|
| آسيا الوسطى |
مكن الفراغ الإستراتيجي الذي شهدته منطقة آسيا الوسطى(1) بعد انهيار الاتحاد السوفيتي العديد من الدول، ومن بينها إيران، من لعب دور فعال في هذه المنطقة الحيوية من العالم، بشكل دفع عددا من المحللين إلى الحديث عما يمكن تسميته "اللعبة الكبرى الجديدة" The New Great Game بين المتنافسين على بسط السيطرة والنفوذ على المنطقة، خاصة بعد اكتشاف احتياطياتها النفطية الهائلة منذ عام 1994.
ويمكن إرجاع هذا التنافس على منطقة آسيا الوسطى إلى الأهمية الاقتصادية والإستراتيجية التي تحظى بها المنطقة، حيث تشغل الجمهوريات الإسلامية الست في الكومنولث نحو 18% من مساحة الاتحاد السوفيتي السابق، وتبلغ مساحاتها 31994.400 كم2، وتضم نحو 20% من سكانه، ويبلغ نصيبها من الناتج المحلي الإجمالي 13.4%، بينما يبلغ نصيبها من الثروة القومية 9.2%.
وتمثل هذه الدول جمهوريات اتحادية فيدرالية إسلامية، أي أن أغلب سكانها من المسلمين، ولكن لا يعني هذا عدم وجود ديانات وعرقيات أخرى داخل هذه الجمهوريات(2).
وتعتبر منطقة آسيا الوسطى والقوقاز –كمنطقة جغرافية واحدة– بابا مفتوحا نحو منطقة الخليج والشرق عموما، ومن يسيطر عليها يستطع أن يطل على الشرق، وذلك انطلاقا من الأهمية الجيوبوليتيكة والإستراتيجية لهذه المنطقة، إذ تتمتع بوجود مصادر غنية من النفط والغاز الطبيعي، والتي تصل إلى 13 مليار طن من النفط و3 آلاف مليار طن من الغاز، وهو ما يجعل المنطقة تحتل المركزين الثاني والثالث على المستوى العالمي من حيث مصادر النفط والغاز الطبيعي على التوالي.
ويعد وجود مصادر تعدينية أخرى مثل الذهب والحديد واليورانيوم، أيضا من العوامل التي تضاعف من هذه الأهمية، حيث تم اكتشاف 25% من الاحتياطيات العالمية من اليورانيوم في كل من كازاخستان، وطاجيكستان وقرغيزستان، كما تنتج أوزبكستان وحدها 4 آلاف طن من الذهب، وهو ما يجعلها الدولة الثامنة على مستوى العالم في إنتاجه(3).
وتحتل هذه الدول موقعا متميزا فيما يتعلق بمعدلات إنتاج المحاصيل الزراعية، حيث تقع طاجيكستان في المرتبة الرابعة على مستوى العالم في إنتاج القطن، كما تحظى قرغيزستان بمكانة دولية متميزة في إنتاج الحبوب، ومن ناحية أخرى تعد هذه المنطقة سوقا مفتوحا لسائر الدول الأخرى؛ نظرا لضخامة إجمالي عدد سكانها الذي يبلغ أكثر من 60 مليون نسمة.
وبالإضافة إلى ما سبق، فإن امتلاك كازاخستان للقدرات التكنولوجية الفضائية، وما يقرب من 1400 رأس نووية، و140 منصة لإطلاق الصواريخ البالستية العابرة للقارات، ووجود موقعين عسكريين روسيين في "سيمي بالاتينسك" شمال شرق كازاخستان، ووجود متخصصين نوويين.. كل هذه العوامل أدت إلى زيادة أهمية هذه المنطقة على المستويين الإقليمي والدولي(4).
مزايا إستراتيجية إيرانية
لم تكن إيران بعيدة عن التنافس الدولي على آسيا الوسطى، فقد كانت من بين دول عديدة أهمها أمريكا وروسيا وتركيا وإسرائيل والهند والصين وباكستان(5)، تطلعت إلى موطئ قدم لها في منطقة آسيا الوسطى، معتمدة في ذلك على تمتعها بعدة ميزات إستراتيجية تمكنها من لعب دور حيوي في المنطقة، يمكن إيجازها في:
- التقارب الجغرافي: حيث يقع بحر قزوين على الحدود الشمالية لإيران، وبالتالي تشترك إيران مع كل من تركمانستان وكازخستان في مشاطأته، كما يجمعها حدود مشتركة مع تركمانستان.
ويتيح هذا التقارب الجغرافي ميزة هامة لإيران في علاقاتها مع جمهوريات آسيا الوسطى، من حيث استعدادها لأن تكون حلقة الوصل بين هذه الجمهوريات والعالم الخارجي، وذلك عبر إقامة مجموعة من شبكات المواصلات البرية سواء في الطرق أو السكك الحديدية.
- الروابط الثقافية: حيث يتحدث شعوب كل من طاجيكستان وأذربيجان اللغة الفارسية، فضلا عن وجود امتدادات عرقية لبعض هذه الدول في إيران، مثل الأقلية الآذرية والتركمانية في إيران.
- امتلاك إيران للإمكانيات اللازمة لإنتاج السلع الاستهلاكية التي تحتاجها هذه الدول، وخبرة إيران وامتلاكها لقدرات معقولة في إنتاج وتكرير البترول والغاز واللذين يمثلان أهمية كبرى بالنسبة للجمهوريات المستقلة خاصة تركمانستان، هذا فضلا عن قرب طهران من الدول المستهلكة للطاقة مثل تركيا وأرمينيا والهند وباكستان، إضافة إلى دول الاتحاد الأوروبي(6).
وتجلت هذه الإمكانيات في نجاح تصدير الغاز التركماني إلى تركيا وأوروبا عبر إيران بأقصر الطرق وأفضلها وأقلها تكلفة، إذ يبلغ طول هذا الخط من تركمانستان إلى تركيا عبر إيران حوالي 1470 كم، منها 140 كم داخل الأراضي التركمانية و1030 كم داخل الأراضي الإيرانية.
وتقل تكلفة هذا الخط بـ 700 مليون دولار عن خط غاز بحر قزوين، ورغم ذلك فهذا الخط يواجه معارضة شديدة من جانب الولايات المتحدة، والتي تبذل قصارى جهدها للحيلولة دون سيطرة روسيا أو إيران على مصادر الطاقة في هذه الدول، وذلك عبر بناء خطوط أنابيب تتفادى المرور عبر هذه الدول حتى وإن كانت بتكلفة أعلى أو تواجهها مخاطر أمنية عديدة(7).
وعملت إيران على استغلال هذه المزايا، التي تتمتع بها في علاقاتها مع آسيا الوسطى؛ لتحقيق مجموعة من الأهداف، تتمثل في:
- الخروج من العزلة الدولية المفروضة عليها منذ قيام الثورة الإسلامية، والتي تزايدت مع الكشف عن أنشطتها النووية أواخر عام 2002، فضلا عن مواجهة النفوذ الأمريكي المتزايد في المنطقة.
- وأن تصبح طهران هي الناقل الرئيسي لثروات بحر قزوين عبر أراضيها.
- وتنمية المد الثقافي الشيعي في تلك المنطقة.
- وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول آسيا الوسطى.
المصلحية لا الثورية
خلق استقلال جمهوريات آسيا الوسطى فضاء إستراتيجيا جديدا مكن إيران من مواجهة الحملة الأمريكية الموجهة ضدها على خلفية برنامجها النووي، لاسيما بعد إحكام الحصار الأمريكي حولها بعد حربي أفغانستان والعراق، حيث أصبح الوجود العسكري الأمريكي أمرا واقعا على حدودها.
ولهذا لم تتوان إيران في توظيف هذه الفرصة للخروج من دائرة الحصار الأمريكي وتوسيع نطاق نفوذها.
وانطلقت طهران من تصور إستراتيجي مؤداه أنها باتت القوة الطبيعية المرشحة للعب دور قيادي في منطقة آسيا الوسطى، فهي تجاور تركمانستان وأذربيجان جغرافيا، كما تعد طهران المنفذ البري الطبيعي لكلتا الدولتين إلى الخليج العربي، ولها صلات ثقافية وحضارية مع طاجكستان(8).
ولتعميق دورها في آسيا الوسطى حرصت إيران على صياغة منهج برجماتي تدريجي يدور حول عدم التركيز على تصدير النموذج الثوري الإسلامي الإيراني، وعمدت إلى تقديم نموذج فارسي يتسم بالطبيعة العملية، فلم تسع طهران إلى نشر فكرة الثورة الإيرانية في آسيا الوسطى؛ نظرا للتباين المذهبي من ناحية، ولإدراكها أن النخب الحاكمة في تلك الدول قد تشربت القيم العلمانية بما يجعلها أكثر ميلا إلى عدم تقبل الفكر الثوري الإيراني من ناحية أخرى.
وأبرز مثال على هذه البرجماتية الإيرانية هو موقف إيران من الصراع بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم "قره باغ"(9)، حيث قامت إيران بدعم أرمينيا (المسيحية) ضد أذربيجان (التي يشكل الشيعة فيها حوالي 93.4% من عدد السكان)، وهو ما عبر عنه مسئول آذري بالقول: "إيران تزعم الدفاع عن الإسلام بينما هي تسلح أرمينيا الدولة النصرانية ضد شعب أذربيجان الشيعي المسلم".
وقد نجحت طهران في مسعاها لإقناع دول آسيا الوسطى بأنها لا تشكل تهديدا لنظمها السياسية، وهو ما ساعدها في إقامة شبكة من المصالح الإستراتيجية مع تلك الدول، حيث عمل هذا على طمأنة النخب السياسية في آسيا الوسطى تجاه النوايا الإيرانية، ومن ثم بدأت القيادات الحاكمة في دول آسيا الوسطى في قبول التعاون مع إيران، كما حدث مع تركمانستان وأوزبكستان وقرغيزستان، حيث عبر قادتها عن عدم اقتناعهم بأن إيران تشكل تهديدا، وأبدوا رغبتهم في التعاون معها(10).
حرب خطوط النفط
ونظرا لكون جمهوريات آسيا الوسطى دولا حبيسة من الناحية الجغرافية، حيث لا تطل على أي بحار مفتوحة، فإن مسألة نقل الاحتياطات النفطية الهائلة التي تتمتع بها هذه الدول تشكل تحديا كبيرا، خاصة في ظل التنافس الشديد بين عدد من الدول المجاورة لنقل هذا النفط، حيث تدعم كل دولة خط الأنابيب الذي يمر عبر أراضيها، بينما يمكن أن يطلق عليه "حرب خطوط الأنابيب".
ومن هذا المنطلق حاولت إيران الفوز في هذه المنافسة، التي ستعطي لها مكاسب اقتصادية جمة، ونفوذا إستراتيجيا كبيرا، والتغلب على الجهود الأمريكية التي تهدف إلى منع مرور خطوط نقل النفط عبر إيران، عن طريق دعم خط أنابيب "باكو (أذربيجان)-تبليسي (جورجيا)- جيهان (تركيا)"، والذي تم افتتاحه في مايو عام 2005.
واستندت إيران في مسعاها نحو إقناع باقي الدول المجاورة بمرور خطوط النفط عبر أراضيها إلى أن المسار الأجدى اقتصاديا لنقل نفط آسيا الوسطى إلى أوروبا يمر عبر أراضيها، إذ تتمتع طهران بعدة مزايا في هذا الإطار منها(11):
- امتلاك إيران لإمكانيات كبيرة سواء في مجال القوى البشرية المدربة على العمل في المجال النفطي، أو في مجال النقل البري والجوي والمصافي البترولية.
- وإمكانيات موانيها في نقل النفط والغاز، ووجود شبكات أنابيب النفط والغاز بالفعل، والتي تتيح امتيازات فنية ولوجستية كبيرة، وإمكانية وصل الخطوط المقترحة بالأنابيب ومنافذ التصدير الموجودة فعليا على الخليج العربي.
- وتمتع إيران بالاستقرار النسبي مقارنة بالدول الأخرى؛ حيث لا يوجد بها حركات انفصالية أو حروب أهلية يمكن أن تؤثر على خطوط النفط.
النفوذ الإيراني المرن
وإضافة لما سبق، قامت إيران بتطوير علاقاتها الثقافية مع تلك الدول، فأنشأت في فبراير 1992 "منظمة اللغة الفارسية" التي تضم بالإضافة إلى جانبها طاجيكستان وأفغانستان.
وقدمت طهران مساعدات لتطوير العناصر الفارسية في ثقافات تلك الدول الناطقة بالتركية من خلال تدريس اللغة الفارسية في المدارس والجامعات، ودراسة المرحلة الفارسية في تاريخ تلك الدول.
كما أنشأت طهران مركزا بحثيا في إطار معهد الدراسات السياسية والدولية التابع لوزارة الخارجية الإيرانية، يركز على دراسة آسيا الوسطى والقوقاز، ويعقد مؤتمرا سنويا لمناقشة قضايا تلك المنطقة، كما يصدر مجلة ربع سنوية بعنوان "آسيا الوسطى والقوقاز"(12).
وعلى الجانب الاقتصادي، كانت الدوافع الاقتصادية إحدى أوجه تقارب إيران من جمهوريات آسيا الوسطى، ويتضح ذلك عند النظر في حجم التبادل التجاري بين إيران وهذه الدول، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين إيران ودول آسيا الوسطى عام 2004 حوالي 1.7 مليار دولار (وهو يمثل 2.1% من إجمالي تجارة إيران الخارجية البالغة 79.2 مليار دولار)، وذلك مقارنة بـ 884 مليون دولار فقط عام 1994، أي أن حجم التبادل التجاري تضاعف بما قيمته 93.8% خلال تلك الفترة.
وركزت إيران في هذا المجال على حزمة من السياسات المتمثلة في تقديم الائتمان لتنشيط التجارة مع تلك الدول، كما عمدت طهران إلى الاعتماد على حزمة من السياسات التي صممت ليس فقط لتطوير وجودها الاقتصادي في آسيا الوسطى، ولكن أيضا لحرمان منافسيها من أي فرص للنجاح في المنطقة، وذلك من خلال بناء شبكة مواصلات برية بين إيران وآسيا الوسطى، بحيث يمر التعامل التجاري مع المنطقة بالضرورة عبر البوابة الإيرانية.
وقد بدا جليا استعداد إيران للشراكة الفعالة والمؤثرة مع هذه الدول عبر الدخول في تكتلات إقليمية ودولية، من أهمها: "منظمة الدول المطلة على بحر قزوين" (تضم: إيران-أذربيجان-روسيا-تركمانستان-كازاخستان)، و"منظمة التعاون الاقتصادي" (تضم: إيران-أذربيجان-كازاخستان-طاجيكستان-تركمانستان-قيرغيزستان-أوزبكستان-باكستان-تركيا)، ومنظمة شنغهاي (تضم: الصين-روسيا-كازاخستان-قيرغيزستان-طاجيكستان-أوزباكستان)، والتي تشترك إيران حاليا فيها بصفة مراقب.
وكانت قمة شنغهاي الأخيرة، والتي عقدت في أغسطس الماضي في العاصمة الطاجكية "دوشنيه" محط أنظار العديد من المراقبين، إذ حاول الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أن يكون محايدا قدر الإمكان رغم بعض الإشارات التي تشير إلى دعم بلاده لروسيا في أزمة القوقاز الأخيرة.
وعلى الرغم أيضا من أن طهران قد اتخذت مواقف داعمة لروسيا في السنوات الأخيرة منها قضية كوسوفو، لكن أزمة القوقاز الأخيرة بدت مختلفة بكل المعايير لحساسيتها البالغة لإيران؛ لذا حاولت طهران اللعب في الاتجاهين في آن واحد، الاتجاه الروسي والاتجاه الأوروأمريكي.
فمن ناحية، لا تخفى حقيقة المصالح الإستراتيجية والسياسية التي تربط طهران بموسكو، بدءا بمساهمة الكرملين بتشييد محطة "بوشهر" التي شارفت على الانتهاء وتزويدها بالوقود النووي، مرورا بإبرام صفقات أسلحة من العيار الثقيل تضم صواريخ مضادة للطائرات كصواريخ "تور إم" وأخرى بعيدة المدى كـ"إس 300"، وطائرات سوخوي المقاتلة وغيرها من الأسلحة، وانتهاء بالمخاوف المشتركة بين البلدين من سياسة القطب الواحد التي تنتهجها واشنطن، فضلا عن تنامي خطر حلف الناتو على الحدود الروسية وإصرار واشنطن على نشر الدرع الصاروخية الذي تعده روسيا موجها لها بالدرجة الأولى.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل حقيقة المخاوف الإيرانية من النفوذ الروسي في منطقة آسيا الوسطى، الأمر الذي دفع البعض إلى القول بأن التطورات الدولية الحالية تأتي بما تشتهي السفن الإيرانية، ففي الوقت الذي حافظت فيه طهران على تحالفها مع موسكو لم تقطع الصلة بالولايات المتحدة وأوروبا على الجانب الآخر، وذلك عبر الإبقاء على شعرة معاوية مع أوروبا وأمريكا اللتين تمسكان إلى حد كبير بمفاتيح حل الملف النووي الإيراني.
وبناء على ذلك يمكن القول إن ما يدركه الإيرانيون جيدا هو أنه باستطاعة روسيا تأجيل أو معارضة فرض عقوبات جديدة على طهران باستخدام حق النقض (الفيتو) داخل مجلس الأمن، لكنها غير قادرة على إخراج الملف النووي من النفق المظلم الذي يسير فيه، من هنا جاء الموقف الإيراني من أزمة القوقاز يحمل رسائل ضمنية تدعم روسيا، وفي الوقت نفسه لا يثير حفيظة الطرف الآخر الذي يحاول جاهدا وضع طهران أمام مواجهة جديدة مع مجلس الأمن الدولي.
باحثة في العلوم السياسية.
|