English

 

الأحد. أكتوبر. 19, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أمريكا الشمالية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

نائب الرئيس.. نموذج تشيني وفرص "بالين" و"بايدن"

رنا أبو عمرة

Image
سارة بالين وجوزيف بايدن
من الأمور المتعارف عليها في الانتخابات الرئاسية الأمريكية أن الاهتمام الرئيسي يكون منصبا على الرجل الأول (المرشح للرئاسة) في الحملة الانتخابية، بينما لا يعطي أحد صوته للرجل الثاني (المرشح لنائب الرئيس)، إلا أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية هذا العام أعطت بعدا جديدا لهذه النظرة بحيث أصبح الاهتمام بنائب الرئيس على وشك أن يعادل الاهتمام بمرشح الرئاسة نفسه.

وأبرز مؤشر على ذلك هو ما سجلته مراكز استطلاعات الرأي العام الأمريكية من نسب مشاهدة للمناظرة الأولى التي جمعت كل من سارة بالين مرشحة الحزب الجمهوري لمنصب نائب الرئيس، وجوزيف بايدن مرشح الحزب الديمقراطي لنفس المنصب، حيث وصل عدد مشاهدي المناظرة نحو 52 مليون مشاهد أمريكي، وهي أعلى من نسبة مشاهدة المناظرة الأولى لكل من أوباما وماكين.

وإلى جانب هذا الزخم الذي واكب الاهتمام بالمرشحين لمنصب نائب الرئيس، فإن خبرة ديك تشيني، في منصبه كنائب للرئيس، تطرح تساؤلا حول حدود الدور الذي يلعبه نائب الرئيس في النظام السياسي الأمريكي.

الإطار القانوني

تعتبر صلاحيات نائب الرئيس محدودة من الناحية الدستورية، حيث يتولى رئاسة مجلس الشيوخ، ومن ثم يحق له الإدلاء بصوته فقط في حالة تعادل الأصوات، فالبند الثالث من المادة الأولى من الدستور الأمريكي ينص على أن "يكون نائب رئيس الولايات المتحدة رئيسا لمجلس الشيوخ، ولكنه لا يدلي بصوته (بشأن قضية معينة) ما لم تتعادل الأصوات".

وبالإضافة لما سبق، يقوم نائب الرئيس بمهام الرئيس في حالات محددة كوفاة الرئيس أو استقالته أو عدم قدرته على ممارسة عمله، حيث ينص البند الثاني من المادة الثانية من الدستور على أنه "في حالة عزل الرئيس من منصبه، أو وفاته أو استقالته أو عجزه عن القيام بسلطات ومهام المنصب المذكور يؤول المنصب إلى نائب الرئيس".

ويتضح من خلال استعراض تاريخ الولايات المتحدة، أن حالات شغور منصب الرئاسة نتيجة وفاة الرئيس كانت هي أغلب الحالات التي تولى فيها نائب الرئيس مهام الرئاسة، عدا حالة واحدة وهي خلافة جيرالد فورد للرئيس نيكسون عام 1974، نتيجة فضيحة "ووتر جيت" الشهيرة.

ورغم هذا الدور المحدود الذي أعطاه الدستور الأمريكي لنائب الرئيس، فإن هذا لم يمنع من قيامه بدور حيوي في النظام السياسي الأمريكي، وذلك من خلال الربط بين مركزه التشريعي كرئيس لمجلس الشيوخ وفريق عمل مكتبه هناك، وبين السلطة التنفيذية من خلال مكتبه بالبيت الأبيض، ولعل ريتشارد ديك تشيني أبرز مثال على قدرة النائب على استغلال الفرص التي منحها الدستور وكذلك الخبرة التي أرستها ممارسة نواب الرؤساء السابقين بما فيها من سلبيات لتلافيها وإيجابيات لتنميتها.

فقد قدم ديك تشيني نموذجا أكثر تطورا لنفوذ النائب، مستندا على خبرة سياسية محنكة مكنته من أن يلعب دورا فاعلا على الساحتين الداخلية والخارجية ، ويرسي بالنموذج الذي قدمه حدود أوسع للدور الذي يمكن أن يضطلع به النائب القادم.

واستند تشيني في أداءه لدوره على توافق مجالات خبرته مع الدور الذي اضطلع به، حيث كان على دراية بالملف العراقي حين كان وزيرا للدفاع في عهد الرئيس بوش الأب، فضلا عن توافقه الفكري مع رامسفيلد وزير الدفاع حينما خدما معا في مكتب الرئيس السابق فورد، بالإضافة إلى دوره الظاهر في الدفع بأجندة الرئيس الأمريكي التشريعية داخل الكونجرس.

الواقع والممارسة

لم يكن تطور دور نائب الرئيس الأمريكي، كما هو واضح في حالة ديك تشيني، تطورا راديكاليا فجائيا بل كان نتيجة تراكم نجاحات سابقة لشخصيات نواب استطاعوا توظيف الفرص التي أتاحها الدستور الأمريكي، وكذلك توظيف الفرص التي أرستها الممارسة والواقع لتوسيع نفوذهم في جناحي النظام الأمريكي (التشريعي والتنفيذي) اعتماداً على شبكة علاقاتهم الفكرية والسياسية داخل الإدارة الأمريكية أو داخل الكونجرس أو مؤسسات الفكر ورجال المال والاقتصاد.

وعبر هذا التوظيف للفرص، تمكن هؤلاء النواب من تقديم نموذج بعيد عن الدور التقليدي لنائب الرئيس والذي يتمثل في التحدث باسم الرئيس، والدفاع الإعلامي عن سياسات الإدارة، علاوة على القيام بزيارات خارجية رسمية يطغى عليها الطابع البروتوكولي أكثر من الطابع السياسي، أو الاعتماد على تصويته الترجيحي في الكونجرس في حالات ليست متكررة.

وهناك عدة حالات لنواب استطاعوا لعب دور فعال في الحياة السياسية الأمريكية مثل هاري ترومان عندما كان نائبا للرئيس روزفلت في فترة الحرب العالمية الثانية (1945-1949)، وريتشارد نيكسون عندما كان نائبا للرئيس أيزنهاور (1953) حيث كان أول نائب يترأس اجتماعات مجلس الأمن القومي واجتماعات أعضاء المكتب الرئاسي أثناء غياب الرئيس.

وحملت حقبة الرئيس جيمي كارتر (1977-1981) تطورا هاما لمنصب نائب الرئيس عندما تم نقل مكتب نائبه "والتر موندال" إلى داخل البيت الأبيض، وتحديدا في الجناح الغربي منه، بعدما كان يقع خارجه، وهو ما سمح لنائب الرئيس بتوطيد وتنمية علاقاته داخل البيت الأبيض وسهولة اجتماعه بالرئيس الأمريكي. كما قدم "آل جور" نائب الرئيس بيل كلينتون (1993-2001) نموذجا للنائب النشط الفاعل.

محددات الدور وأطراف المعادلة

وهناك العديد من العوامل التي تحدد حجم الدور الذي يضطلع به نائب الرئيس، فبالإضافة إلي الدور الجوهري للرئيس كمحدد أساسي لمساحة الدور الذي يلعبه نائبه على أي من الساحتين الداخلية أو الخارجية أو كليهما معا، فإن هناك عوامل أخرى أهمها:

- مدى التوافق بين الرئيس ونائبه تجاه القضايا المختلفة، فهناك ضرورة لإظهار التوافق المستمر بين موقف النائب والرئيس، وظهوره النائب بموقف الداعم لرئيسه، سواء كان ذلك في الأزمات التي تواجه شخص الرئيس أو تلك التي تواجه سياساته. فمواقف نائب الرئيس المؤيدة للرئيس لا تصب فقط في مصلحة الأخير ولكنها أيضا تحسب لصالح نائب الرئيس و قدرته على توسيع دوره.

ولعل من أبرز الأمثلة على هذا الأمر مساندة آل جور لموقف الرئيس كلينتون في قضية مونيكا لوينسكي، ومساندة ديك تشيني لتوجهات الرئيس بوش رغم الانخفاض المستمر لشعبيته عالميا ومحليا. كما أن قيام نائب الرئيس بالكشف عن مواقفه بوضوح وتشديده عليها مما يجعله في مرمى الانتقادات إذا ما تبنى الرئيس خطا سياسيا بعيدا عن هذه المواقف توافقا مع الظروف، وقد ظهر ذلك بوضوح مع "نيلسون روكفلر" نائب الرئيس "جيرالد فورد".

- مقدار الخبرة التي يتمتع بها نائب الرئيس وفريق عمل مكتبه في مجال العمل السياسي بشكل قد يدعم أجندة الرئيس التشريعية، بالإضافة إلى أن تقدم النائب في العمر قد يعطيه قوة دفع ليس فقط على مستوى الخبرة التي يتمتع بها، بل لأن ذلك يجعله محل لثقة الرئيس المطلقة، حيث تنتفي احتمالات منافسة مقبلة، مثلما هو الحال الآن في علاقة الرئيس بوش الابن بنائبه ديك تشيني.

- قيام نائب الرئيس بدور في اختيار أعضاء مكتب الرئيس مما يمكنه من اختيار فريق عمل يمهد الطريق أمامه للقيام بدور أكبر، بالإضافة إلى أهمية الحفاظ على استمرارية جلسات العمل بين الرئيس والنائب من خلال التنسيق المستمر.

- تولي نائب الرئيس رئاسة عدد من اللجان والمجالس الأخرى قد يكون فرصة لزيادة دوائر نفوذه، إلا أن تشعب هذه اللجان وتشتتها بحيث لا تصبح منظومة متكاملة تدعم أجندة النائب التي لابد وأن يكون حددها من قبل، يجعلها عبء على النائب، أو بمعنى آخر يجعلها "مسئوليات دون مقابل"، وهو ما واجهه "روكفلر" عندما كان نائبا للرئيس "فورد".

النائب رقم 47 بين بايدن وبالين

طرحت خبرة ديك تشيني، كنائب للرئيس، تساؤلات عن الدور المستقبلي الذي يمكن أن يلعبه نائب الرئيس الأمريكي القادم، سواء كان جوزيف بايدن أم سارة بالين، خاصة في ظل الدور الهام الذي يلعبه مرشحو نائب الرئيس في الحملة الانتخابية للمرشحين الجمهوري والديمقراطي، وقيامهما بتغطية نقاط ضعف يعاني منها كل من المرشحين.

فالسيدة الشابة سارة بالين حاكمة ولاية ألاسكا، التي اختارها المرشح الجمهوري جون ماكين، تقدم نموذجا لحيوية الشباب التي تفتقدها حملة ماكين والتي تعتبر أحد نقاط ضعفه حيث سيصبح أكبر الرؤساء الأمريكيين عمرا (72 عاما) في حالة توليه منصب الرئاسة، رغم الخبرة السياسية الواسعة التي يتمتع بها ماكين. كما أن كون بالين ثاني امرأة ترشح لهذا المنصب - وستكون أول امرأة تحتله في حالة فوزها - يكسر جمود حملة ماكين ويذهب بها قليلا في اتجاه شعار التغيير الذي يرفعه أوباما.

وإذا كان اختيار بالين أكسب حملة ماكين زخما، فإن اختيار المرشح الديمقراطي الشاب باراك أوباما للسيناتور المخضرم جوزيف بايدن، رئيس لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ، لمنصب نائب الرئيس هو اختيار لشخص ذي خبرة سياسية كبيرة في العلاقات الخارجية وداخل الكونجرس، بما يجعل صورة حملة أوباما أقوى أمام منتقديها من حيث توافر ديناميكية الشباب وخبرة وحنكة سياسية متمثلة في بايدن.

ومع الأخذ في الاعتبار كل العوامل السابقة، فإن الحكم على فعالية دور نائب رئيس الولايات المتحدة يعتمد، بشكل أساسي، على حسن توظيفه لعلاقاته في هذا المنصب، وليس مواقفه السياسية من القضايا المثارة فحسب، فضلا عن قدرته على التواجد في أماكن النفوذ والتأثير فيها (الكونجرس – الإدارة الأمريكية – البيت الأبيض ومكتب الرئيس) وعلاقاته برجال المال والاقتصاد والفكر في المجتمع، بالإضافة إلى مواكبة الأوضاع الداخلية والخارجية لمجالات خبرته بحيث يصبح له وزنا في التأثير عليها.

كما أن الدور الذي سيلعبه نائب الرئيس القادم سيعتمد بشكل أساسي على المساحة التي سيعطيها الرئيس له، وبالنظر إلى المحيط السياسي الدولي بشكل عام فإنه يدفع بقضايا السياسة الخارجية إلى أولويات أجندة الرئيس القادم للولايات المتحدة وهو ما يعني ضرورة وأهمية أن يكون للنائب القادم القدرة على العمل بقوة لدفع الأجندة الرئاسية على الساحة التشريعية وعلى الساحة الخارجية وتوظيف ميراث تشيني والبناء عليه.


باحثة سياسية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات