English

 

الأحد. أكتوبر. 12, 2008

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » أفغانستان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

تفاديا لمصير السوفيت.. الناتو يتطلع لحوار طالبان

أحمد دياب

Image
تمركز القوات الأمريكية والبريطانية في أفغانستان
حفلت الذكرى السابعة لنجاح القوات الأمريكية في إسقاط حكومة طالبان في أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، بتقويمات متشائمة لمستقبل الاحتلال الأمريكي والغربي لهذا البلد في ظل العودة القوية لحركة طالبان ونجاحها في شن هجمات نوعية ضد قوات حلف الناتو وقوات الحكومة الأفغانية المتحالفة معها، والتي بلغت ذروتها خلال هذا العام.

وبدأ الخبراء والعسكريون الغربيون يرسمون لوحة سوداوية لمستقبل وجودهم في أفغانستان، ويفكرون فيما لم يكن ممكنا التفكير به قبل ذلك، وهو التفاوض مع حركة طالبان، رغم ما ينطوي على ذلك من مخاطر لواشنطن وحلفائها، إذ لم يعد نادرا الحديث عن أن أفغانستان كانت الصخرة التي سجلت بداية انهيار الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو، ويمكنها كذلك أن تصبح الصخرة التي تسجل بداية الهزيمة العسكرية الغربية المشتركة وانهيار حلف شمال الأطلسي نفسه، فخسارة الحرب هناك، بمعنى العجز عن تحقيق أهدافها، يعني سقوط الصيغة الجديدة التي اعتمدها الحلف لنفسه، وسوّغ بها استمرار وجوده رغم سقوط حلف وارسو.

تقويمات متشائمة

التقويمات المتشائمة هذه بدأت في تقرير أعدّه مركز بحوث "سنلس كاونسيل"، وهو مركز بحثي بريطاني معني بشئون الأمن والتنمية، عن الأوضاع في أفغانستان أواخر عام 2007، كشف أن مستقبل الوضع الأفغاني يبعث على التشاؤم، وانتهى إلى أن "كل الأمور تتجه إلى الأسوأ في أفغانستان". وفي إجابة عن أسئلة الصحفيين، قال بول بيرتون الذي قرأ التقرير الذي حمل عنوان "أفغانستان على شفير الهاوية": إن "هزيمتنا في أفغانستان ستكون كارثية للغرب ولمستقبل الناتو".

وفي فبراير الماضي، صدرت أربعة تقارير دولية حول الوضع المضطرب في أفغانستان، لعل أهمها تقرير "المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية" بلندن، الذي قدم تقويمًا سوداويًا للوضع، محذرًا من تحولها إلى دولة متداعية وعاجزة، ورجح التقرير إمكانية تحولها إلى قاعدة لنشر التطرف وملاذً للتنظيمات الإرهابية، مبديا أسفه لعدم تمكن الحلف الأطلسي من حل المشكلات المطروحة في أفغانستان والانعكاسات الكارثية لذلك على الدول المجاورة.

وفي مقابلة مع صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية نشرت في الخامس من أكتوبر الجاري، قال البريغادير مارك كارلتون سميث قائد الكتيبة الجوية الهجومية 16: إنه "يجب خفض التوقعات" بشأن النزاع في أفغانستان، داعيًا البريطانيين إلى أن يستعدوا لاتفاق ممكن مع طالبان.

وبرغم انتقاد وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس لهذه التصريحات التي وصفها بـ"الانهزامية"، فإن الجنرال ديفيد بتريوس، قائد القيادة المركزية الأمريكية، دعا بلاده، في كلمة ألقاها في الثامن من أكتوبر الجاري في مؤسسة "هيرتيدج" المحافظة للدراسات والبحوث في واشنطن، إلى اتخاذ مبادرات لفتح حوار مع مقاتلي حركة طالبان في أفغانستان، وأوصى واشنطن بتبني هذه الإستراتيجية مع أعدائها، مشيدًا بمبادرة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي المتعلقة بإجراء مناقشات مع طالبان عبر السعودية.

وكشفت صحيفة "نيويورك تايمز" في التاسع من أكتوبر الجاري، أن مسودة تقرير لأجهزة المخابرات الأمريكية خلصت إلى أن الوضع في أفغانستان، يشهد تدهورا مستمرا، ما أثار شكوكا حول قدرة الحكومة الأفغانية في القضاء على نفوذ حركة "طالبان". ونقلت الصحيفة عن مسئولين أمريكيين على علم بالوثيقة قولهم: "إن التقرير السري وجد أن الانهيار في السلطة المركزية في أفغانستان ازداد بسرعة بسبب الفساد داخل حكومة الرئيس حامد كرزاي، وبسبب زيادة الهجمات التي يشنها مقاتلو طالبان انطلاقا من باكستان".

وأضافت الصحيفة أنه "من المقرر الانتهاء من التقرير وهو نسخة شبه كاملة لتقييم لجهاز المخابرات الوطنية بعد الانتخابات التي تجرى في نوفمبر المقبل حيث سيكون التقييم الأمريكي الأكثر شمولا منذ سنوات حول الوضع في أفغانستان".

وأشار المسئولون إلى أنه بالإضافة إلى هجمات طالبان، فإن العديد من المشكلات الأكثر إزعاجا في أفغانستان هي من صنع البلاد نفسها. ولفت التقرير بعبارات شديدة اللهجة إلى "تأثير تجارة الهيروين المزدهرة في أفغانستان على التسبب في حالة من عدم الاستقرار في البلاد". وتشير تقديرات إلى أن تجارة الهيروين تشكل 50% من اقتصاد أفغانستان.

محددات المأزق

هناك الكثير من الأسباب التي تجعل من التفاوض مع حركة طالبان مسألة وقت لا أكثر، ويمكن التوقف أمام عدد منها:

السبب الأولهو اقتناع الأطراف الغربية باستحالة الحل العسكري في أفغانستان، فقد تعاظمت الخسائر البشرية والمالية الغربية في أفغانستان بسبب العمليات العسكرية التي يشنها رجال طالبان مدعومين من تنظيم "القاعدة". وهي العمليات التي أسفرت حتى الآن عن مقتل 600 جندي أمريكي وإصابة مئات آخرين، حسب بعض التقديرات.

لقد شنت أمريكا حربها الخاطفة على نظام طالبان الذي لم يصمد طويلا في وجه آلتها العسكرية المتطورة، لكن مخططيها ارتكبوا خطأ فادحًا عندما اعتبروا هذه الحرب مجرد محطة "سهلة"، لذا لم تضع واشنطن ثقلًا عسكريًا في أفغانستان ولم تنشر فيها ما يكفي من الجنود للقضاء نهائيا على حركة طالبان، ولم تخصص لها المبالغ المطلوبة لمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي مكنت الحركة من إقامة نظامها السابق.

وإلى عام مضى كان هناك نحو 30 ألف جندي من قوات الناتو وحلفائه في أفغانستان، أي أقل بخمس مرات من العراق، على أرض أكبر وأصعب، واليوم يقترب العدد من 60 ألفًا، لكن هذه القوات مختلطة جدًا، وهي تمثل نحو 15 جنسية، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان توفير التنسيق الكافي والفعال فيما بينها؛ لذا من الصعب على قوات "الناتو "النجاح في أفغانستان بعدد قوات لا يتعدى 70 ألف جندي، في حين فشلت روسيا في إخضاع البلد بحوالي نصف مليون من جنودها.

ولم يعد خافيًا اليوم أن عدد القتلى من الجنود الأمريكيين هو أكبر في أفغانستان منه في العراق. والفكرة التي تتردد لدى الإستراتيجيين وخبراء الحرب الغربيين هي أن تكوين الجيش الأفغاني كي يكون قادرا على مواجهة مقاتلي طالبان يتطلّب ما بين 10 إلى 15 عاما.

السبب الثاني هو ارتفاع كلفة الوضع الأفغاني بالنسبة للغربيين على جميع الصعد، فهناك مصاريف مالية باهظة لتغطية وجود أكثر من 60 ألف عسكري، بالإضافة إلى الخسائر البشرية التي لا تتوقف. وتمارس واشنطن في الوقت الحالي نوعًا من الابتزاز على حلفائها في "الناتو" واليابان، الرافضين إرسال قوات إلى أفغانستان، وخيرتهم بين الانخراط في القتال أو دفع 17 مليار دولار تكلفة بناء جيش أفغاني.

وقال جيف موريل المسئول الصحفي في وزارة الدفاع الأمريكية في السادس من أكتوبر الجاري: "هذا مبلغ طائل ويتعين على جهة ما أن تدفعه"، مضيفًا: "ربما تكون هذه إحدى الحالات التي يمكن فيها للدول التي لا ترغب في المساهمة بقوات وبخاصة قوات قتالية أن تشارك في المهمة من خلال المساهمة المالية في تطوير الجيش الوطني الأفغاني"، وصور موريل هذا الوضع بقوله: "أولئك الذين يقاتلون وأولئك الذين يحررون شيكات".

وتعكس الحملة التي تشنها وزارة الدفاع الأمريكية لتقسيم التكلفة إدراك المسئولين الأمريكيين أن بعض الحلفاء لن يرسلوا أي قوات على الرغم من الضغوط الشديدة التي تمارسها واشنطن، وهو أمر تحاول أوروبا أن تبلغ به الولايات المتحدة منذ أكثر من عام، ولكن هذا الأمر يهدد أيضا بظهور انقسام في حلف شمال الأطلسي، وهو ما سبق أن حذر منه وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس، حينما قال خلال مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير الماضي: إن "حلف الأطلسي يخاطر بإحداث انقسام بين الحلفاء الذين يرغبون في القتال والموت، وبين من لا يرغبون في ذلك".

وكان ذلك في سياق رده على إعلان وزير الدفاع الألماني يوزف يونج أن النزاع في أفغانستان لن يحسم فقط بالوسائل العسكرية، قائلًا: "يبدو لي أحيانًا أننا نركز على القوة العسكرية، على حساب التنمية وإعادة الإعمار، وإذا أهملنا تلك الجوانب، فإننا نرتكب خطأ فادحا". وهذا الموقف لا ينفرد به الوزير الألماني بل هو موضع إجماع من الساسة الأوروبيين.

الاحتلال يطلب وطالبان ترفض

ولعل هذه الأسباب مجتمعة هي ما دفعت بالرئيس الأفغاني حامد كرزاي في مطلع أكتوبر الجاري إلى طرح مفاجأة كبرى على الملأ، تمثلت في دعوته الملا عمر إلى العودة إلى أفغانستان لـ"المشاركة في إعادة إعمار البلد"، قائلا: إن عرضه هذا جاء في سياق طلب تقدم به إلى ملك السعودية عبد الله بن عبد العزيز، لتدخل المملكة في المساعدة على تنظيم محادثات مع حركة طالبان. وأطرف ما في الأمر هو أن العرض الذي تقدم به كرزاي لزعيم حركة طالبان المتخفي منذ نهاية العام 2001، أنه يضمن له حمايته من القوات الأجنبية، لكن الملا المطارد رد في بيان إلكتروني يضمن فيه "أمن الغزاة في حال انسحابهم من أفغانستان".

وبالعودة إلى عام 2001، نجد أن الإدارة الأمريكية وضعت زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وحليفه الملا عمر هدفًا لـ"الحرب على الإرهاب"، ولكن حين تبين لها صعوبة الأمر، بل استحالته، تراجعت عنه خشية أن يصبح تحقيق هذا الهدف هو المعيار لنجاح الحرب من عدمه، ورغم أنها لم تحقق شيئًا مما كانت ترمي إليه، في مطاردات استمرت نحو سبع سنوات، فإن أسر أو قتل هذين الشخصين بقي هدفًا محوريًا، كما أنه لم تكن مسألة القضاء على "القاعدة" و"طالبان" قابلة للنقاش.

فهل بعد هذه السنوات وصل الفشل إلى الحد الذي يبرر عودة "طالبان" بين عشية وضحاها؟ الجواب هو أن أمر العودة صار مفروغًا منه، وبقي تحديد الإخراج المناسب. وليس سرًا أن بريطانيا تجري مفاوضات مع طالبان منذ عامين، وفرنسا التي تتحدث عن انسداد طريق الحل العسكري، سارعت مؤخرًا على لسان رئيس وزرائها فرانسوا فيون للإعلان عن ضرورة التفاوض مع الأطراف التي تريد الحل في أفغانستان، واستبقت باريس كرزاي بالطلب من الرياض وضع ثقلها لتسهيل العملية.

وحتى وقت قريب كانت هناك عقبتان: الأولى هي رفض الرئيس الأمريكي جورج بوش التفاوض مع طالبان، والثانية هي اشتراط طالبان مغادرة كرزاي ورحيل القوات الأجنبية لبدء المفاوضات، وقد صار واضحًا أن بوش لن يشكل عقبة فهو في وضع غير قادر فيه على تغيير مجرى العملية، وليس من العبث ترحيب الجنرال الأمريكي ديفيد ماكيرنان، قائد قوات حلف الناتو في أفغانستان، بخطة كرزاي ووصفها بـ"الذكية".

ويرجح المراقبون أن النقطة الثانية هي التي ستكون بيضة القبان، ففي المقايضة التي من المحتمل جدًا حصولها، تبدو مغادرة كرزاي أخف وطأة. فواقع الأمر أن دعوته لمحاورة طالبان تأتي من موقع ضعف وليست من موقع قوة؛ لذا فإن موقف حركة طالبان الرافض لنداءات كرزاي مبني على معرفة الحركة أن الرئيس الأفغاني إنما يعبر عن رغبة قوات الاحتلال التي ترفض طالبان بقاءها، وتبعًا لذلك، فإن مقاتلي طالبان غير مستعدين للجلوس معه.


باحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات