English

 

الخميس. أكتوبر. 16, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

أوروبا الشعبية تعاقب بوش.. والرسمية تنتظر!

هناء عبيد

Image
هل تتعزز الشراكة الأوروأطلسية بعد بوش؟
تسود أوروبا حالة من الترقب إزاء الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تتجاوز المألوف، وتصدر عن المستويات الرسمية والشعبية ومراكز التفكير والبحث الأوروبية إشارات تعزز جميعها تفضيل أوروبا لانتخاب السيناتور الديمقراطي باراك أوباما لرئاسة الولايات المتحدة بعد ما شهدت العلاقات عبر الأطلنطي اضطرابا واضحا خلال فترتي إدارة الرئيس جورج بوش الابن.
وتعتبر الانتخابات الحالية من أكثر الانتخابات الرئاسية الأمريكية تأثرا بالعوامل الخارجية، سواء في تشكيل برامج المرشحين حول السياسة الخارجية والعلاقة بالحلفاء، والأزمة المالية العالمية، أو في استقطاب توجهات الناخبين. وفي هذا الإطار، فقد يكون الصوت الأوروبي من عناصر الترجيح المباشرة أو غير المباشرة في سباق رئاسي اتسم بالتقارب في البداية قبل اتجاه أوباما مؤخرا للتفوق بفارق ملحوظ.

تصويت أوروبي عقابي ضد بوش

وحتى قبل ميل مؤشر استطلاعات الرأي الأمريكية لصالح أوباما قبيل الانتخابات بأسابيع محدودة، كانت أوروبا قد انتخبت أوباما رئيسا للولايات المتحدة وبأغلبية واضحة. ففي استطلاع للرأي أجرته صحيفة دايلي تليجراف البريطانية في خمس دول أوروبية في شهر مايو الماضي، ظهر التفضيل الشعبي الأوروبي الواضح للمرشح الديمقراطي، حيث حصل أوباما على نسبة متوسطها 52% في كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا، وهي الدول التي أجري بها هذا الاستطلاع.

ففي سؤال حول من سيحظى بتصويت الأوروبيين في الانتخابات الأمريكية، فضل 49% في بريطانيا أوباما مقابل 14% اختاروا جون ماكين، وفي فرنسا فضل 65% من المستطلعين أوباما مقابل 8% فقط لماكين، بينما في إيطاليا حصل أوباما على 70% من تأييد الإيطاليين المستطلعة آراؤهم مقابل 15% لماكين، وفي ألمانيا صوت 67% لأوباما، و6% فقط لماكين. وجاءت أعلى نسبة تأييد حصل عليها ماكين في روسيا بنسبة 24%.

وإلى جانب ذلك التصويت الشعبي، تواترت الترحيبات الرسمية، والتحليلات الصادرة عن مراكز البحث الأوروبية باحتمالات فوز باراك أوباما، وإن كانت تتوخى في خطابها اللياقة الدبلوماسية أو الحياد الأكاديمي.

ويعتبر هذا التصويت الأوروبي الرمزي لصالح أوباما تصويتا بالرفض على إرث بوش الابن وما خلفه من تضرر للعلاقات الأمريكية/الأوروبية على مدى سنوات إدارته، والتي يعتبر السيناتور ماكين استمرارا لها سواء بسبب خلفيته الحزبية أو حملته الانتخابية وآرائه الشخصية.

وقد أدت تلك السياسات ليس فقط إلى جفوة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الرئيسيين، وإنما ألحقت الضرر بصورة الولايات المتحدة ودورها في العالم كما يراها أقرب حلفاء واشنطن. فقد كشف الاستطلاع المذكور عن تدني شعبية الولايات المتحدة في دول أوروبا، ففي بريطانيا، الحليف الأقرب للولايات المتحدة، تساوت نسبة الذين يرون أن الولايات المتحدة تمثل قوة للخير في العالم تقريبا مع من يرونها قوة للشر. وفي ألمانيا وفرنسا، تجاوز التقويم السلبي لدور الولايات المتحدة في العالم نظيره الإيجابي.

وتعتبر تلك النسب بالغة الدلالة في حجم التردي الذي أصاب العلاقات الأمريكية بأقرب حلفائها الغربيين خلال حكم بوش الابن، خاصة إذا ما قورنت باستطلاعات سابقة، حيث بلغت نسب تأييد البريطانيين للولايات المتحدة عام 2000 حوالي 83%، بينما كان 62% من الفرنسيين ينظرون نظرة إيجابية للولايات المتحدة.

لماذا تفضل أوروبا أوباما؟

وبخلاف التصويت العقابي ضد إرث بوش والذي يصب مباشرة ضد ماكين، هناك عدد من العوامل التي تعزز تفضيل أوروبا لأوباما، منها أن الديمقراطيين يتمتعون تقليديا بتأييد حزب العمال في بريطانيا، كما يفضل الفرنسيون بشكل عام الحكومات الديمقراطية الأمريكية. كما يتمتع أوباما شخصيا بقبول رسمي وشعبي في أوروبا نظرا لرفضه الواضح للحرب على العراق، بالإضافة إلى دعايته الانتخابية المبنية على أساس أن عهده سوف يكون عهدا تصحيحيا لكل مثالب الرئيس بوش، بما في ذلك العلاقة بالحلفاء؛ إذ يركز أوباما في هذا الإطار على تعديل الدبلوماسية الأمريكية وإعادة الاعتبار للدبلوماسية الجماعية والعمل متعدد الأطراف، مما يجعله المرشح الأمثل لرأب الصدع في العلاقات الأمريكية/الأوروبية.

وسواء ساهم الرأي الأوروبي بطريقة مباشرة في تشكيل آراء الأمريكيين تجاه مرشحيهم للرئاسة، أو كان أحد العوامل غير المباشرة في تعزيز الشعور بالعزلة التي أدت إليها سياسات بوش، وضرورة إعادة صياغة دور الولايات المتحدة في العالم، فإن الرئيس الجديد للولايات المتحدة عليه أن يتعامل فعليا مع إرث من التشكك أفرزته السنوات الثماني السابقة على الشراكة الأمريكية/الأوروبية، والتي حدت بالبعض إلى التكهن حول نهاية الرابطة الأطلنطية.

صدع في العلاقات الأطلنطية

ظهرت بدايات الخلاف الذي وسم العلاقات عبر الأطلنطي من خلال طرح بوش سياسة محور الشر، والتي لاقت استهجانا أوروبيا واسعا كان أبرز ملامحه تهكم وزير الخارجية الفرنسي آنذاك الذي اعتبرها سياسة بالغة التبسيط، بينما مثل قرار الحرب على العراق خارج إطار الأمم المتحدة ذروة هذا الخلاف، والذي تزعمت مناهضته ألمانيا وفرنسا، ووصفه المستشار الألماني آنذاك "جيرهارد شرويدر" بـ "المغامرة"، بينما وصفت مستشارة الأمن القومي آنذاك "كوندوليزا رايس" العلاقات بين الطرفين بأنها "مسممة".

وبالإضافة إلى الاختلافات الواضحة أو الفارقة وأبرزها حرب العراق، مرت العلاقات الأطلنطية بمرحلة من التوتر الظاهر أحيانا والكامن أحيانا، ليس فقط على خلفية نزعة بوش العسكرية أو الاستباقية وتجاهله لأطر العمل المتعددة الأطراف، وإنما لتجاهله ما يمكن اعتباره أعراف العمل المشترك التي تواترت على مدى العقود التالية للحرب العالمية الثانية فيما يشبه تقسيم للعمل بين الطرفين، وقوامها التوافق واستلهام الخبرة الأوروبية، مع دعمها بالقوة الأمريكية، بحيث يتم توظيف كل من القوة الناعمة الأوروبية في امتزاجها بالقوة الأمريكية وفق مقتضى الحال لتحقيق المصالح المشتركة.

وقد أدى ذلك إلى عرقلة التعاون تجاه عدد من القضايا أبرزها إيران على سبيل المثال، حيث لم تعلن إدارة بوش تأييدها للموقف الأوروبي تجاه إيران سوى مؤخرا، وهو ما أثر على الجهود الدبلوماسية الأوروبية، وأدخل القضية في البيات الشتوي للانتخابات الأمريكية.

ومع ذلك، فقد أدير الخلاف أو الصدع الأطلنطي، حتى في أسوأ منعطفاته من خلال أدوات رمزية للاحتجاج خاصة على الجانب الأوروبي، حيث لم تشكل أي من الدول الأوروبية عقبات أو مصاعب حقيقية في وجه السياسات الأمريكية بما في ذلك احتلال العراق. فمن ناحية لم تعترض ألمانيا على منح الولايات المتحدة تسهيلات لوجستية باستخدام أرضها وجوها في التحضير للهجوم على العراق، ومن ناحية ثانية، ساندت فرنسا قرار مجلس الأمن رقم 1546 الذي يضفي المشروعية على الاحتلال الأمريكي للعراق.

علاوة على ذلك، فقد بدا منذ إدارة بوش الثانية أن كلا الطرفين قد عزم على تخطي مرحلة الخلاف من خلال التركيز على الوصول إلى حلول وسط وتبني أجندات عملية تجاه العديد من القضايا الإقليمية والدولية، بحيث كان لسان حال المرحلة هو التنسيق الضروري إلى جانب توجيه الانتقاد للسياسات الأمريكية أو تسجيل نقاط الاختلاف عند الضرورة. في نفس الوقت فقد ظلت مجموعة القواعد والمؤسسات والعمليات التي أسست لعلاقة الشراكة الأطلنطية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مستمرة، وأهمها الاعتماد المتبادل، والمؤسسات الجماعية، والشعور بالهوية المشتركة؛ حيث تربط الولايات المتحدة بأوروبا شبكة من المؤسسات التي تنسق العمل المشترك أبرزها: حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وبنك التنمية والإعمار الأوروبي، كما تقوم مؤسسات بريتون وودز (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) على تنسيق أوروبي/أمريكي كامل بدءا من السياسات المالية، إلى سياسات المعونة والإقراض.
 
كذلك تضم المصالح المشتركة قائمة طويلة بدءًا من الأزمة المالية العالمية، مرورا بمواجهة تنامي النفوذ الصيني والتمدد العسكري الروسي، وصولا إلى قضايا منع الانتشار النووي خاصة في إيران، وضرورة تأمين الطاقة، والصراع في الشرق الأوسط، بما يجعل الحديث عن نهاية الرابطة الأطلنطية أمرا بالغ الجموح.

أوباما / ماكين ومستقبل العلاقات

إن القول بمؤسسية واستدامة علاقات الشراكة عبر الأطلنطي، واجتيازها اختبار أزمة حرب العراق، لا يعني أن الفوارق بين المرشحين للرئاسة الأمريكية لن تنعكس حال فوز أيهما على العلاقات الأمريكية الأوروبية. فرغم أن التصويت الأوروبي في استطلاع الدايلي تليجراف وغيره هو تصويت رمزي، فإن دلالاته حول مستقبل العلاقات الأطلنطية يبقى بالغ الأهمية.
فمن ناحية أولى، قد يعني وصول ماكين إلى الحكم، استمرار إستراتيجية التعاون المتوتر التي أفرزتها إدارة بوش، خاصة في ضوء العامل النفسي الذي يجعل ماكين تجسيدا واستمرارا لسياسات بوش إلى أن يثبت العكس.

ومن ناحية ثانية، فإن انتخاب ماكين قد يضع قيودا على حدود الشراكة مع الولايات المتحدة حتى من قبل بعض المتحمسين لها مثل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. فقد يستطيع الأخير تعبئة تأييد الرأي العام الداخلي حول إعادة دخول فرنسا إلى الجناح العسكري للناتو بشكل أيسر في حالة وجود إدارة أمريكية تتمتع بتأييد فرنسي لسياستها الخارجية. كذلك، فإن مبادرة فرنسا حول الاتحاد من أجل المتوسط، تستلزم دعم إدارة أمريكية تتمتع بالمصداقية ليس فقط في أوروبا وإنما في دول جنوب المتوسط، وهو ما قد يفسر بطء تبلورها العملي في ظل تدني شعبية الإدارة الأمريكية الحالية.

ومع ذلك، فإن استشراف مستقبل العلاقات في ضوء افتراض التطابق التام بين سياسة جون ماكين وسياسات جورج بوش الابن ينطوي على مبالغة كبيرة تغفل الاعتبارات الواقعية التي سوف تدفع ماكين حتما إلى تحاشي الوقوع في أخطاء بوش، وإعادة الاعتبار –ولو نسبيا- للتنسيق مع الحلفاء خاصة في ضوء الأزمة المالية العالمية، والتي تتطلب جهودا مشتركة بين الدول الصناعية الكبرى.

كذلك فإن افتراض قيام أوباما حال فوزه بإحداث ثورة شاملة في السياسة الخارجية الأمريكية تمهد لتقارب فوري وتام مع أوروبا هو افتراض مثالي. فبخلاف التصريحات حول ضرورة كسب ود الحلفاء واستعادة المنهج التوافقي في السياسة الخارجية الأمريكية لم تتضح بعد ملامح السياسة الخارجية لأوباما، بل إن أحد أبرز الانتقادات الموجهة إليه افتقاره للخبرة في هذا المجال.

وأخيرا، فإن إرث سنوات حكم بوش قد خلق أمرا واقعا، يجعل من إحداث تعديلات جوهرية في السياسة الخارجية الأمريكية أو القفز على نتائجها بين عشية وضحاها أمرا مستبعدا، وإن أدى عامل الثقة أو العامل النفسي متمثلا في فوز أوباما –حال حدوثه- إلى تعزيز فرص التعاون عبر الأطلنطي، وتجاوز سياسات توافق الأهداف وتباين الأجندات، التي ميزت المرحلة السابقة.


خبير إستراتيجي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتجية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات