|
| شعار حزب العمال الكردستاني |
هذه المرة ليست كغيرها من المرات السابقة، فالعملية التي قام بها حزب العمال الكردستاني التركي يوم 3 أكتوبر الجاري جديدة ومتميزة من حيث الأسلحة الثقيلة المستخدمة في الهجوم، كما أن الهجوم أسفر عن سقوط العدد الأكبر من الضحايا من الجانبين. صحيح أن الضحايا من جانب حزب العمال أكثر، لكن الأمور لا تقاس بهذا الشكل. كما أسفر الهجوم أيضا عن فقد جنديين تركيين أعلن فيما بعد أن الجيش التركي عثر على جثتيهما.
ولأن العملية كما ذكرنا ليست كسابقاتها فقد قطع رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان زيارته لجمهوريات آسيا الوسطى وعاد إلى تركيا ليشارك في الاجتماعات المتلاحقة التي جرت عقب الواقعة، كما أن رئيس الجمهورية عبد الله جول ألغى زيارته المقبلة لفرنسا برغم أهمية هذه الزيارة لتركيا من حيث محاولاتها الحثيثة للتقارب مع أوروبا.
إذن فالحدث خطير.. الأمن التركي ضرب في الصميم، والشارع التركي يغلي، وتحولت جنازات الضحايا إلى تظاهرات غاضبة تتهم الحكومة التركية بالتخاذل وعدم المقدرة على المواجهة، والتظاهرات لا تطالب بالثأر فقط ولكن تطالب باستئصال شأفة هذا الحزب الذي كلف تركيا الآلاف من الضحايا على مدى ما يقرب من ربع قرن من الزمان.
الاتهامات التركية المصحوبة بالتهديد تتوجه بسهامها إلى إقليم كردستان العراق.. فمن أين حصلت ميليشيات هذا الحزب على هذه الأسلحة الثقيلة؟.. وأكراد العراق يدينون هذا الهجوم وينفون عن أنفسهم تهمة تقديم أي مساعدات لميليشيات حزب العمال.. الولايات المتحدة أيضا تدين الهجوم والاتحاد الأوروبي هو الآخر يدين.. والاجتماعات في أنقرة تتوالى. تعددت أطراف الأزمة، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، الكل يترقب ويسأل "ترى ما رد الفعل التركي القادم؟ وهل سيكون مثل ردود الأفعال السابقة؟".
ولأن أطراف هذه الأزمة متعددة، ولكل طرف منها أجندة مصالحه الخاصة والتي في الأغلب تتعارض مع بعض أجندات الآخرين، فإننا سنحاول قراءة أجندة كل طرف.
انفتاح تركي وتحول كردي
ونبدأ بحزب العمال الكردستاني التركي، من الأمور التي تدعو إلى الدهشة -ومن ثم التساؤل- أن هذا الحزب أعلن عقب اعتقال ومحاكمة زعيمه عبد الله أوجلان تخليه عن العمل المسلح وتحوله إلى العمل السلمي، في الوقت الذي كانت فيه النظرة التركية إلى الأعراق غير التركية في تركيا وفى مقدمتها الأكراد هي النفي التام، فحسب نظرية الحكم التركية الطورانية حتى وقت قريب هي "لا يعيش على الأرض التركية إلا أتراك أما هؤلاء الذين يزعمون أنهم من أعراق أخرى فليس لهم مكان سوى أن يكونوا عبيدا أو خدما". وعن الأكراد يقولون: "كانوا أتراكا وصعدوا إلى الجبال واعوج لسانهم وتوحشوا، إنهم أتراك الجبل".
في ظل هذه النظرة تحول حزب العمال إلى العمل السلمي، ولكن عندما تغيرت نظرة الحكومة التركية في السنوات الأخيرة إلى الأكراد، فوجئ الجميع بعودة هذا الحزب إلى العمل المسلح من جديد، فالحكومة التركية انفتحت مؤخرا على الأكراد؛ إذ قامت بالإفراج عن زعماء الأكراد مثل النائبة الشهيرة ليلى زانا وسمحت بتشكيل أحزاب كردية، ووصل عدد من زعماء هذه الأحزاب إلى البرلمان بصفتهم الكردية، وزار رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان المنطقة الكردية وخطب في أهلها معترفا بوجود مشكلة كردية في تركيا وستعمل حكومته على أن تأخذ هذه المشكلة طريقها إلى الحل، وبعد أن كانت اللغة الكردية من المحرمات، خصصت ساعات من الإرسال الإذاعي والتليفزيوني باللغة الكردية، كما صدرت الصحف الكردية، واحتفل بالعيد القومي للأكراد "عيد النوروز" على نطاق واسع بعد أن كان من محرمات الماضي.
في ظل هذا الانفتاح الواضح يسير حزب العمال ضد التيار، وينشط عسكريا من جديد لتكون الدهشة، ومن ثم التساؤل: لماذا؟.
هناك احتمالات في مجال الإجابة على ذلك، أحدها تتعلق بأن الخطوات الإصلاحية التي اتخذتها الحكومة سحبت البساط من تحت أقدام هذا الحزب في الوسط الكردي في تركيا، لذلك قام بعملياته من أجل جر تركيا إلى الحرب من جديد، والتي ستؤدي بالتأكيد إلى تعثر الخطى الإصلاحية وبالتالي يعود حزب العمال إلى أهميته السابقة.
وثمة احتمال آخر يشير إلى أن الحزب يسعى إلى توسيع دائرة الصراع بإقحام أطراف أخرى فيه كالعراق وشماله الكردي بالذات والولايات المتحدة وربما إيران وسوريا، فتوسيع دائرة الصراع سيدفع بالمسألة الكردية في تركيا إلى دائرة الاهتمام العالمي.
احتمال آخر يتعلق برسالة يوجهها الحزب إلى المؤسسة العسكرية التركية مفادها: هاأنذا ما زلت موجودا على الساحة برغم كل العمليات العسكرية التي وجهت ضدي وأستطيع أن أوجه ضربات موجعة للآلة العسكرية التركية الضخمة.
المستفيد مؤسسة تركيا العسكرية
وننتقل إلى الجانب التركي، فكما ذكرنا حدث تحول هائل في موقف الحكومة من المسألة الكردية، وهذا التحول لم يكن على هوى المؤسسة العسكرية التي اعتبرت الحل العسكري السبيل الوحيد للحل، برغم أن أحداث السنوات الماضية أثبتت مدى صعوبة ذلك، فالجيش التركي كانت له صلاحيات واسعة في الجنوب التركي، مثل التفتيش والملاحقة والاعتقال دون أخذ إذن مسبق، لكن الحكومة التركية سحبت منه هذه الصلاحيات. وبالطبع فإنه سيسعى إلى الضغط على الحكومة من أجل استرداد هذه الصلاحيات، وستجد الحكومة التركية نفسها في مأزق.. إما أن ترضخ للمؤسسة العسكرية في طلباتها؛ وبالتالي تهدم ما بنته على الصعيد الدولي من تحسين لصورتها في مجال حقوق الإنسان، كما أن المؤسسة العسكرية ستستعيد بالتالي مكانتها السابقة على المسرح السياسي التركي والتي نجحت الحكومة التركية في تقليص تلك المكانة بهدوء.. أو ترفض مطالب المؤسسة العسكرية، وبالتالي تهتز صورتها أمام الرأي العام التركي الغاضب وبما يؤثر سلبا على مستقبل حزب العدالة والتنمية الحاكم.
في نفس الوقت فإن البرلمان التركي سينعقد بعد أسبوعين لمناقشة مسألة تمديد التفويض الممنوح للجيش بالقيام بعمليات عسكرية في الشمال العراقي ضد ميليشيات حزب العمال الكردستاني، وبالتأكيد فإن البرلمان في ظل العملية الأخيرة سيوافق على تجديد هذا التفويض.
من هنا فإننا على قناعة من أن العملية الأخيرة لحزب العمال تصب في صالح المؤسسة العسكرية، لكن السؤال الذي يطرح: إلى أي مدى ستتوغل القوات التركية في الشمال العراقي؟ وهل ستقتصر مهامها على مطاردة حزب العمال أم يتعدى الأمر إلى النيل من التجربة الكردية في الشمال العراقي والتي لا ترتاح إليها تركيا؟. وفي هذا الصدد فالكل يعلم أن هناك مسائل عقدية بين تركيا والإقليم الكردي العراقي تتعلق بكركوك والتركمان والتطور السياسي لأكراد العراق.
أكراد العراق.. حذر وترقب
ونأتي إلى الطرف الثالث، وهو الإقليم الكردي العراقي، هذا الطرف هو الآخر في مأزق بين رفضه لتواجد ميليشيات حزب العمال الكردستاني على أراضيه لتداعيات هذا التواجد على أمنه وعدم استعداده لخوض قتال ربما يكون عبثيا ضد ميليشيات هذا الحزب المتواجدة في سلسلة جبال قنديل الوعرة، ففضلا عن أن قتالا كهذا سيكبد قوات البيشمركة الكثير، فإنه في الوقت ذاته سيثير عليها غضب الشارع الكردي المتعاطف مع حزب العمال لأسباب قومية والمعادي في نفس الوقت لتركيا التي يراها العقبة الكبرى في طريق تحقيق طموحه القومي، والإدارة الكردية تواجه باتهامات تركية تتعلق بتقديم المساعدات لحزب العمال، سواء كانت تلك المساعدات بالسلاح، أو بتوفير الملاذ الآمن وتمكين أفراد تلك الميليشيات من الاختلاط بالسكان المدنيين بحيث تصعب عمليات الملاحقة لتلك الميليشيات، وتنفي رئاسة وحكومة الإقليم هذه الاتهامات عن نفسها، وتقول إن المنطقة التي تتواجد فيها تلك الميليشيات هي منطقة وعرة ومتداخلة بين حدود تلك الدول الثلاث تركيا وإيران والعراق، وإن معظم العمليات تنطلق من الداخل التركي، وإن هذه العمليات مدانة بشكل قاطع من قبل الإقليم.
كما أن أحداث التاريخ أثبتت أن هذه المشكلة لا يمكن أن تحل عسكريا، وأن الحوار هو الحل، وتترقب سلطات الإقليم بحذر بالغ ردود الفعل التركية المتوقعة والتي ستنال قطعا من سلامة وأمن واستقرار الإقليم.
الحكومة العراقية واختلاف الرؤى
وننتقل إلى الطرف الرابع وهو الحكومة العراقية. هناك أطراف في الحكومة العراقية سعداء بهذه الأزمة، ففي الأزمة المشابهة السابقة قال أحد أركان النظام العراقي: "فقط عند الأزمات يتذكر الأكراد أنهم عراقيون"، لذلك فإن هؤلاء ينظرون إلى مثل تلك الأزمات على أنها تجبر الأكراد على التمسك بعراقيتهم.
ولكن هناك من ينظر إلى تلك الأزمة على أنها تهدد الأمن القومي العراقي؛ لأن قوات تركية لا بد أن تجتاح الشمال العراقي، وربما تقيم فيه حزاما أمنيا، لذلك فإنهم يدينون عملية حزب العمال ويطالبون تركيا بضبط النفس، وعدم الانسياق إلى عمليات واسعة النطاق تحت ضغط الشارع والمؤسسة العسكرية.
أمريكا.. تواطؤ غير مباشر
وننتقل إلى طرف آخر مهم، لكنه غائب حتى الآن وهو الطرف الأمريكي؛ ففي أعقاب الأزمة المشابهة السابقة وقعت تركيا مع الولايات المتحدة بروتوكولا يقضي بتقديم أمريكا لتركيا معلومات استخبارية عن حزب العمال الكردستاني وأماكن تواجده وتحركاته، لكن من المدهش أن العملية الأخيرة جرت على هذا النطاق الواسع؛ وبهذا العدد الكبير من المقاتلين دون أن تقدم الولايات المتحدة التي لا تخفى عليها شاردة ولا واردة على الأرض أي معلومات عنها إلى تركيا، فهل كان في الأمر غفلة أم تواطؤ، أم انتصار لحزب العمال على الأقمار الصناعية الأمريكية التي تمسح الأرض مسحا لحظة بلحظة.. كل الاحتمالات واردة، إلا أننا سنتوقف عند احتمال التواطؤ لنسأل: لماذا؟. هل لأن بروز الدور التركي مؤخرا على المسرح السياسي في الشرق الأوسط وآسيا الصغرى واقتحامها مشاكل تاريخية كانت تهز من صورتها كمشكلة الأرمن والمشكلة القبرصية، فضلا عن تطورها الاقتصادي الهائل، هي أمور ربما لا تسعد الولايات المتحدة على أساس أن الحليف الضعيف أسهل كثيرا في التعامل من الحليف القوي، ومما يعزز هذا الرأي أنه لم يظهر للولايات المتحدة أي موقف مما حدث مؤخرا يتجاوز الإدانة.. هل لأن الولايات المتحدة مشغولة في المعركة الانتخابية؟ لكن المعركة الانتخابية لم تمنع كوندوليزا رايس من القيام برحلة واسعة النطاق في دول عديدة بالمنطقة من أجل المصالح الأمريكية العليا والتي تعلو أمريكيا على أي شيء.
وعندما نطرح فرضية التواطؤ، فإننا لا نقصد إطلاقا أن اتفاقا قد تم بين طرفين، فهذا لا يمكن أن يحدث، ولكننا نقصد بالتواطؤ غض النظر ولو قليلا عن تحركات لحزب العمال، والولايات المتحدة إن أرادت التحرك عند اشتعال الأزمة وتحرك القوات التركية صوب الشمال العراقي فإنها، وكما حدث في المرات السابقة، ستكون في حيرة من أمرها، بشأن صراع ينشب بين حليفين، تركيا وأكراد العراق، فتركيا الحليف والصديق لأمريكا والعضو الهام في حلف الناتو، وأكراد العراق الذين جعلوا من منطقتهم المنطقة العراقية الوحيدة الآمنة، والذين أيضا يلحون بالإسراع في توقيع الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، بل إنهم الطرف العراقي الوحيد الذي يعلن رأيه في هذه الاتفاقية بهذا الوضوح، لذلك كيف يمكن للولايات المتحدة أن توفق بين حليفين لها متضادين في مصالحهما وبشكل حاد حول هذه المسألة.
أما عن ردود الأفعال المتوقعة من تركيا، فقد بدأ القصف الجوى لما يقال إنه مقرات لحزب العمال الكردستاني في الشمال العراقي، لكن سيعقب ذلك على وجه اليقين اجتياح بري يسفر عن إقامة شريط حدودي، ولن تسمح الولايات المتحدة لتركيا بأن تتجاوز عملياتها حزب العمال إلى التجربة الكردية العراقية ذاتها. ونعتقد أن حكومة إقليم كردستان لن تمانع في إقامة هذه المنطقة؛ إذ ربما يزيح ذلك عن كاهلها عبء المطالب والاتهامات التركية المتلاحقة بشأن حزب العمال، سواء كان من حيث المساعدة أو التواجد.
كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية والتركية.
|