English

 

الخميس. أكتوبر. 9, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » إستراتيجيات » قراءات أمريكية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

فوكاياما: النموذج الأمريكي يتعرض لمحنة يمكن تجاوزها *

فرانسيس فوكوياما

ترجمة - سارة إبراهيم

Image
عن مجلة نيوزويك الأمريكية
"إن الصورة الأمريكية تتعرض لاختبار قاس في وقت تبدو النماذج الأخرى، سواء الصينية أو الروسية، أكثر جاذبية بدرجة متزايدة.. إن استعادة سمعتنا الطيبة وإحياء جاذبية النموذج الخاص بنا يعد تحديا لا يقل صعوبة في الكثير من جوانبه عن التحدي المرتبط بتحقيق الاستقرار داخل القطاع المالي".

بهذه الكلمات عبر "فرانسيس فوكوياما" في مقال نشر له بمجلة نيوزويك الأمريكية، عن التحديات التي يواجهها النموذج الأمريكي نتيجة الأزمة المالية التي تمر بها الولايات المتحدة الآن. وفوكاياما هو أحد المفكرين الأمريكيين البارزين، والمنظر السابق لانتصار الرأسمالية الغربية، في كتابه الشهير "نهاية التاريخ وخاتم البشر"، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، بوصفها أفضل نموذج توصلت إليه البشرية عبر التاريخ.

وفيما يلي نص المقال:

انهيار كبريات المصارف الاستثمارية الأمريكية، واختفاء ما يزيد على تريليون دولار من ثروات سوق الأسهم خلال يوم واحد فقط، والتحرك نحو محاولة إنقاذ الوضع بضخ 700 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب.. كلها أمور توضح ضخامة الانهيار الذي تجابهه وول ستريت.

بيد أنه في الوقت الذي يتساءل الأمريكيون حول ما يجبرهم على دفع مثل هذه المبالغ المالية الضخمة للحيلولة دون انهيار الاقتصاد تماما، لا يلتفت سوى القليلين إلى التكاليف الأقل وضوحا، والتي ربما تكون أكثر فداحة، المترتبة على الانهيار الاقتصادي والمرتبطة بصورة الولايات المتحدة.

في واقع الأمر، تعد الأفكار واحدة من أهم صادراتنا، ومنذ مطلع الثمانينيات، عندما تم انتخاب رونالد ريجان رئيسا للبلاد، هيمنت فكرتان أمريكيتان على الصعيد الفكري العالمي: تمثلت الفكرة الأولى في تصور معين للرأسمالية يقوم على إقرار ضرائب منخفضة، والتخفيف من حدة القيود والتنظيمات على النشاط التجاري، باعتبار ذلك المحرك وراء النمو الاقتصادي.

وجاء التوجه الجديد الذي أقره ريجان متعارضا مع التوجه الذي ساد الولايات المتحدة على امتداد قرن كامل وتمثل في التحرك المستمر نحو بناء كيان حكومي أكبر، ونتيجة لذلك أصبح التحرك نحو تقليص القيود والتنظيمات على النشاط التجاري هو القاعدة السائدة ليس فقط داخل الولايات المتحدة، وإنما بمختلف أنحاء العالم.

أما الفكرة الثانية الكبرى فتمثلت في أن أمريكا هي الداعم الرئيسي لنشر الديمقراطية الليبرالية في شتى بقاع العالم، والتي جرى النظر إليها باعتبارها السبيل الأمثل نحو بناء نظام دولي أكثر رخاءً وانفتاحا.

واعتمدت قوة ونفوذ أمريكا ليس فقط على دباباتها ودولاراتها، وإنما كذلك على حقيقة أن معظم الشعوب شعرت بالإعجاب حيال النمط الأمريكي للحكم، ورغبت في إعادة صياغة مجتمعاتها على النسق ذاته، وهو ما أطلق عليه العالم السياسي جوزيف ناي اسم "القوة الناعمة".

سقوط النموذج الأمريكي

أما الآن فمن الصعب تخيل حجم الضرر الذي لحق بهذه الملامح الرئيسية المميزة للصورة الأمريكية، سواء فيما يتعلق بتصورها للرأسمالية أو بدعمها للديمقراطية، فبين عامي 2002 و2007، بدا من السهل تجاهل الاشتراكيين الأوروبيين والشعبويين من أمريكا اللاتينية الذين نددوا بالنموذج الاقتصادي الأمريكي باعتباره "رأسمالية راعي البقر"، حيث كان العالم يتمتع بفترة غير مسبوقة من النمو.

وأما الآن فقد تعطل المحرك الرئيسي وراء هذا النمو، وهو الاقتصاد الأمريكي؛ ما يهدد بالإضرار بباقي أنحاء العالم، والأسوأ من ذلك أن النموذج الأمريكي ذاته هو المتهم في هذه الأزمة؛ ذلك أنه تحت شعار تنظيم حكومي أقل، أخفقت واشنطن في تنظيم قطاعها المالي بصورة ملائمة وسمحت له بإنزال مثل هذا الضرر الهائل بباقي جنبات المجتمع.

أما الديمقراطية فتلطخت صورتها في وقت مبكر؛ ذلك أنه بمجرد التأكد من عدم امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل، سعت إدارة بوش لتبرير الحرب في العراق من خلال ربطها بـ"أجندة حرية" أوسع نطاقا، وعليه، وفجأة، تحولت مسألة تعزيز الديمقراطية إلى السلاح الرئيسي في الحرب ضد الإرهاب، وبالنسبة للكثيرين في شتى بقاع العالم، بدا الخطاب الأمريكي حول الديمقراطية مجرد ذريعة لتعزيز الهيمنة الأمريكية.

وبذلك يتضح أن الخيار الذي نواجهه حاليا يتعلق بما هو أكبر من خطة الإنقاذ المالي، أو الحملة الانتخابية الرئاسية.. إن الصورة الأمريكية تتعرض لاختبار قاس في وقت تبدو النماذج الأخرى، سواء الصينية أو الروسية، أكثر جاذبية بدرجة متزايدة.. إن استعادة سمعتنا الطيبة وإحياء جاذبية النموذج الخاص بنا يعد تحديا لا يقل صعوبة في الكثير من جوانبه عن التحدي المرتبط بتحقيق الاستقرار داخل القطاع المالي.

من الواضح أن كلا من باراك أوباما وجون ماكين سيجلبان نقاط قوة مختلفة على صعيد معالجة الأزمة المالية، لكن هذه المهمة ستمثل تحديا هائلا أمام أي منهما ولسنوات عديدة، كما أنه ليس بمقدورنا مجرد الشروع في التصدي للأزمة الراهنة دون أن نتفهم بوضوح ماهية الخطأ الذي وقع، وأي جوانب النموذج الأمريكي ما تزال قوية، وأيها جرى تنفيذه بصورة سيئة، وأيها ينبغي التخلص منه نهائيا.

نهاية حقبة ريجان

أشار الكثيرون من المعلقين إلى أن تداعي وول ستريت يشكل نهاية حقبة ريجان، وهم محقون في ذلك لا شك، حتى وإن نجح ماكين في الفوز في الانتخابات في نوفمبر القادم.. إن الأفكار العظيمة تولد من رحم حقبة تاريخية بعينها، وقليل منها يبقى على قيد الحياة عندما يتغير الإطار التاريخي بصورة دراماتيكية، وهذا هو السبب وراء ميل السياسات للتحول ذهابا وإيابا بين اليمين واليسار خلال دورات تمتد على مدار أجيال.

بالنسبة للتوجه الريجاني (أو الثاتشري في صورته البريطانية)، فقد كان مناسبا تماما في عهده، فمنذ الاتفاق الجديد New Dealالذي تم إقراره في الثلاثينيات في عهد فرانكلين روزفلت، شهد حجم الحكومات بمختلف أنحاء العالم تناميا مستمرا، وبحلول السبعينيات، كانت دول الرفاه والاقتصاديات الكبرى قد اختنقت جراء الروتين وباتت تعاني من الخلل الوظيفي، في ذلك الوقت كانت الهواتف مرتفعة التكلفة ومن العسير الحصول عليها، وكان الانتقال جوا ترفا لا يستطيع تحمل تكلفته سوى الأثرياء، ووضع معظم الأفراد مدخراتهم في حسابات مصرفية تقدم سعر فائدة منخفضا، وأسفرت برامج مثل مساعدة الأسر ذات الأطفال الذين تتم إعالتهم عن تثبيط الأسر الفقيرة عن العمل والاستمرار في الزواج، وعليه انهارت الأسر.

ثم جاءت الثورة الريجانية الثاتشرية لتزيد من سهولة استئجار وفصل العمال؛ ما تسبب في قدر بالغ من الألم مع انكماش الصناعات التقليدية أو انهيارها تماما، لكن هذه الثورة أيضا أقرت الأساس لقرابة ثلاثة عقود من النمو وظهور قطاعات جديدة مثل تقنية المعلومات والتقنيات الحيوية.

على الصعيد الدولي، تمت ترجمة الثورة الريجانية إلى "إجماع واشنطن" Washington Consnsus، وطبقا له قامت واشنطن والمؤسسات الواقعة تحت نفوذها مثل صندوق النقد والبنك الدوليين بدفع الدول النامية نحو فتح اقتصادياتها.

ورغم الانتقادات المستمرة التي يتعرض لها "إجماع واشنطن" من قبل الشعبويين أمثال رئيس فنزويلا هوجو شافيز،إلا أنه نجح في تخفيف وطأة أزمة الديون على عاتق دول أمريكا اللاتينية في مطلع الثمانينيات، عندما أصيبت دول مثل البرازيل والأرجنتين بمعدلات تضخم بالغة الارتفاع، كما أن سياسات شبيهة صديقة للسوق هي التي نجحت اليوم في تحويل الصين والهند إلى قوى اقتصادية كبرى.

ويوجد مزيد من الأدلة على ذلك عند النظر إلى الأمثلة المتطرفة للحكومات الكبيرة، والاقتصاديات المركزية لدول الاتحاد السوفيتي السابق والدول الشيوعية الأخرى، فبحلول السبعينيات، كانت تلك الدول تتراجع أمام منافساتها الرأسمالية على جميع الأصعدة تقريبا، وأكد انهيارها في أعقاب سقوط سور برلين أن مثل هذا النمط من دول الرفاه محكوم عليه بالفشل من البداية.

ومثلما الحال مع جميع الحركات التي ترمي لإحداث تحول، ضلت ثورة ريجان طريقها بسبب تحولها في نظر الكثير من أنصارها إلى أيديولوجية معصومة من الخطأ، وليس استجابة برجماتية إلى تجاوزات دول الرفاه، وبذلك حظيت فكرتان رئيسيتان على هالة من القدسية حولهما، أولهما: أن إجراءات خفض الضرائب ستمول نفسها بنفسها، وثانيا: أن الأسواق المالية باستطاعتها تنظيم ذاتها.

قبل الثمانينيات اتسمت العناصر المحافظة بتوجهات محافظة على الصعيد المالي، بمعنى أنها لم تكن على استعداد لإنفاق أموال تتجاوز في حجمها الضرائب التي يتم تحصيلها إلا أن التوجه الاقتصادي الريجاني ابتكر فكرة أن أي إجراءات لخفض الضرائب سوف يحفز النمو وسينتهي الحال بالحكومة بحصد المزيد من العوائد. في واقع الأمر، كانت الفكرة التقليدية صحيحة، فأنت عندما تخفض الضرائب دون خفض الإنفاق، وينتهي بك الحال في مواجهة عجز بالغ، وعليه أسفرت إجراءات خفض الضرائب التي أقرها ريجان في الثمانينيات عن عجز كبير، بينما أدت الزيادات التي أقرها كلينتون في الضرائب في التسعينيات إلى تحقيق فائض، ثم جاء خفض بوش للضرائب في مطلع القرن الحادي والعشرين ليسفر عن عجز أكبر، ولم تنجح حقيقة تحقيق الاقتصاد نموا في عهد كلينتون بقدر ما تحقق في عهد ريجان، في زعزعة إيمان المحافظين بأن خفض الضرائب هو العنصر الجوهري لتحقيق النمو.

الأهم من ذلك أن العولمة أخفت وراءها العيوب التي انطوت عليها تلك الفكرة لعقود عدة؛ حيث بدا الأجانب على استعداد دائم للاحتفاظ بالدولارات الأمريكية؛ ما سمح للحكومة الأمريكية بمواجهة عجز، بينما لا تزال تحقق نموا كبيرا، لذا أكد ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي بوش أن الدرس المستفاد من الثمانينيات هو أن "العجز لا يشكل أهمية."

أما الفكرة المقدسة الثانية المرتبطة بالحقبة الريجانية وهي ضرورة تقليص التنظيمات والقيود على النشاط التجاري، فقد عمل على تعزيزها تحالف من المؤمنين بها حقا وشركات وول ستريت، وبحلول التسعينيات باتت محط إيمان لا يتزعزع من جانب الديمقراطيين أيضا، ورأى أنصار هذه الفكرة أن التنظيمات طويلة الأمد تخنق الابتكار وتقوض قدرة المؤسسات المالية الأمريكية على المنافسة، وبالفعل أثمر تقليص التنظيمات عن سيل من المنتجات الجديدة المبتكرة يمثل بعضها لب الأزمة المالية الراهنة، ومن الواضح أن بعض الجمهوريين لم يعوا بعد هذه الحقيقة، مثلما اتضح من اقتراحهم البديل لخطة الإنقاذ والذي يقوم على إقرار المزيد من التخفيضات الضريبية على صناديق التحوط.

وتكمن المشكلة في أن المؤسسات المالية تعتمد على الثقة، والتي لا يمكن أن تزدهر إلا إذا ضمنت الحكومات الشفافية في عمل هذه المؤسسات وقلصت المجازفات التي يمكن لتلك المؤسسات خوضها بأموال المودعين، كما أن انهيار مؤسسة مالية ما لا يضر بحاملي أسهمها وموظفيها فحسب، وإنما بالكثير من الأبرياء الذين لا صلة لهم بالمؤسسة، وهو ما يطلق عليه الاقتصاديون "التأثيرات الخارجية السلبية".

وقد اتضحت المؤشرات على أن ثورة ريجان قد جنحت عن مسارها الصحيح بصورة خطيرة على امتداد العقد المنصرم، وجاء إنذار مبكر على هذا الخطر متمثلا في الأزمة المالية الآسيوية عام 1997-1998، يذكر أن دولا مثل تايلاند وكوريا الجنوبية عملت، بناءً على نصائح وضغوط أمريكية، على تحرير أسواق رأس المال بها في مطلع التسعينيات، وبالفعل بدأت الكثير من الأموال في التدفق على اقتصاديات هذه الدول؛ ما خلق فقاعة كبيرة، ثم سارع الكثيرون بالفرار مع أول بادرة على وجود مشكلة، في تلك الأثناء رفضت دول أخرى مثل الصين وماليزيا اتباع النموذج الأمريكي وأبقت على أسواقها المالية مغلقة أو تحت تنظيم صارم، أقل عرضة بكثير لتلك الأخطار.

وتمثل إنذار آخر في العجوزات الهيكلية الأمريكية المتراكمة، فيذكر أن الصين وعددا من الدول الأخرى بدأت في شراء الدولارات الأمريكية بعد عام 1997 كجزء من إستراتيجية متعمدة للتقليل من قيمة عملاتها، والإبقاء على مصانعها وحماية نفسها من الصدمات المالية، وقد توافق هذا الأمر تماما مع أمريكا في حقبة ما بعد 11 سبتمبر 2001؛ حيث يعني ذلك أن واشنطن باستطاعتها خفض الضرائب وتحمل تكاليف حربين باهظتين ومجابهة عجز مالي في ذات الوقت.

وكان من الواضح أن العجوزات التجارية الهائلة التي تمخض عنها هذا الوضع بلغت 700 مليار دولار سنويا بحلول عام 2007، ومن المتعذر تحملها إلى الأبد؛ ذلك أنه عاجلا أم آجلا سيقرر الأجانب أن أمريكا لم تعد بلدا عظيما يمكنهم الاحتفاظ بأموالهم لديه، ويوحي انهيار الدولار بأننا وصلنا بالفعل إلى هذه النقطة، ومن الواضح أنه على عكس ما أكده تشيني، فإن العجز ينطوي على أهمية بالفعل.

حتى على الصعيد الداخلي، كانت الجوانب السلبية لتقليص التنظيمات المفروضة على النشاط التجاري واضحة قبل انهيار وول ستريت بفترة طويلة، ففي كاليفورنيا ارتفعت أسعار الكهرباء بدرجة بالغة جعلتها تخرج من نطاق السيطرة عام 2000-2001 جراء تقليص التنظيمات المفروضة على سوق الطاقة بالولاية؛ ما استغلته شركات غير أمينة مثل إنرون لمصلحتها، بل إن إنرون ذاتها، علاوة على عدد من الشركات الأخرى، انهارت عام 2004 جراء عدم فرض المعايير المحاسبية عليها بصورة مناسبة.

وعلى امتداد العقد السابق تفاقمت الفجوة داخل الولايات المتحدة بين الأغنياء والفقراء نظرا لحصول الأثرياء والأفضل تعليما على النصيب الأكبر من مكاسب النمو الاقتصادي، بينما أصيبت دخول أبناء الطبقة العاملة بالجمود، وأخيرا جاء الأسلوب المتخبط لإدارة احتلال العراق والتعامل مع كارثة إعصار كاترينا ليفضح عيوب القطاع العام التي ظهرت به جراء نقص التمويل الموجه إليه على مدار عقود عديدة وتدني مستوى المكانة الاجتماعية التي حصل عليها موظفو الخدمة المدنية بدءا من عهد ريجان.

يوحي كل ذلك بأن توجهات ريجان كان ينبغي وقف اتباعها في وقت سابق، ويتمثل أحد الأسباب وراء العجز في تحقيق ذلك في فشل الحزب الديمقراطي في تقديم مرشحين وحجج مقنعة، ويتمثل سبب آخر في تميز الولايات المتحدة بسمة تجعلها مختلفة للغاية عن أوروبا؛ ذلك أنه في القارة الأوروبية يصوت أبناء الطبقة العاملة الأدنى تعليما بقوة لصالح الأحزاب الاشتراكية والشيوعية واليسارية الأخرى، بناءً على مصالحها الاقتصادية.

أما داخل الولايات المتحدة، فإن هذه الطبقة قد تتأرجح بين اليمين واليسار، ولقد شكلت هذه الطبقة جزءًا من التحالف الديمقراطي الكبير في عهد روزفلت خلال سنوات الاتفاق الجديد، وهو تحالف ظل قائما حتى عهد ليندون جونسون في الستينيات، لكنها بدأت في التصويت لصالح الجمهوريين خلال سنوات حكم نيكسون وريجان، لتعاود التحول إلى صالح كلينتون في التسعينيات، ثم عادت من جديد للتصويت لصالح الحزب الجمهوري في ظل قيادة جورج دبليو بوش، وعندما تتحول هذه الطبقة للتصويت لصالح الجمهوريين فإن السبب وراء ذلك يكمن في أن القضايا الثقافية مثل الدين والوطنية والقيم الأسرية وامتلاك الأسلحة تتغلب في أهميتها على الأخرى الاقتصادية.

وهذه المجموعة من الناخبين هي التي ستحدد نتيجة الانتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم، خاصة نتيجة تركزهم داخل عدد من الولايات القادرة على حسم نتيجة الانتخابات لصالح مرشح بعينه مثل أوهايو وبنسلفانيا، ويذكر أن الأمر تطلب وقوع أزمة اقتصادية كبرى خلال الفترة بين عامي 1929 و1931 كي تصل إدارة ديمقراطية إلى السلطة، وتوحي استطلاعات الرأي بأننا ربما نكون قد عدنا إلى هذه النقطة في أكتوبر 2008.

أزمة الديمقراطية الأمريكية

أما العنصر الحيوي الآخر في الصورة أو النموذج الأمريكي فهو الديمقراطية، واستعداد واشنطن لدعم الديمقراطيات الأخرى بمختلف أنحاء العالم، والملاحظ أن القيم المثالية ظلت عنصرا مستمرا في السياسة الخارجية الأمريكية على امتداد القرن الماضي، بداية من عصبة الأمم التي تزعم فكرتها وودرو ويلسون مرورا بالحريات الأربع التي أعلنها روزفلت، ووصولا إلى دعوة ريجان لميخائيل جورباتشوف لـ"هدم هذا الحائط."

إن تعزيز الديمقراطية، من خلال الدبلوماسية وتقديم المساعدات إلى جماعات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الحرة وما شابه ذلك، لم يكن هناك خلاف بشأنه قط، لكن المشكلة الآن تكمن في أنه من خلال استغلال الديمقراطية في تبرير حرب العراق، أوحت إدارة بوش للكثيرين بأن "الديمقراطية" ليست سوى كلمة شفرية تعني التدخل العسكري وتغيير النظام.

في الواقع، إن الشرق الأوسط بصورة خاصة يعد بمثابة حقل ألغام لأي إدارة أمريكية؛ نظرا لمساندة واشنطن حلفاء غير ديمقراطيين مثل السعودية، ورفضها العمل مع جماعات مثل حماس وحزب الله جاءت إلى السلطة عن طريق الانتخابات، وعليه فقد افتقدنا المصداقية عندما تزعمنا "أجندة الحرية".

كما تعرض النموذج الأمريكي لتشويه بالغ جراء استخدام إدارة بوش التعذيب، فبعد 11 سبتمبر، بدا الأمريكيون على استعداد كبير للتخلي عن الحماية التي يكفلها الدستور نظير ضمان الأمن، ومنذ ذلك الحين حل معسكر جوانتانامو والمسجونون معصوبي الأعين في أبو غريب محل تمثال الحرية كرموز للولايات المتحدة في أعين الكثير من غير الأمريكيين.

وبغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في غضون شهر من الآن، سنشهد تحولا نحو حقبة جديدة من السياسات الأمريكية والعالمية، ومن المحتمل أن يزيد الديمقراطيون من الأغلبية التي يتمتعون بها داخل مجلسي النواب والشيوخ، وأن تتنامى مشاعر الغضب الشعبي حيال انهيار وول ستريت، وهناك بالفعل إجماع متزايد في الوقت الحاضر حول الحاجة لإعادة تنظيم الكثير من القطاعات الاقتصادية.

تراجع الولايات المتحدة

وعلى الصعيد العالمي، لن تستمر الولايات المتحدة في مكانتها المهيمنة التي حظيت بها حتى الآن، وهو ما أكده الغزو الروسي في 7 أغسطس الماضي لجورجيا، علاوة على ذلك ستتراجع قدرة واشنطن على صياغة الاقتصاد العالمي عبر الاتفاقات التجارية وصندوق النقد والبنك الدوليين، وستتقلص مواردنا الاقتصادية في الوقت ذاته، وفي الكثير من أنحاء العالم ستلقى الأفكار والنصائح، بل والمساعدات الأمريكية، قبولا أقل عما عليه الحال الآن.

في ظل مثل هذه الظروف، من هو المرشح الأفضل لإعادة صياغة صورة الولايات المتحدة؟ من الواضح أن باراك أوباما يحمل على عاتقه الإرث الأقل من الماضي القريب، وينتهج أسلوبا يعمل من خلاله على تجاوز الانقسامات السياسية الراهنة، ويبدو أوباما في داخله برجماتيا، وليس أيديولوجيا، لكن قدراته على تشكيل إجماع ستتعرض لاختبارات قاسية عندما يتعين عليه اتخاذ قرارات صعبة، أما جون ماكين فيثير لدى المرء شعورا بأنه لم يعقد رأيه بعد على أي من أنماط الجمهوريين ينتمي، أو ماهية المبادئ التي ينبغي أن تحدد ملامح أمريكا الجديدة.

في الحقيقة، إن النفوذ الأمريكي من الممكن، وسيتم بالفعل، استعادته في نهاية الأمر، ونظرا لأنه من المحتمل أن يعاني العالم بأكمله من وطأة أزمة اقتصادية، لا يبدو أن النموذج الصيني أو الروسي سيظهر بصورة أكثر جاذبية عن نظيره الأمريكي، لقد نجحت الولايات المتحدة من استرداد عافيتها بعد انتكاستين خطيرتين في الثلاثينيات والسبعينيات بفضل قدرة نظامنا على التكيف وصمود شعبنا.

لكن عودتنا من جديد تعتمد هذه المرة على قدرتنا على إقرار عدد من التغييرات الجوهرية؛ حيث يجب علينا أن ننهي اتباعنا للسياسات التي ورثناها عن الحقبة الريجانية فيما يتعلق بخفض الضرائب وتقليص التنظيمات، أيضا يجب إعادة بناء القطاع العام وإضفاء هالة جديدة من العزة عليه، خاصة وأن هناك وظائف معينة لا يمكن لجهة سوى الحكومة الاضطلاع بها.

وفي إطار جهودنا لإقرار تلك التغييرات، نواجه بطبيعة الحال خطر المبالغة في التصحيح، وينبغي التنويه هنا إلى أن المؤسسات المالية وإن كانت بحاجة إلى رقابة قوية، فإنه من الواضح أن بعض القطاعات الاقتصادية الأخرى لا تواجه الحاجة ذاتها.. إن التجارة الحرة تبقى المحرك القوي للنمو الاقتصادي، وإحدى أدوات الدبلوماسية الأمريكية، وعلينا توفير مساعدة أفضل للعمال الذين يحاولون التكيف مع ظروف عالمية متغيرة، بدلا من الدفاع عن وظائفهم الحالية، ولو كان خفض الضرائب ليس سبيلا مؤكدا للوصول إلى الرخاء، فالقول ذاته ينطبق على الإنفاق على الجانب الاجتماعي بلا قيود.


أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي بكلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، ورئيس تحرير مجلة المصلحة الأمريكية American Interest. له عدة مؤلفات منها: "نهاية التاريخ وخاتم البشر" عام 1992، ومستقبلنا بعد الإنساني.. نتائج ثورة البيوتكنولوجي" 2002، وبقاء الدولة.. الحكم الصالح والنظام الدولي في القرن الحادي والعشرين"، و"أمريكا في مفترق طرق.. الديمقراطية والقوة وإرث المحافظين الجدد" 2006.

*مقال نشر على موقع مجلة نيوزويك الأمريكية يوم 4 أكتوبر 2008، تحت عنوان: "سقوط أمريكا The Fall of America, Inc.".

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات