|
| البيت الأبيض |
قد يسأل زائر الموقع: لماذا ملف كامل عن انتخابات الرئاسة الأمريكية؟ هل يستحق الأمر أن يخصص له موقع مثل "إسلام أون لاين" مساحة ويجند له باحثين وصحفيين؟ وماذا يعود على القارئ العربي والمسلم من وراء ذلك؟.
ربما تكون نقطة البداية للإجابة عن هذه الأسئلة هي الإشارة إلى أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي تجري كل أربعة أعوام عادة ما تكون بمثابة لحظة كاشفة تجسد واقع الولايات المتحدة الأمريكية.. لكن تلك اللحظة حتى تكون كاشفة فعلا تحتاج إلى إخضاع مجرياتها للتحليل الدقيق بعيون مستقلة؛ ذلك لأن المسكوت عنه في الحملات الانتخابية أحيانا ما يكون أكثر دلالة بكثير مما يقال فعلا، والقضايا الانتخابية التي تهيمن على الحملة الانتخابية قد لا تعكس بالضرورة الأولويات الحقيقية للناخب، ولكنها تعبر عن مصالح الأقوياء والوزن النسبي للقوى المختلفة.
ومن هنا قد تؤدي الانتخابات إلى تغيير الوجوه والأحزاب دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تغيير حقيقي في جوهر السياسات المتبعة أو التوجهات الحاكمة للعملية السياسية ككل.
انتخابات استثنائية
ويصدق ذلك أكثر ما يصدق على الانتخابات الرئاسية الحالية، فالولايات المتحدة الأمريكية تمر بلحظة فارقة تعاني فيها من أزمة عميقة ومركبة، فهي تعاني أزمة اقتصادية كبرى كان آخر تجلياتها الأزمة المالية الراهنة، التي خرجت عن حدود السيطرة في منتصف سبتمبر الماضي، وهي تعاني أيضا أزمة في سياستها الخارجية، فقد غزت أمريكا بلدين بحجم العراق وأفغانستان، ولم تحقق في أي منهما الأهداف التي كانت إدارة بوش قد حددتها بنفسها منذ البداية للغزو والاحتلال، وبسبب استخدام القوة الغاشمة والأحادية في صنع القرار الدولي خسرت الولايات المتحدة الكثير من رصيدها وهيبتها حول العالم.
وفوق كل ذلك، فإن الديمقراطية الأمريكية نفسها تعاني من أزمة خطيرة، ففي الأعوام الثمانية الأخيرة تعرضت الحريات المدنية إلى انحسار غير مسبوق وتم تقويض التوازن الدقيق بين المؤسسات المختلفة بعد أن نجحت المؤسسة التنفيذية في التوسع في صلاحياتها على حساب صلاحيات المؤسستين التشريعية والقضائية، كما انهارت في كثير من الأحيان الرقابة التشريعية، وفضلا عن كل ذلك تم حرمان الإعلام من الكثير من المعلومات عبر التعتيم والسرية أحيانا، وعبر زجر الصحفيين وعقابهم في أحيان أخرى عبر حرمان من ينتقد البيت الأبيض من المعلومات في المرات التالية.
العالم وأزمات أمريكا
والأزمات الأمريكية لا تخص الأمريكيين وحدهم، فهي تؤثر علينا جميعا خصوصا فى العالم العربي والإسلامي، فالولايات المتحدة رغم أزماتها العميقة تظل هي القوى العظمى الوحيدة فى العالم حتى إشعار آخر، وهي قوة ذات طابع إمبراطوري، وهو الطابع الذي يشكل علاقتها بالعالم، فالإمبراطورية عادة تعادي كل من يقاوم هيمنتها، بل أكثر من ذلك، فالإمبراطورية الأمريكية التي ظلت طوال العقد الماضي تختلف في الكثير من سماتها عما سبقها من إمبراطوريات بدأت في الآونة الأخيرة تكتسب بعض خصائص الإمبراطوريات التقليدية عبر الاحتلال العسكري المباشر، وهو احتلال لدولتين في قلب العالم الإسلامي.
لكن الولايات المتحدة لا يمكنها على المدى الطويل أن تظل ذات طابع إمبراطوري وديمقراطي معا، فالطابع الإمبراطوري يقوض الديمقراطية الأمريكية ذاتها عبر عسكرة السياسة والمجتمع واعتماد إجراءات استثنائية تقوض الحريات وتدمر التوازن المؤسسي وتفرغ الرقابة الشعبية والتمثيلية من محتواها الحقيقي.
ومن هنا سوف يكون على المواطن الأمريكي في لحظة تاريخية ما أن يختار بين الديمقراطية والإمبراطورية، وهو الذي سوف يطرح بآثاره العميقة ليس فقط على العالم الإسلامي، وإنما على السياسة الدولية ككل.
ولهذا السبب يصبح من المهم متابعة الشأن الأمريكي الداخلي قبل الخارجي، فالداخل الأمريكي وحده هو القادر على تغيير علاقة أمريكا بالعالم، ولعل الانتخابات الرئاسية نقطة بداية معقولة في ذلك الصدد.
وبناء على كل الاعتبارات السابقة يطرح هذا الملف سؤالا محوريا يقوم على أساسه اختيار الموضوعات وتقسيم الأبواب، وهو: هل يملك النظام السياسي الأمريكي من الآليات ما يمكنه من الخروج من الأزمة الحالية؟ هل يمكن للانتخابات مثلا أن تكون الوسيلة للخروج من هذه الأزمة؟
بعبارة أخرى، إلى أي مدى سوف تنجح الانتخابات الرئاسية الحالية في أن تخرج بأمريكا من الأزمة الكبرى التي تعيشها في اللحظة الراهنة؟ وما الذي تعطيه إيانا تلك الانتخابات من مؤشرات يمكن استخدامها لاستشراف مستقبل أمريكا تحت حكم رئيس جديد؟.
خبيرة في الشئون الأمريكية. لها العديد من المؤلفات، أبرزها: "الكونجرس الأمريكي.. المؤسسة المنسية عربيا" (2001)، و"كيف ينتخب الرئيس الأمريكي.. قيود وتعقيدات، وأشياء أخرى" (أكتوبر 2008).
|