|
| هل تنجح مصر الرسمية في تمرير ما تريده؟ |
ماذا تحتاج مصر من الإدارة الأمريكية الجديدة؟ سؤال يبدو - لا شك - مهما ونحن على أعتاب انتخابات أمريكية في مطلع نوفمبر 2008، وهو أمر يرتبط بسؤالين مهمين آخرين، أولهما ليس له علاقة بموضوع المقال، وهو إلى أي حد سوف تستجيب الإدارة الأمريكية الجديدة للمطالب المصرية؟ وثانيهما وله علاقة بالموضوع، هو ما هي مصر المقصودة من السؤال موضوع المقال؟
نقول ما هي مصر المقصودة ليس بغرض التفرقة بين الشعب وقيادته من الناحية السياسية، قدر ما هو مقصود بالفعل من حديث عن كيانين منفصلين بحكم الأمر الواقع، هما الشعب والسلطة.. الكيان الأول (الشعب) وهو لا شك كيان لم يعتد أن ينتخب سلطته، فهي مفروضة عليه منذ يوليو 1952 عبر انتخابات تختلف في درجة صوريتها، وشعب تغلب عليه مستويات متدنية من الدخل، وحياة معيشية رثة تسودها نسب بطالة مرتفعة، وأوضاع اجتماعية متدنية، خاصة في مجالي التعليم والصحة، ما أدى - وما تمثلت مظاهره - في انتشار مظاهر التطرف، ممثلا في المشكلات الطائفية وجنوح الشباب تجاه تعاطي المخدرات وارتكاب الجرائم.. إلخ.
أما الكيان الثاني وهو السلطة، فيغلب عليها الشيخوخة والأداء البيروقراطي، والاهتمام بالاستقرار المؤدي لحال من الركود المزمن، وسيادة مناخ من الإصلاح الشكلي المؤدي في الواقع العملي إلى تكريس قدمها في الحكم (التعديلات الدستورية نموذجا) بمساعدة واضحة من جهاز الأمن والجهاز البيروقراطي اللذين لا يتورعان عن انتهاك حقوق الإنسان على جميع الأصعدة، سواء السياسية كتزوير الانتخابات العامة والمحلية وضرب المؤسسات الحزبية ومؤسسات المجتمع المدني وتهميش أجهزة الرقابة والمحاسبة وفيها البرلمان والقضاء، والاقتصادية كتثبيت حال التفاوت الشره في الدخول وتكريس حال التزاوج بين السلطة والمال، ومن ثم سيادة مناخ واضح من الفساد ونهب الثروات القومية، والاجتماعية كالخلل في مبادئ المواطنة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، لا سيما في الحصول على الخدمات العامة وفرص التوظيف، ما أسفر عن زيادة معدلات الفقر بشكل صارخ.
بين مصر الرسمية ومصر الشعبية
في هذا الإطار يمكن الإجابة عن السؤال موضوع المقال.. ماذا تريد مصر من الإدارة الأمريكية؟
مصر الرسمية أو مصر السلطة تهدف دون شك لمحاولة تمرير موضوع الخلافة السياسية إلى نجل رئيس الجمهورية عبر انتخابات صورية، أو ما اصطلح على تسميته "مشروع التوريث"، فهذا التمرير يضمن بقاء الأمور على حالها، دون فتح ملفات ظلت مغلقة لأكثر من ربع قرن، وقعت خلالها صفقات واستخدمت فيها تفويضات مجانية من البرلمان، ناهيك عن أن قيام الإدارة الأمريكية الجديدة بإنجاح هذا المشروع سيضمن في بلد نام كمصر استمرار القيادة الجديدة في حصد ثمار السلطة التي تتمتع بها أي سلطة في بلد متخلف تنحدر فيه الرقابة إلى أدنى مستوياتها، ويصبح فيها المنصب وسيلة رئيسة للثراء غير المشروع.
وبطبيعة الحال لن تغلب السلطة في أن تقوم بانتخابات صورية جديدة لإخراج الانتخابات بصورة تنافسية، تدعمها جوقة من الممالئين لها ممن تشبعت بطونهم ويخشون افتضاح سيرتهم إذا ما حدثت الخلافة خارج هذا الإطار.
وعلى العكس من ذلك فإن مصر الشعبية تقف بالمرصاد حتى تتخلص من أن تصبح، وهي الدولة العريقة عالميا مالكة أعظم حضارات الكون، كإحدى جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية في الخمسينيات والستينيات، فهي تسعى إلى أن تدعم الإدارة الأمريكية الجديدة مسألة الإصلاح السياسي القائم على تداول سلمي وحقيقي للسلطة، دون أن تقوم بتغليب مصالحها، باستمرار نظام يكون امتدادا لنظام مبارك الأب في السلطة، أملا في وقوف النظام الجديد إلى جانب أجندة محتملة تسوق للسياسات الأمريكية تجاه مشكلات المنطقة، وهو ما درجت إدارة بوش الابن على القيام به منذ التخلي عن مشروع كولن باول حول الديمقراطية في العالم العربي المعلن في ديسمبر 2002، الذي أصبح حبرا على ورق بعد أشهر محدودة من إعلانه.
هذا الموضوع الأخير يرتبط بقضية أعمق، وهي عدم التدخل في الشئون الداخلية المصرية، فهذا المبدأ - لا شك - تتفق عليه مصر شعبا وسلطة من أنه أمر مرفوض من الإدارة الأمريكية الجديدة، لكن مدى تمسك كل طرف مصري به يتباين لسببين.. أولهما مصري، ويتعلق بطبيعة المشكلة محل التدخل، فإذا كانت الولايات المتحدة تدعم مطالب للمعارضة المصرية، فإنها تحظى بدعمها، وبالعكس تحظى بانتقاد السلطة لها باعتبار ذلك تدخلا في الشئون الداخلية المصرية، الأمر الذي تستغله السلطة في إحراج وتعرية المعارضين أمام الرأي العام، وتشبيههم بأنهم عملاء للخارج، أو من هم يستقوون بالإدارة الأمريكية المتهمة في ذهن المواطن المصري بدعم إسرائيل واحتلال العراق.. إلخ (حالة د. سعد الدين إبراهيم نموذجا)، وإذا ما كانت السياسة الأمريكية تجاه أمر معين تدعم السلطة على حساب المعارضة، فإن هذا الأمر يقابل بنقد شديد من المعارضة إلى الولايات المتحدة باعتبارها إدارة براجماتية.
أما السبب الثاني المتعلق بتباين المواقف المصرية بشأن التدخل الأمريكي في الشأن المصري باعتباره تدخلا في الشئون الداخلية، فهو سبب أمريكي، ويرتبط بخلط الإدارة الأمريكية بين المبادئ والمصالح، حيث تفتح الولايات المتحدة ملف حقوق الإنسان في مصر عندما تسعى السلطة للحد من غلواء المصالح الأمريكية تجاه إسرائيل والعراق على حساب مصر خاصة والطرف العربي عامة، وعندما تحتاج الولايات المتحدة إلى دعم أصدقائها تجاه دول كإيران وسوريا، تطيح بما تعلنه من مبادئ، وهنا تستغل السلطة في مصر ذلك في مقايضة مصالحها بالمصالح الأمريكية، وتنجح بشكل تحسد عليه في التملص من جميع الاستحقاقات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية، خاصة فيما يتعلق بتداول السلطة ونزاهة الانتخابات.
تخوف شعبي ورسمي
في هذا الصدد يمكن الحديث عن تخوف شعبي ورسمي من توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة، مهما كان نوعها (جمهوري - ديمقراطي).. تخوف شعبي من أن يكون فوز ماكين بكل ما يحمله من احتمالات قوية للتشدد مع إيران وزيادة الانغماس في الشأن العراقي، مؤدٍّ إلى إهمال مسألة الإصلاح السياسي في مصر، وربما تخوف من أن يؤدي فوز أوباما إلى سيادة حالة من الاسترخاء في العلاقات الدولية، خاصة مع إعلانه أكثر من مرة عن حاجته إلى تحسين علاقات بلاده مع كل بؤر التوتر في العالم، وتخوف رسمي من أن يؤدي فوز ماكين إلى المزيد من الدعم لإسرائيل والضغط على مصر في مسألة المعونات الاقتصادية والعسكرية، وكذلك قلق من أن يؤدي فوز أوباما إلى الاستجابة لضغوط المعارضين المصريين المطالبين بالضغط على السلطة بغرض إجراء إصلاح سياسي (لاحظ على سبيل المثال خطاب أيمن نور إلى أوباما المنشور في المصري اليوم في 13 أغسطس 2008 وما حمله من رغبة في الضغط على مصر بسبب ملف حقوق الإنسان.
وعلى الصعيد الخارجي، ربما تتفق مصر شعبا وسلطة تجاه الأمور المرتبطة بتوجهات السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة، فالانحياز الآلي لإسرائيل إزاء المشكلة الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، وهو انحياز واضح في برنامج الجمهوريين والديمقراطيين، وسعي الإدارة الأمريكية الجديدة لمواجهة ملف إيران النووي بشكل سلمي أو عسكري، مما يتخوف معه من زيادة الاحتقان في المنطقة، والتواجد العسكري الأمريكي في كل من العراق وأفغانستان، إذا استمر كما يطالب ماكين، أو تحول إلى مجرد نفوذ قوي كما يريد له أوباما، وتطويق السودان، وتوصيف جميع أعمال مقاومة المحتل بالإرهاب على خلفية تأييد ماكين وأوباما لإسرائيل، كل تلك الأمور تتفق جميع أطياف السياسة في مصر على رفضها، باعتبارها ضد الأمن القومي المصري خاصة والعربي عامة.
تباين المطالب
على أنه في تفاصيل تلك المواقف تتباين المطالب المصرية من الإدارة الأمريكية الجديدة، فاحتواء حماس هو هدف تقترب فيه السلطة في مصر مع الإدارة الأمريكية قديمها وجديدها أكبر من اقترابها من بعض أجنحة المعارضة المصرية، حيث إن مصر الرسمية أو مصر السلطة ترى في صعود حماس صعودا لجماعة الإخوان المسلمين، ووسيلة للتشدد في مفاوضات الحل النهائي للمشكلة الفلسطينية، وهنا تتلاقى مصر الرسمية مع الإدارة الأمريكية الجديدة التي تنظر كسابقتها إلى حماس بعيون إسرائيلية، أي باعتبارها منظمة إرهابية.
وبالإضافة إلى ذلك تعارض مصر الرسمية النفوذ السوري في المنطقة وخاصة في لبنان، وإن كان ذلك لا يصل بالضرورة لدعم سياسة احتواء أمريكية لسوريا، بينما المعارضة المصرية لا تولي اهتماما واضحا بتلك القضية، وبالنسبة للمسألة الإيرانية ترفض مصر أن تمتلك إيران تكنولوجيا عسكرية نووية، وستسعى لحل أزمتها مع الولايات المتحدة سلما في إطار حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل من كل دول المنطقة بما فيها إسرائيل، في حين أن مصر الشعبية لا يرى غالبيتها غضاضة في امتلاك إيران تلك التكنولوجيا طالما كان ذلك بغرض إصلاح الخلل في التوازن الإستراتيجي مع إسرائيل.
وفيما يتعلق بالمقاومة والإرهاب ونظرا لحال التبعية للولايات المتحدة، فإن مصر الرسمية تعتبر كل أعمال مواجهة الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية مقاومة مشروعة، خاصة مادامت تلك المقاومة لم تنطلق من أراضيها (مشكلة تهريب السلاح عبر الأنفاق في رفح)، وستسعى لدى الإدارة الأمريكية الجديدة لتفهم ردود فعل المقاومة الفلسطينية إزاء الاحتلال الإسرائيلي، كما أن مصر "السلطة" لا تبدي موقفا واضحا من أعمال مواجهة الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، وهو أمر لا يعتقد أنه سيتغير مع قدوم الإدارة الأمريكية الجديدة، لكنها ستدعم دون شك مخطط أوباما (إذا ما فاز) للخروج من العراق عسكريا، وعلى العكس تعتبر غالبية أطياف المعارضة المصرية الأعمال الموجهة للاحتلال الإسرائيلي والأمريكي مقاومة مشروعة تستحق التأييد، بل الدعم بغض النظر عن توقيتها ومكانها.
هكذا تتباين المطالب والمواقف المصرية من الإدارة الأمريكية الجديدة، وعلى الرغم من أن مسألة الانحياز الأمريكي لإسرائيل في لب العلاقات المصرية مع الإدارة الأمريكية الجديدة، فإن مسألة الإصلاح السياسي تبقى على رأس قضايا الخلاف أو الاتفاق مع تلك الإدارة، وإن غدا لناظره قريب.
خبير النظم السياسية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.
|