|
| أوباما ملقيا خطابه أمام مؤتمر لمنظمة إيباك |
جرت العادة أن يفاضل العرب والمسلمون بين مرشحي الحزب الديمقراطي والجمهوري في انتخابات الرئاسة من زاوية خداعة، هي ما يعكسه الإعلام الأمريكي فقط من مواقف مختلفة للمرشحين تجاه قضايا أمريكية داخلية من دون التركيز على خلفياتهما ومواقفهما الحقيقية من قضايانا العربية والإسلامية، ليسهل تحليل مستقبل سياسات الرئيس الجديد في التعامل مع قضايا.
ولذا فمن المهم أن نركز في تغطيتنا للانتخابات الأمريكية على زاوية المصالح العربية والإسلامية، وألا نغفل أن هناك انتخابات قد تتساوى في أهميتها مع انتخابات الرئاسة، وهي انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الذي يحدد السياسة العامة لأمريكا ويلعب دورا في مساندة أو تحجيم الرئيس.
إذ يواكب انتخابات الرئاسة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، التي تدور حول كل مقاعد مجلس النواب البالغة 435 مقعدا، وثلث مقاعد مجلس الشيوخ (33 مقعدا) المكون من 100 مقعدا.
أوباما.. عديم الخبرة
وسنركز، نتيجة للاعتبارات السابقة، على تاريخ المرشحين ومواقفهما تجاه القضايا العربية والإسلامية بشكل أكبر، وكذلك على أبرز القضايا المعتقد أنها ستشغل الرئيس المقبل.
ولأن آخر استطلاعات الرأي لا تزال توضح تقدم المرشح الديمقراطي باراك أوباما على المرشح الجمهوري جون ماكين بحوالي 11 نقطة (52% لأوباما مقابل 41% لماكين)، فمن المهم أن نتساءل: ما هو الجديد الذي يمكن أن يقدمه باراك أوباما للعرب والمسلمين لو فاز؟ وهل صحيح أن أجندته الخارجية - كما يقول مسئولو حملته الانتخابية - تتضمن اهتماما مبكرا بالقضية الفلسطينية بعكس بوش والرؤساء الجمهوريين الذين لا يهتمون إلا في العام الأخير من حكمهم بها، أم أن "واقع" السياسة غير "وعودها" الانتخابية؟
فباراك أوباما (47 سنة) مرشح الحزب الديمقراطي يطرح نفسه بقوة باعتباره مرشح "التغيير"، وأنه الذي سيعيد المجد الأمريكي لسابق عهده وينفض عن بلاده ما علق بها من ركود وسمعة سيئة، ويعيد تجديد الحلم الأمريكي، وتبدو جذوره الإفريقية والإسلامية كعنصر جذب يجعل العرب يفضلونه بدعوى أنه قادر على تفهم قضايا العرب والمسلمين بحكم هذه الجذور.
ولكنه أوباما عديم الخبرة بالمنطقة العربية والإسلامية، وصلته بها لا تتعدى كونه مولودا في كينيا وعاش لفترة من صباه في كنف أب مسلم وزوج أم مسلم، والأكثر ترجيحا أن هذه الجذور الإسلامية جعلت على رأسه "بطحة" يستغلها خصومه تارة بالقول إنه مسلم يتخفى في المسيحية، وتارة بأن جذوره ربما تجعله يناصر الحق العربي أمام إسرائيل، مما يجعله تحت المجهر من قبل أعدائه، وبسبب هذا زار إسرائيل وارتدى القلنسوة اليهودية أمام حائط المبكى وأيد سيطرة اليهود على القدس.
والأخطر أن أوباما - الشاب عديم الخبرة - سعى لاستكمال خبرته بتعيين عجوز مخضرم هو نائبه السيناتور جون بايدن (65 سنة)، رئيس لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ، والأصولي المحافظ في المعسكر الديمقراطي، وصاحب مقولة "أنا صهيوني" الشهيرة، ومتزعم خطة تقسيم العراق لدويلات شيعية وكردية وسنية عام 2006، للحد الذي جعل كثيرين يتخوفون أن يكون بايدن هو الرئيس الفعلي المقبل من وراء ستار أوباما و"الملك" الذي يحكم.
وحتى لو كانت أجندة أوباما بالفعل تركز على المنطقة العربية منذ بداية حكمه للبحث عن حل لأزمة فلسطين وإنهاء التوتر في المنطقة، فهناك ثوابت سياسية أمريكية تنحاز لإسرائيل لا تتغير، وسيصعب على أوباما تغييرها، فضلا عن أن أزمة الانهيار المالي الأمريكية الأخيرة حولت اهتمامات كلا المرشحين للرئاسة وكل المطبخ السياسي الأمريكي للداخل، مما سيجعل أمريكا تنعزل داخليا لفترة طويلة لحل مشاكلها الاقتصادية.
والحقيقة أن هذا الانكباب على حل المشكلات الداخلية يمكن أن يكون فرصة للعرب، الذين تسعى واشنطن للاستعانة بصناديق الثروة السيادية الخاصة بهم لضخ أموال واستثمارات في الجهاز المالي الأمريكي المنهار لإنعاشه، بحيث يستخدم العرب هذا السلاح لمعادلة وموازنة الدور الأمريكي في المنطقة العربية المنحاز لتل أبيب، إلا أن لا توجد أية مؤشرات عربية توحي بإدراك أهمية هذا السلاح.
ماكين الأسوأ للعرب
على الجانب الآخر يبدو الجمهوري جون ماكين (71 سنة) ليس فقط امتدادا لبوش وسياسته وللتيار الأصولي المسيحي المحافظ المتطرف الحاكم حاليا، وإن كان في شكل أكثر دبلوماسية بعيدا عن سياسة "عسكرة السياسة الخارجية" التي اتبعها بوش، وإنما يمكن اعتباره أيضا - إن جاز التعبير - "أبو المحافظين الجدد" وصاحب سياسات التشدد مع العرب.
فتاريخ جون ماكين يتفوق على تاريخ بوش في التطرف، فقد دعا إلى تغيير نظام صدام حسين وإعادة بناء الشرق الأوسط بما يخدم مصالح إسرائيل 1998، وهو أول من نادى بحرب العراق عام 2001، كما أنه من دعاة التخلي عن عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية القائمة على أساس من اتفاقات أوسلو وتأديب الفلسطينيين، وكذلك من دعاة تغيير أنظمة الحكم العربية بالقوة.
ولو عدنا لانتخابات الحزب الجمهوري عام 2000 فسنجد أن المحافظين الجدد ساندوا ماكين عندما كان مرشحا للرئاسة في الانتخابات التمهيدية في مواجهة بوش، ولكن الخلافات بينه وبينهم جعلتهم يختارون بوش عديم الخبرة لسهولة السيطرة عليه.
ثم إن ماكين من أشد الداعين إلى تبني سياسة المواجهة مع إيران وسوريا، وهو يعارض سياسات الديمقراطيين التي تدعو للحوار معهما وتفعيل الدبلوماسية على المواجهة العسكرية، وكان اختياره لـ"سارة بالين"، الشابة (44 سنة) عديمة الخبرة السياسية لاستكمال النقص في حملته بعد اتهامه بأنه عجوز، ولإظهار تشدد إدارته مع "الدول المارقة" - حسب التعبير الأمريكي - حيث إن "بالين" المشهورة بأنها المرأة الحديدية لها مواقف متشددة تجاه هذه الدول.
ولذلك من غير المتوقع من ماكين أن يلعب دورا جيدا في قضايا العرب والمسلمين، مثل فلسطين والعراق ومحور الأزمة الأفغاني - الباكستاني، وكذلك ما يجري في السودان والقرن الإفريقي وفي الشأن الإيراني السوري، ولا أن تتحسن السياسة الأمريكية العامة تجاه الإسلام والعالم العربي، خصوصا أن لماكين قناعات دينية أمريكية محافظة تعادي بطبعها وثقافتها العرب والمسلمين.
وقد جاءت الأزمة المالية الأمريكية الأخيرة لتدفع ماكين للتركيز على طرح حلول للتعامل معها، والانهماك في خطط داخلية لإحياء الاقتصاد الأمريكي، مما يتوقع معه تجاهل القضايا الخارجية وترحيلها - كعادة الجمهوريين - إلى السنوات الأخيرة من حكمهم، وإحالة حل بعضها للإسرائيليين، وفيها مسألة الأزمة النووية الإيرانية، وهو ما قامت إدارة بوش بتهيئة الأجواء له عبر صفقات الصواريخ المضادة وقنابل الأعماق والطائرات الحديثة التي أمدت تل أبيب بها لمواجهة أي خطر إيراني.
ولذلك تبدو مصالح العرب والمسلمين، خاصة القضية الفلسطينية، مغيبة تماما وسط هذا الصراع الانتخابي، وما سيجري التعامل معه من ملفات عربية أو إسلامية، مثل الوضع في العراق أو التعامل مع إيران، سيكون من زاوية المصالح الأمريكية العاجلة.
بل إن العلاقات مع روسيا، بعد صراع الديناصورات الأخير الذي جرى في القوقاز، وما أظهره من عودة قوية للقطب الروسي، تبدو أكثر أهمية لماكين والجمهوريين من أي قضايا خارجية أخرى.
وفي كل الأحوال فإن من سيفوز في السباق الرئاسي المحتدم حاليا سيواجه تحديا كبيرا داخليا يتمثل في مواجهة الأزمات الاقتصادية الداخلية بعد أزمة الانهيار المالي للبنوك والمؤسسات الأمريكية، والتعامل مع العودة القوية لنشاط تنظيم القاعدة، نتيجة فشل سياسة الحرب على الإرهاب التي تبنتها الإدارة السابقة لبوش.
انتخابات الكونجرس الغائبة
والغريب أن الاهتمام العربي بالانتخابات الأمريكية ينصب على انتخاب الرئيس فقط، في حين أن الرئيس هو مجرد قمة جبل الجليد لمؤسسة صنع القرار، كما أنه مضطر للرضوخ لقرارات الكونجرس فيما يخص غالبية السياسيات.
فلجان الكونجرس هي مفتاح غالبية السياسات الأمريكية، ومع أن انتخابات التجديد النصفي تبدو أقل أهمية في نظر العديد من المتابعين للشأن الأمريكي، فهي ذات أهمية قصوى من زاوية أن من يسيطر على أغلبية مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، يسيطر على رئاسة لجان الكونجرس، وبالتالي على مفاتيح الحل والسيطرة داخل البيت الأبيض نفسه.وعندما فاز الحزب الديمقراطي بأغلبية المقاعد في الكونجرس في انتخابات عام 2006 (229 مقعدا من أصل 435 في مجلس النواب، و51 مقعدا من أصل 100 مقعد في مجلس الشيوخ)، انتقلت رئاسة كل اللجان إلى الأعضاء الديمقراطيين، وأصبح العمل الفعلي في الكونجرس - الذي يحدث داخل اللجان - سواء فيما يتعلق باقتراح وصياغة التشريعات أو بعملية التصديق على المعاهدات أو الموافقة على تعيين المرشحين للمناصب الفيدرالية المختلفة بأيديهم، مما أثر على إدارة بوش التي تتلقى مفاتيح المشاريع والقرارات من لجان الكونجرس وأعاق العديد من سياساتها.
بعبارة أخرى تبدو انتخابات التجديد النصفي للكونجرس أكثر أهمية في تحديد من يرأس اللجان، ومن يصبح له السيطرة على الأجندة التشريعية، ومن ثَم تغيير أولويات أجندة السياسة الأمريكية، وهو ما يعني إما "قصقصة" أجنحة الرئيس لو سيطر على الكونجرس أغلبية من حزب منافس لحزب الرئيس ( كما حدث في العامين الأخيرين لرئاسة بوش)، أو تعزيز قراراته لو كان حزب الرئيس هو من له الغلبة في الكونجرس.
ولذلك لا يمكن الحكم على فوز أوباما أو ماكين أو معرفة إذا ما كان هناك تغيير فعلي في الملف العراقي أو الإيراني أو غيره، دون معرفة نتيجة انتخابات الكونجرس، ومعرفة لمن تكون الغلبة في الكونجرس الجديد.
أي أن انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، التي ستجري في 4 نوفمبر المقبل، تنبع أهميتها من أنها ستحدد من يسيطر على مطبخ السياسة الأمريكية.
فلو فاز المرشح الديمقراطي ونجح حزبه في تأمين أغلبية له في مجلسي النواب والشيوخ، فسيكون الباب مفتوحا أمامه للتحرك بحرية في تنفيذ برنامجه، أما لو فاز الجمهوريون بأغلبية المقاعد فسيعاني الرئيس المقبل نفس معاناة بوش مع الديمقراطيين في العامين الأخيرين في الكونجرس.
والعكس صحيح فيما لو فاز جون ماكين الجمهوري، وظلت السيطرة الحالية في الكونجرس للديمقراطيين، حيث سيتكرر سيناريو بوش، أما لو نجح الجمهوريون في تأمين أغلبية في الكونجرس لرئيسهم المنتخب فسيفتح هذا الباب أمام استكمال المحافظين الجدد أجندتهم في التدخل العسكري في إيران أو سوريا، كما سيقوي هذا شوكة التيار الإنجيلي المتطرف الذي يؤمن بحق الصهاينة في السيطرة على فلسطين وحدهم، ويؤجج الصراع الديني.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|