طفرية في الاستهلاك، أو نقص كبير في الإنتاج)، استعادة الفوائض الدولارية من أيدي الآخرين حماية للدولار المتدهور من الانهيار كعملة الاحتياطي العالمي (بعض الخبراء يقدرون أن حوالي من 60% إلى 70% من الزيادة التي حدثت في أسعار البترول حدثت نتيجة لهذه المضاربات)؛ مما أدى أيضا إلى تفاقم أزمة الاقتصاد الأمريكي.

 فمع ارتفاع تكلفة البترول والمعادن والمنتجات الزراعية، كان المتبقي في أيدي الناس للإنفاق على بقية مستلزمات الحياة والخدمات يقل باستمرار، وحيث إن هناك أشياء لا يمكن إلغاؤها مثل الرعاية الصحية والتعليم، فلابد أن يؤدي هذا إلى التعثر في سداد كل الأقساط.

وأصبح لدى الدول الأخرى ما يقترب من 9 تريليونات دولار في صورة ديون على الحكومة الأمريكية تتطلب فائدة سنوية تزيد عن 50 بليون دولار ناهيك عن سدادها، وأصبحت أمريكا تعيش على الاقتراض من الجميع، وكأن الجميع يعملون عندها مجانا، وليس أمامهم إلا الاستمرار في شراء أذون الخزانة والحصول على المزيد منها كفائدة سنوية، وتجديد المنتهي منها بأذون جديدة؛ لأن المقابل هو انهيار صادراتها أو ارتفاع قيمة عملتها أمام الدولار، وهو ما يعني أيضا انهيار صادراتها وحدوث انكماش اقتصادي بها، أي أن بلادا فقيرة مثل إندونيسيا تصدر رأس المال إلى أمريكا بدلا من العكس! والخزانة الأمريكية وبنك الاحتياطي الفيدرالي يدركون اضطرار العالم لشراء أذون الخزانة الأمريكية لمنع النظام النقدي العالمي من الانهيار.

 كما تم أيضا تطبيق حزمة من الإجراءات بهدف استعادة الفوائض الدولارية منها خفض قيمة الدولار بنسبة حوالي 40% على مدى عامين، وخفض الفائدة على أذون الخزانة الأمريكية حتى وصلت إلى 0.16%.

كما وصل الدين الداخلي العام والخاص في أمريكا إلى أكثر من 40 تريليون دولار بعد أن كان 7 تريليونات فقط عام 1985 حتى أنه ينمو بمعدل أكبر من إجمالي نمو الناتج القومي الأمريكي.

 وفي القلب من هذا الدين، الديون الخاصة بالمستهلكين (حيث بلغت الديون الشخصية لكل رجل وامرأة وطفل في أمريكا 37.5 ألف دولار في المتوسط تدفع عنها فوائد) والديون الخاصة بالرهن العقاري.

ثانيا: فقاعة الرهون العقارية والأزمة المالية الحالية

كان الاقتصاد الأمريكي في عام 2000/2001 يبدو كما لو كان ينمو أخيرا عقب ركود شديد، وعقب انهيار قدره 60% في البورصة. فبعد انتهاء مهمة فقاعة (dot.com) ، وتخليص الشعب الأمريكي من فائض السيولة المتوفرة لديه، وبداية من يناير 2001 قام جرينسبان بإجراء 12 تخفيض متتالي في سعر الفائدة حتى وصلت من 6% إلى 1% في يونيو 2003، كما تم إطلاق شركات الرهن العقاري التي استهدفت أساسا قطاع الفقراء والمهاجرين والمناطق الملونة لخلق فقاعة الرهون العقارية، وآلية خفض نسبة الفائدة على القروض هي الآلية المتبعة دائما لخلق الفقاعات الاستهلاكية.

ومع إقبال الناس على شراء المنازل، ارتفعت أسعارها. وشعر الجميع أنهم عثروا على كنز. وانطلق الجميع في الاستهلاك تحت شعارات مثل "هيا بنا نتسوق" أو "تسوق حتى تسقط من الإعياء" (Shop until you drop)، بحيث أصبح 76% من إجمالي الناتج القومي الأمريكي يتم في صورة إنفاقات استهلاكية، ومعظمه مرتبط بانتعاش السوق العقاري.

لقد تمكن بنك الاحتياطي الفيدرالي من إغراء الأسر الأمريكية لكي تستدين بمعدلات قياسية بخفض سعر الفائدة، وبالتلويح بحلم امتلاك منزل.
وعندما تشتري الأسر المنازل فإنها تحتاج إلى كثير من السلع الأخرى (مما ينمي الاقتصاد) تحصل عليها بمزيد من القروض بضمان منازلهم.

فقاعة الرهن العقاري.. تكتل عصابي متكامل

تحول سوق الائتمان الأمريكي بعد إلغاء الرقابة الحكومية إلى شبكة مترابطة وهائلة من التكتلات، وتم هذا بالدعم الكامل من جرينسبان وتواطؤ كل أجهزة الإدارات الأمريكية المتعاقبة. ولكي يتم حبك اللعبة، استلزم هذا تواطؤ أكبر شركات التقييم المالي في العالم (مودي وستاندرد أند بورز)، التي كانت تعطي تقييما مرتفعا لتلك السندات، وكذا شركات تأمين (11 شركة أسست خصيصا برءوس أموال متواضعة) لإصدار وثائق تأمين (بما قيمته 2.4 تريليون دولار) على سندات يعلمون أنها ليست مضمونة التحصيل، كخطوة لازمة لحبك اللعبة.

وكان تطور الفقاعة كما يلي:

- قامت البنوك بإقراض شركات الرهن العقاري التابعة التي قامت بدورها بعمل القروض للعامة والرهون العقارية الضامنة، ثم قامت بتكوين حزم (محافظ) من تلك القروض، وإصدار سندات ومراهنات بضمان تلك الديون وتدفقاتها، وبيعها بالجملة والقطاعي للجميع والحصول على رسوم وأرباح في كل خطوة، ثم قام الجميع بالمراهنة والمضاربة عليها في عمليات محشوة بالمعادلات الآلية وأعمال الحاسبات.

- وفي حماية التقييم المرتفع والتأمين الوهمي، تم توريق كل شيء من الأصول المرهونة إلى ديون القروض والعقارات المؤجرة والقروض العقارية السكنية وقروض الطلبة وديون بطاقات الائتمان، بل تم توريق ديون الدول النامية، وكان يتم تجميع هذه الأوراق المالية في حزم وبيعها في أسواق العالم.

- ولأن عملية التوريق هذه كانت معقدة جدا وتتم حسب معادلات يضعها علماء الرياضيات المتخصصون، فلم يكن هناك أحد يدرك تماما كنه عملية توزيع المخاطر، أو يدرك قيمة الضمان الموجود في قلب هذه الغابة المتشابكة من المراهنات، ومن هو المنتفع قانونا من هذا الضمان.

- كانت السندات بحاجة إلى بعض الحيل ليتم تداولها على أنها سندات ممتازة، وهي إصدار تقييم ممتاز لها، وتغطية مخاطرها بوثيقة تأمين، وهكذا تم إحكام الخدعة.

وتم تكوين تشكيل عصابي كامل من البنوك والمؤسسات المالية وشياطين السماسرة (بعمولات مغرية) وشركات الرهن العقاري الصغيرة، للإيقاع بأكبر عدد ممكن من البسطاء، مثل كبار السن والأقليات وأصحاب الدخول المنخفضة، وتوريطهم في فخ قروض مصممة بطريقة ليست لهم قدرة على فهمها أو سدادها بضمان منازلهم التي يعيشون فيها، وباستخدام كل أنواع حيل الكذب والخداع فيما يطلقون عليه الآن "قروض الكاذبين".

إن بعض الذين حصلوا على قروض لشراء المنازل كانوا يعرفون جيدا أنهم لن يستطيعوا دفع أقساطها، وكانوا يعطون بيانات شخصية ملفقة عن قدرتهم على السداد! ربما لأنهم كانوا يظنون أنهم يمكنهم بطريقة ما الاستيلاء على هذه المنازل!

- كانت نسب الفائدة على القروض العقارية "تحت الممتازة" تبدأ بـ 2% لفترة قصيرة ثم ترتفع لتصل إلى ما يقرب من 40%.

- كما أصدرت البنوك قروضا ضخمة للمضاربات على الأسهم والسندات بنسب تغطية متدنية تصل إلى 2% على أساس أنها سوف تورق هذه المخاطر الجمة على أي حال وتبيعها لمؤسسات الاستثمار في الأسواق المالية.

- بل إن البنوك والمؤسسات المالية استخدمت هذه الرهون العقارية وسندات الأقساط للحصول على قروض هائلة بنسب تغطية بسيطة استخدمتها في شراء الشركات وغيرها.

- زادت أسعار المنازل بنسبة 124% بين أعوام 1997-2006، واستخدم بعض ملاك المنازل هذه الزيادة للحصول على قروض جديدة لاستخدامها في شراء السلع الاستهلاكية، بحيث زادت الديون الشخصية بنسبة 130% خلال عام 2007 فقط مقابل زيادة قدرها 100% في العقد الذي سبق عام 2007 بأكمله.

كانت القروض تبدأ بأقساط منخفضة بأسعار فائدة متغيرة (ترتفع كلما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة)، وتبدأ الأقساط منخفضة لمدة ثلاث سنوات (تذهب كلها خلالها لسداد الفوائد ولا تذهب إلى ملكية جزء من المنزل).

وإذا تأخر المقترض عن دفع أي دفعة تتضاعف أسعار الفائدة بنحو ثلاث مرات، كان المستثمرون يعتقدون أنهم يملكون سندات مضمونة بعقارات يمكن الحجز عليها وبيعها إذا توقف السداد، ويحصلون على عوائد من المدفوعات الشهرية، ولكن هؤلاء المستثمرين رهنوا تلك السندات، على اعتبار أنها أصول، مقابل قروض جديدة للاستثمار في شراء مزيد من السندات، أي استخدموا قروضا للحصول على مزيد من القروض! وتساهلت البنوك لدرجة أنه كان يمكن اقتراض ما يساوي 30 ضعف قيمة الرهن. باختصار، اعتقد المالك أن المنزل بيته، وظن البنك أن المنزل ملكه أيضا.

واعتقد المستثمرون أن المنزل نفسه ملكهم هم لأنهم يملكون السندات. وبما أنهم رهنوا السندات، فإن البنك الذي قدم لهم القروض يعتقد أن هناك منزلا في مكان ما يغطي قيمة هذه السندات، رغم أن القروض التي أصدروها تبلغ نحو 30 ضعف قيمة المنزل.

ومع ارتفاع أسعار المنازل، كان يمكن الحصول على قرض جديد مقابل رهن جزء من المنزل، لشراء المزيد من السلع، مثل دفع مقدم سيارة جديدة مثلا، وقام بنك بتمويل الباقي. وبتحويل الدين الجديد إلى سندات وبيعها إلى بنك استثماري آخر احتفظ بجزء منها، وقام بدوره ببيع الباقي إلى صناديق تحوط وصناديق سيادية في أنحاء العالم كله.

 كان مالك السيارة يعتقد أنه يمتلك السيارة، واعتقد البنك الأول أنه يمتلك السيارة، واعتقد البنك الثاني أنه يمتلك السيارة، واعتقد المستثمرون أنهم يملكون سندات لها قيمة لأن هناك سيارة في مكان ما تضمنها.

المشكلة أن كل هذا حصل بسبب ارتفاع قيمة المنزل، ولك أن تتصور ما يمكن أن يحدث عندما تنخفض قيمة المنزل، ويفقد المقترض الأصلي عمله.

واستمر هذا النشاط حتى آخر يونيو 2004 عندما بدأ جرينسبان في رفع الفائدة مرة أخرى في 14 زيادة متتالية وصلت بها إلى 4.5% على مدى 19 شهرا (فيما يبدو وكأنه تفجير متعمد للفقاعة العقارية)؛ مما أدى إلى بدء انهيار فقاعة الرهن العقاري قبل أن يترك منصبه، كما بدأت أسعار العقار في الانخفاض!.

انهيارات متتالية.. هل تقود لحروب؟

هل تكون الحروب مخرج أمريكا من أزمتها؟

حدثت بداية الأزمة عام 2007 عندما رفع البنك الألماني دعوى أمام المحكمة الفيدرالية في كليفلاند - أوهايو يطلب تمكينه من الحجز على 14 منزلا توقف أصحابها عن سداد أقساط ديونهم، وهو مبلغ تافه جدا بالنسبة للبنك الألماني الذي تبلغ أصوله العالمية 1.1 تريليون يورو.

وقد طلب القاضي من البنك الأوراق القانونية التي تثبت حقه في إجراء هذا الحجز، ولم يكن لدى البنك هذه المستندات، ولم تكن حجته إلا أن البنوك تفعل هذا منذ سنوات بلا أي مشاكل.

ومما زاد الطين بلة أنه عندما كان أصحاب المنازل يقومون برهنها للبنوك ضمانا للقروض وللأقساط لم يكن يتم تسجيل الرهون لصالح المؤسسة المقرضة؛ لأنها كانت تنوي توريق وثائق الرهون وبيعها في سوق المال؛ حيث يتم تداولها بين عشرات المؤسسات المالية.

 وعليه، تم تفادي عمليات التسجيل المعقدة والطويلة والمكلفة، ولكن هذا الأمر جعل وثائق الرهن غير قانونية؛ لأنه لم ينص فيها على المستفيد من الرهن.
 وكان يتم تجميع تلك الوثائق معا في حزم جرى تقسيمها بنسب مختلفة حسب معادلات معقدة، وبيع تلك الأجزاء إلى المؤسسات المالية المختلفة التي باعتها بدورها إلى آلاف المستثمرين.

وأصبحت كل وثيقة رهن يمتلكها عدد كبير من المؤسسات ليست بينها أي علاقات، ولم يعد هناك مالك وحيد لأي وثيقة يستطيع ادعاء أن الرهن لصالحه قانونا. وثالثة الأثافي، أن كثيرا من مؤسسات الرهن الصغيرة التي قامت بعمل هذه الوثائق للملايين من المنازل كانت قد أفلست فعلا ولم يعد لها وجود، كما أن الكثير من الوثائق القانونية الواجب إلحاقها بوثائق الرهونات هذه فقدت تماما في خضم العمليات التبادلية، ومن جراء إفلاس وإغلاق الكثير من مؤسسات الرهن والإقراض العقاري الصغيرة بحيث أصبح من المستحيل تماما تسجيل هذه الوثائق، كما لم يتم ربط استثمارات المستثمرين في صناديق الاستثمار برهونات منازل محددة.

وتمخض الوضع عن أطراف مالكة غير محددة، ورهون غير مسجلة، ووثائق رهونات مجزئة، وأوراق رسمية ضائعة، وأطراف راهنة أفلست واختفت، ومقترضون عاجزون عن السداد.

ولم يكن يتم طرح السندات تحت الممتازة للمستثمرين إلا بعد أن يتوقف أصحابها عن السداد فعلا؛ أي أن المستثمرين الذين كانوا يشترون أجزاء من أوراق محافظ هذه السندات عالية المخاطر طمعا في المزيد من الربح، لم يكونوا يشترونها إلا بعد أن تصبح بلا قيمة! مما يجعلهم قانونيا غير مستحقين لأي تعويض؛ لأنهم لم يكونوا أطرافا في المشكلة عند وقوعها، بل مجرد أطراف ظهرت فيما بعد وتعرضت لعملية نصب.

في النهاية، توقف المقترضون عن سداد الأقساط، ففقدت السندات قيمتها، وأفلست البنوك الاستثمارية وصناديق الاستثمار المختلفة وشركات التأمين.

وعمليات الإفلاس أجبرت البنوك على تقليص عمليات الإقراض، الأمر الذي أثر في كثير من الشركات الصناعية وغيرها التي تحتاج إلى سيولة لإتمام عملياتها اليومية.

لقد بلغت قيمة مشتقات الرهون العقارية في يناير 2007 أكثر من 6.5 تريليون دولار (يبلغ حجم سوق الرهن العقاري في أمريكا 12 تريليون دولار)، وهو تقريبا نصف الإنتاج القومي السنوي الكلي للاتحاد الأوروبي.

إن دائني القروض العقارية يتوقفون عن السداد بمعدل شهري يصل إلى 50 بليون دولار، وهذا يعرض سوق المشتقات (الذي تصل قيمته إلى عدة مئات من تريليونات الدولارات) للخطر، مما يعرض عددا هائلا من البنوك، بل والنظام البنكي كله لخطر الانهيار.

ولوجود هذه الأوراق في حزم تختلط فيها الديون المعدومة بالديون الجيدة، انهارت الثقة في سوق السندات الضمنة بالرهون العقارية كلها، والآن لا يوجد من يرغب في شراء سندات مالية لا يستطيع أحد أن يضع قيمة لها، كما أن الرابح لا يستطيع تحصيل أرباحه من هذا السيرك إلا إذا دفعت الحكومة الخسائر التي لا يستطيع الخاسر أن يدفعها.

ففي يونيو 2007 انهار بنك بيرشترن وهو من أكبر البنوك بعد أن حاول التخلص من كل الأوراق المالية المضمنة بالرهون العقارية الموجودة في حوزته، دون جدوى، لعدم وجود مشتر لها.

وفي 7 سبتمبر 2008 اضطرت إدارة بوش لما يشبه تأميم أكبر مؤسستين للرهن العقاري، حيث أصبحت وزارة الخزانة الأمريكية ضامنة لما يزيد عن 5.3 تريليون دولار قيمة عجز مؤسستي "فاني ماي وفريدي ماك"، وهما إما تمتلكان أو تضمنان ما قيمته 6 تريليونات دولار من القروض العقارية، أو ما يساوي نصف القروض العقارية في السوق الأمريكية.

وفي 15 سبتمبر أفلست مؤسسة ليمان براذرز، وفي 17 سبتمبر وافق البنك الفيدرالي على دعم شركة AIG للتأمين بمبلغ 85 بليون دولار بسبب ضمانها لأرباح المراهنين على قيم الأسهم والسندات التي أصبحت بلا قيمة، ومن العجيب أن رؤساء AIG وفاني ماي وفريدي ماك تم عزلهم جميعا لتزويرهم في الميزانيات.

لقد أصدرت AIG (بمباركة من الجميع) وثائق تأمين بنصف تريليون دولار ضمنت فيها جميع الأطراف التي تدخل في المضاربات المالية ضد بعضها على أن الدولار سوف يرتفع أو ينخفض أمام اليورو، أو أن سوق الرهن العقاري الذي قيمته 12 تريليون دولار سوف ينتعش أو ينهار، بالإضافة إلى التريليونات من المضاربات في المشتقات في سوق الصرف العالمي، وجمعت البلايين من رسوم الوثائق التي تصدرها الحاسبات.

لقد كانت تؤمن الجميع ضد مخاطر المضاربة ضد الجميع، أي أنها كانت خاسرة على أية حال.

 إن الانهيار التالي المتوقع هو انهيار سوق العقود التبادلية المباشرة (SWAP) وهي عقود تستبدل تدفقات متغيرة أو غير مضمونة بتدفقات ثابتة.

لقد انتشر استخدام هذه العقود في مدة 7 سنوات حتى بلغ حجمها الآن حوالي 62 تريليون دولار، وكانت أطراف تلك العقود تعيد بيعها للآخرين الذين يعيدون بيعها بدورهم، بحيث أصبح من الصعوبة على من وجد هذه العقود في حوزته عند حدوث المشكلة أن يتتبع مسارها السابق ليصل إلى الطرف الذي يجب عليه دفع التعويض عند حدوث الأزمة. وهذه قنبلة يمكن أن تنفجر في أي لحظة.

ومع تضاعف عدد المتعثرين مع تطور الأزمة، يؤدي هذا إلى المزيد من التعثر، بما قد يعرض النظام المالي الغربي بأكمله للانهيار.

لقد اشترك الجميع في مهرجان النصب والنهب إلى آخر لحظة، حيث إن المضاربين يحققون أرباحا كبيرة في المضاربة على السندات حتى أثناء انهيارها، من خلال ما يسمى بالبيع القصير (أي المراهنة على انخفاض أسهم معروف للخاصة أنها سوف تنهار بسبب مشاكل مالية في الشركة).

لقد حققت بعض المؤسسات المالية أكبر الأرباح في المضاربة على أسهم فاني ماي وفريدي ماك أثناء انهيارهما! بل إن هناك مؤسسات مالية كانت تعرف أن الكونجرس سيرفض خطة الدعم المالي مرتين، حققت أرباحا تقدر بمئات البلايين من الدولارات في المراهنة على ذلك وبيع الأسهم والسندات والمشتقات، ثم إعادة شرائها في كل مرة تنهار فيها أسعار البورصات؛ بسبب رفض الكونجرس لخطة الدعم، ومن العجيب أنه تم عزل مديري المؤسسات المالية الذين تورعوا عن الاشتراك في هذه المذبحة.

والسؤال هنا لماذا تتدخل الحكومة الأمريكية لإقالة هؤلاء المغامرين؟ يجب ألا ننسى هنا أن هذه المؤسسات المالية هي أكبر المساهمين في تكلفة الحملات الانتخابية الرئاسية، كما أنها هي القوة الضاربة للإمبراطورية الأمريكية المبنية على الديون، تلك القوة المكلفة باستعادة الثروة المالية من الأسواق المالية في العالم.

ولحل مشكلة الرهون العقارية يجب خفض سعر الفائدة حتى يتمكن أصحاب العقارات من سداد أقساطها، إلا أن هذا سيؤثر سلبا على سندات الخزانة الأمريكية.
 ومعنى هذا هو التضحية بالاقتصاد المحلي لكي يتسنى الاحتفاظ بالقدرة على تمويل العجز التجاري بين أمريكا والعالم، أساس الهيمنة الأمريكية من خلال الديون، ولكنها لا تستطيع أن تكشف هذا للعامة؛ ولهذا قد تحتاج الحكومة الأمريكية إلى إعلان الأحكام العرفية للحفاظ على القانون والنظام.

وقد نشرت صحيفة آرمي تايمز في سبتمبر 2008 أن الحكومة الأمريكية قامت باستدعاء الفرقة الأولى من جيش المشاة الثالث من العراق لتصل إلى أمريكا في أكتوبر لتكون "تحت تصرف الحكومة الفيدرالية وعلى أهبة الاستعداد لمواجهة الطوارئ والكوارث الطبيعية والمصنوعة بما في ذلك الهجمات الإرهابية"، على حد قول الصحيفة، فهل الحكومة الفيدرالية تتحسب لمواجهة الاضطرابات المدنية وإمكانية تفجر الغضب الشعبي؟!.

لقد أصبح ثبات الدولار والنظام المالي طوال السنوات الماضية معتمدا على استمرار التدفقات الضخمة التي تمول عجز الحساب الجاري الضخم، وتمول أيضـا بناء الإمبراطورية الأمريكية السافرة، بل وتدير عجلة الاقتصاد العالمي.

ويبدو أن النظام النقدي المملوك ملكية خاصة، والمبني على القروض والديون والربا قد وصل إلى منتهاه، وأصبح يهدد جميع البشر.

 إن الحل الأمثل هو إلغاؤه واستبداله بنظام نقود غير ربوية، وليست مبنية على القروض.

ولكن هل تجرؤ الحكومة الأمريكية وغيرها من الحكومات على اتخاذ الخطوة الإصلاحية الأساسية وهي تأميم البنك الفيدرالي الأمريكي والبنوك المركزية الخاصة، التي تشرف على أعمال كل البنوك والمؤسسات المالية الكبرى في أمريكا والعالم وتديرها لتحقيق المزيد من الأرباح للنخب المالية؟.

لقد تم اللجوء إلى الحروب والتهديد بها على مر التاريخ للخروج من الأزمات الاقتصادية، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية على مدى تاريخها لجأت إلى الحروب كلما انهارت قيمة الدولار أو انهار اقتصادها، فهل يحدث هذا أيضا هذه المرة؟ هل سيجري التضحية بالجميع لكي يتم الاحتفاظ بالقدرة على شن الحروب والتصرف كدولة عظمى والاستمرار في اقتراض 700 مليون دولار سنويا لتمويل العجز التجاري، أساس إمبراطورية الديون؟!


باحث في الشئون الاقتصادية، نائب رئيس جمعية مصر للثقافة والحوار.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات