|
| أحمدي نجاد وحامد كرزاي |
أدى انهيار نظام طالبان عام 2001 إلى تغيير موقف طهران بعمق؛ فقد كانت إيران عدائية تجاه نظام طالبان، لكنها قبلت الحكومة الأفغانية في بداية التسعينيات، واستقبلت ملايين اللاجئين الأفغان، وإن لم تتراجع عن تأييد الجماعات "المتمردة" في أفغانستان.
ثم بدا أن إيران تساعد الولايات المتحدة في القضاء على ذلك النظام وخلق حكومة جديدة في أفغانستان، وهو ما انعكس في الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني السابق "محمد خاتمي" إلى العاصمة كابل في أغسطس 2002، في أول زيارة رفيعة المستوى منذ 40 عاما.
تعزيز العلاقات التجارية
ومنذ سقوط طالبان، عززت إيران علاقاتها التجارية مع أفغانستان؛ حيث وقع البلدان العديد من الاتفاقات التجارية في يناير 2003، كما قدمت إيران لأفغانستان خصم 90% على الرسوم والتعريفات المفروضة على السلع المصدرة من خلال منطقة التجارة الحرة في "شاباهار".
وبذلك نمت التجارة الإيرانية - الأفغانية من أقل من 10 ملايين دولار في عام 2001 إلى 500 مليون دولار في عام 2006، وفي منتصف عام 2007 أمدت إيران أفغانستان بأكثر من 500 مليون دولار في شكل أرصدة دائنة إلى أفغانستان وهو ما يمثل على الأقل أكثر من نصف ما تمنحه، وتأمل الدولتان في أن تتضاعف التجارة إلى بليون دولار في عام 2008.
وتقدم إيران مساعدات لأفغانستان تعد من قبيل الدعم العام لإعادة الإعمار؛ ففي يونيو 2006 وعدت طهران ببناء محطات توليد كهرباء 52 ميجاوات في كابل بتكلفة حوالي 80 مليون دولار، وقدمت إيران ما يقرب من مليوني دولار للمساعدة في الإصلاحات الإدارية الأفغانية غير الحكومية ومساعدة لجنة الخدمة المدنية لتدريب المسئولين الحكوميين في "قندهار" و"هيرات" و"كابل" خلال عامي 2006 و2007.
كما ساهمت إيران في بناء معهد اتصالات، وتوفير التدريب لموظفي البريد، وإنشاء برنامج لإرسال خبراء لتدريب المعلمين الأفغان، وفي الوقت ذاته تمكنت شركة "شهيدي كاندي" الإيرانية، بالتعاون مع شركة هندية، من إنشاء 150 ألف خط هاتف في كابل وقندهار ومزار شريف وجلال آباد.
وبالإضافة لهذا الدعم العام أولت إيران اهتماما كبيرا بالمقاطعات الحدودية الأفغانية (هيرات وفرح ونمروز)؛ حيث عملت على تقديم الدعم لها في مجالات الكهرباء والنقل والبنى التحتية، كما شرعت في إقامة طرق وخطوط سكك حديدية تربطها بهذه المقاطعات؛ ففي أغسطس 2007 أعلن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد خلال زيارته إلى كابل أن طهران ستتولى بناء طريق طوله 110 كيلومترات من مدينة "فرح" الأفغانية إلى الحدود الإيرانية في منطقة "ميلك".
وساعدت طهران على ربط غرب أفغانستان بالطاقة الكهربائية الإيرانية ورفع مستوى القدرة الكهربائية لعواصم المقاطعات الغربية عموما؛ ففي يناير 2007 بدأ تشغيل محول بقدرة ثلاثين ميجاوات بتمويل إيراني في مقاطعة "هيرات"، وفي مايو 2007 شيدت طهران خطا كهربائيا بين "هيرات" وإيران، ووعدت ببدء توريد الكهرباء لمقاطعة "فرح".
وبالتالي فإن النتيجة الأساسية لهذا الدعم هي ربط غرب أفغانستان بإيران اقتصاديا وسياسيا أكثر من أي وقت مضى، خاصة وأن المقاطعات الأفغانية الغربية أقرب لإيران منها إلى كابل، فمدينة أفغانية حدودية مثل "هيرات" تبعد عن الحدود الإيرانية بمقدار 75 ميلا، بينما تبعد عن كابول بمقدار 650 ميلا.
ولم يقتصر الدعم الإيراني لأفغانستان على الجوانب الاقتصادية؛ حيث دائما ما يشير القادة والإعلاميون الإيرانيون إلى الروابط الثقافية القريبة بين الدولتين، كما عملت طهران على تطوير علاقات ثقافية مع أفغانستان؛ حيث دعمت البرامج الدينية والتعليمية في أفغانستان، ولم تكتف إيران بعرض إرسال مدرسين إيرانيين لأفغانستان وإحضار المدرسين ورجال الدين الأفغان إلى إيران للتدريب، بل بدأت برنامجا لتشجيع تعليم وتعلم اللغة الفارسية في أفغانستان حتى في المناطق البعيدة عن حدود المقاطعات الغربية، وهو أمر سيكون له تأثير طويل المدى وإن كان غير قابل للتنبؤ سواء في داخل أفغانستان أو على علاقة أفغانستان بإيران.
وليس الهدف من هذه المناقشة التساؤل حول الحكمة الاقتصادية للمخططين الأفغان أو المجتمع الدولي أو حتى نسب الدوافع للنظام الإيراني؛ فإيران هي الدولة الأكبر والأغنى من أي من دول جوار أفغانستان الأخرى، كما أن الحدود الأفغانية - الإيرانية أكثر أمنا بصورة عامة من الحدود الباكستانية - الأفغانية وحتى من بعض الحدود الشمالية لأفغانستان، والنتيجة هي أن إيران تستحوذ على أفغانستان الغربية في مدارها بمعدل أسرع من الذي تعمل به أفغانستان لإدماج مناطقها ومدنها في وحدة اقتصادية.
العمال واللاجئون الأفغان
كانت قضية المهاجرين الأفغان غير الشرعيين في إيران، البالغ عددهم حوالي 1.5 مليون مهاجر، من بين القضايا التي ركزت عليها إيران في علاقاتها مع أفغانستان، خاصة مع تولي أحمدي نجاد السلطة عام 2005؛ فقد أعلن السفير الإيراني لدى كابل، في فبراير 2006، أن "كل اللاجئين الأفغان الذين يعيشون في إيران بصورة غير شرعية سيتم طردهم بحلول سبتمبر 2006"، ونتيجة للحرج الكبير الذي سببه هذا الأمر لأفغانستان -إذ كان من المستحيل عليها استيعاب أكثر من مليون من اللاجئين والمهاجرين العائدين في غضون سبعة أشهر- فإن الحكومة الإيرانية سرعان ما تخلت عن الفكرة، غير أن الرئيس أحمدي نجاد قد استأنف عمليات الترحيل بعد في عام 2007؛ مما تسبب في أزمة إنسانية وسياسية في أفغانستان استمرت طوال عام 2007.
فقد بدأت وزارة الداخلية الإيرانية في 21 أبريل 2007 تجميع المهاجرين الأفغان غير الشرعيين في مخيمات جديدة في المحافظات الحدودية، ومن ثم ترحيلهم إلى أفغانستان، وذلك في إطار خطة من مرحلتين أعلن عنها وزير الداخلية الإيراني آنذاك مصطفى بور محمدي، تهدف إلى طرد المهاجرين الأفغان غير الشرعيين، وذلك بحلول مارس 2008.
هذه الخطوات أزعجت المسئولين الأفغان، ونشبت أزمة حادة بين البلدين على خلفية هذا الأمر، خاصة مع حديث الأفغان تعرض اللاجئين لسوء المعاملة والعنف أحيانا من قبل المسئولين الإيرانيين.
وفي استجابة لتزايد حدة التوتر صعدت طهران من لغة خطابها؛ فقد أعلن بور محمدي أن تزايد عدد اللاجئين الأفغان في إيران كان نتيجة لـ"الوجود العسكري الأمريكي المكثف" في أفغانستان، ولانتشار قوات حلف شمال الأطلسي.
ونتيجة لهذه الأزمة بدأ البلدان محادثات للتوصل إلى حل؛ ففي 13 مايو 2007 وصل نائب وزير الخارجية الإيراني لمنطقة آسيا والمحيط الهادي ودول الكومنولث، مهدي سفاري، إلى كابل لإجراء محادثات مع الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، وقال سفاري: إن "الرئيس الإيراني أحمدي نجاد قد وافق على العودة التدريجية والمنظمة للاجئين الأفغان لوطنهم"، وبعد أسبوعين أعلن الناطق باسم كرزاي، كريم رحيمي، أن المسئولين الإيرانيين قد وافقوا على وقف عملية العودة الإلزامية لثلاثة أشهر.
ورغم ذلك استمرت جهود الترحيل في بعض المحافظات الإيرانية، فعلى سبيل المثال أعلنت الشرطة في محافظة "سيستان وبلوشيستان" أنها طردت ما يقرب من 74.597 من الأجانب منذ 21 أبريل 2007، وفي 21 يونيو أعلن حاكم "زهدان" -عاصمة محافظة "سيستان وبلوشيستان"- أن بدء المرحلة الثانية من مشروع ترحيل الرعايا غير الشرعيين من زهدان بحلول 22 يونيو.
وليس من الواضح تماما ما وصلت إليه الخطة الإيرانية لطرد مليون أفغاني غير شرعي من إيران بحلول مارس 2008، غير أن الحركة الفعلية للاجئين الأفغان على الحدود قد تباطأت، إلى جانب أن منظمة الهجرة الدولية قد أعلنت أن إيران طردت ما يقرب من 130 ألف أفغاني منذ 21 أبريل 2007.
وأيا كان الأمر فإن إقدام إيران على طرد العمال الأفغان يمكن إرجاعه إلى عدة أسباب، منها ما هو اقتصادي؛ حيث يرى الكثير من الإيرانيين أن وجود أكثر من مليون من العمال الأفغان المهاجرين يعتبر عائقا على الاقتصاد، إلى جانب اقتناصهم لفرص العمل من الإيرانيين، وربما هذا ما يفسر الإعلانات التي خرج بها المسئولون الإيرانيون عقب الشروع في طرد الأفغان والتي تبشر بتحسن الأوضاع الاقتصادية.
فمع بداية العملية ادعى مسئولون في محافظة "سيستان وبلوشيستان" أن هذا الترحيل قد حسن الوضع في المحافظة على الفور تقريبا، وبعد أقل من أسبوع من بداية العملية أفاد عدد من كبار المسئولين عن انخفاض حركة المرور، وأسعار الوقود، والتزاحم خارج المخابز، وربما كانت هذه الادعاءات صحيحة؛ فإزالة عشرات الآلاف من الأشخاص بسرعة من منطقة يؤدي إلى خفض الأسعار والقضاء على التزاحم على الأقل لفترة من الوقت.
وإلى جانب الدوافع الاقتصادية، هناك أيضا أسباب أمنية لهذه الخطوة الإيرانية؛ فنظرا لأن أفغانستان هي أكبر مورد للأفيون في العالم وإيران مستهلك رئيسي، فإن الإيرانيين يربطون الأفغان بتجارة المخدرات.
غير أن الأهم أن طهران تشعر بالقلق من إمكانية قيام الولايات المتحدة بمهاجمتها من الأراضي الأفغانية أو الباكستانية، وبالتالي فإن تصميم إيران على طرد الأفغان من المحافظات المجاورة لحدود وطنهم ربما يكون جزءا من الجهود المبذولة لإزالة مصادر المعلومات من المناطق الإستراتيجية قبل الهجوم المتوقع، وقد لعبت هذه الإستراتيجية دورا في الحل الوسط الذي توصلت إليه طهران مع كابول حول قضية اللاجئين؛ فقد أصرت إيران على إخراج الأفغان من سيستان وبلوشيستان.
ومما يعكس هذه المخاوف الإيرانية أيضا قيام طهران بافتتاح قاعدة جوية جديدة في "بيرجند" في جنوب خراسان على الحدود الشرقية لإيران، وقيام الشرطة الإيرانية أيضا بإنشاء قاعدة جديدة تدعى "رسول أكرم" في محافظة "سيستان وبلوشيستان" للسيطرة على الحدود والتعامل مع مشكلة اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين في المنطقة.
وفي المجمل فإن قرار طرد اللاجئين الأفغان ربما هدف في المقام الأول إلى تهديد حكومة كرزاي؛ وذلك بإظهار قدرة إيران غير المحدودة على إصابة جهود الحكومة الأفغانية بشأن إعادة الإعمال بالشلل في أي وقت عن طريق إعادة مئات الآلاف من اللاجئين والمهاجرين المعدمين إلى أفغانستان، وربما تعد الفوائد الاقتصادية والأمن الداخلي التي زعمها المسئولون الإيرانيون من ذلك الإجراء ثانوية.
دعم طالبان.. تضارب كبير
لا يوجد دليل قاطع على أن طهران تقدم دعما عسكريا لحركة طالبان؛ ففي كل مرة يتم الإعلان فيها عن ضبط أسلحة إيرانية موجهة إلى طالبان تتضارب تصريحات المسئولين الأمريكيين حول تورط إيران في هذا الأمر.
وعلى سبيل المثال عندما تم الإعلان في 17 أبريل 2007 عن ضبط شحنة أسلحة، تشتمل على مدافع هاون ومتفجرات بلاستيكية موجهة إلى طالبان تم صنعها في إيران، فإن "بيتر بيس" رئيس هيئة رؤساء الأركان المشتركة العام، الذي أعلن عن عملية الضبط، لم يتهم إيران صراحة بالتورط في الأمر؛ حيث قال: "نحن نعلم أن هناك ذخائر في العراق وأفغانستان صنعت في إيران، ونعلم أن قوة القدس تعمل لصالح الحرس الثوري الإيراني، ونخلص من هذا إلى أمرين: إما أن القيادة في الدولة تعلم ما تقوم به القوات المسلحة، أو أنها لا تعلم، وفي كلا الحالتين هذه مشكلة".
وعندما تم ضبط شحنة أسلحة أخرى مطلع يونيو 2007، أعلن قائد القوة الدولية للمساعدة الأمنية العامة الجنرال "دانيال ماكنيل" أن بعض الذخائر والأسلحة المضبوطة "من الواضح أنها من أصل إيراني"، إلا أن ماكنيل عاد وأكد: "ليس لدينا دليل قاطع للقول بأن هذا الأمر رسمي من الحكومة الإيرانية"، وهو نفس ما أكده الجنرال "بيتر بيس" عندما صرح بأن "الأسلحة الإيرانية التي وجدت في أفغانستان لا يعرف ما إذا كانت الحكومة الإيرانية قصدت إرسالها إلى هناك أم لا".
كما ذكر الرئيس الأفغاني أنه "ليس لدينا حتى الآن دليل على تورط الحكومة الإيرانية في إمداد طالبان، ولدينا علاقات جيدة جدا مع الحكومة الإيرانية".
ومع ذلك أعلن العقيد رحمة الله صافي، قائد لواء الحدود الأفغاني السادس، في 8 يونيو 2007، أن "اثنين من الشاحنات الخفيفة مع أكثر من 20 مسلحا عبروا الحدود من إيران لأفغانستان إلى مقاطعة فرح وفقا لمعلومات الاستخبارات"، وأنه تم اكتشاف مخلفات من الذخيرة الإيرانية على أرض المعركة في مقاطعة هيرات بعد اشتباكات بين طالبان والشرطة الأفغانية، إلا أنه أكد أنه "لا أدلة حتى الآن تقنع حكومتنا والمجتمع الدولي بأن هناك دول جوار تضعف من القانون في بلدنا".
فيما ذكر وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس: "لقد رأيت تحليلات إضافية تظهر بوضوح أن هناك إلى حد كبير تدفقا للأسلحة، وأقول إنه من الصعب تصديق أنها تجري دون علم الحكومة الإيرانية".
وبغض النظر عن هذا التضارب، فقد استمرت الاتهامات الموجهة لإيران بشأن دعم طالبان؛ فقد أفادت وكالة الأنباء الأفغانية "أن حكومة إيران قامت بتحويل المخيمات العسكرية من المجاهدين السابقين إلى معسكرات تدريب لمعارضي الحكومة الأفغانية الحالية"، وهو ما أكده المقيمون في مقاطعات هيرات وفرح.
وفي المجمل، فإن قضية تقديم إيران للدعم العسكري لطالبان تتطلب دراسة أكثر، خصوصا وأن هناك حجتين يتم الاستناد إليهما لإظهار أن الحكومة الإيرانية لا تقدم مثل هذا الدعم لطالبان.
الحجة الأولى هي الكراهية المتبادلة والعداء الشديد بين الجمهورية الإسلامية وطالبان، وبالتالي فمن الصعب تخيل إمداد إيران لطالبان بالسلاح، أو وجود أي رغبة إيرانية في عودة طالبان للحكم في كابل.
والحجة الثانية أنه لا يوجد دليل مباشر على تورط إيران في إرسال شحنات الأسلحة التي قبضت عليها قوات التحالف في أفغانستان، وبدلا من ذلك فإن المسئولين الأمريكيين والأفغان يذهبون لاحتمال أن العناصر الفاسدة في الجيش الإيراني قامت بتهريب الأسلحة المتقدمة إلى طالبان دون علم القيادة العليا في طهران.
وإذا كان من الصعب أخذ الحجة الثانية بجدية؛ ذلك أن نقل الأسلحة المتقدمة عن طريق الحدود ونقاط التفتيش إلى طالبان ليس شيئا يمكن أن يقوم به مسئولون منخفضو الرتبة دون علم المسئولين الكبار، وحتى مع صحة مثل هذا القول، فهذا يعني أن العسكرية الإيرانية تفتقر إلى الضوابط على تصدير التكنولوجيا العسكرية، فالحرس الثوري الإيراني قوة محترفة وبالتالي تستطيع أن تكتشف أي عصابة من هذا النوع بسرعة، لكن طهران تنفي ببساطة إرسالها أي أسلحة إلى أفغانستان، فإن الحجة الأولى هي أيضا ضعيفة إلى حد ما، فالدعم الإيراني لطالبان لن يمكنها بالضرورة من العودة إلى الحكم في أفغانستان.
فأيا ما كانت مواطن الضعف في الجهود المبذولة من جانب الناتو وحكومة كرزاي، فستظل حركة طالبان بعيدة عن التمكن من انتزاع السلطة في أفغانستان؛ حيث تمكنت بالكاد من الحفاظ على ملاذات آمنة، كما أن شحنات الأسلحة الإيرانية لن تقلب الطاولة على الناتو وحكومة كرزاي، خاصة مع نوعية الأسلحة التي يرسلها الحرس الثوري إلى حركة طالبان.
غياب الإستراتيجية المتماسكة
وعلى خلفية ما سبق، فإنه لا يمكن الحديث عن وجود إستراتيجية إيرانية متماسكة في أفغانستان، ومن ثم معرفة أبعاد هذه الإستراتيجية، ما دامت لم تقم القوات الأفغانية أو قوات التحالف بالقبض على مسئولين رفيعي المستوى في أفغانستان، كما حدث في العراق، لتبين ملامح هذه الإستراتيجية.
ولذلك فإن هناك صعوبة كبيرة تكتنف عملية تحديد النوايا الإيرانية في أفغانستان، فمع غياب الأدلة المادية حول تورط إيران بدعم طالبان، يصبح من الصعوبة بمكان الحديث عن نوايا محددة لإيران، وبالتالي تصبح مراقبة آثار التصرفات الإيرانية والعلاقة بينها وبين الأحداث في أفغانستان أكثر أهمية؛ ذلك أن الولايات المتحدة وأفغانستان يجب أن يهتموا بما يحدث بالفعل بصرف النظر عن النوايا الإيرانية.
ومهما تكن نوايا طهران، فإن هناك العديد من الأمور التي يجب أخذها في الاعتبار حول طبيعة الدور الإيراني في أفغانستان:
ـ برهنت طهران على قدرتها واستعدادها لزعزعة الاستقرار غرب أفغانستان واستخدام العمال المهاجرين واللاجئين الأفغان كأدوات للمساومة مع كابل.
ـ أدرك الأفغان بشكل واضح إستراتيجية العصا والجزرة من خلال طرد إيران الجماعي للاجئين كعصا، وبليون دولار من المساعدات والتجارة كجزرة.
ـ أظهرت طهران قدرة محدودة على زعزعة استقرار الحكومة الأفغانية عن طريق اتخاذ الإجراءات التي توقع مختلف الفصائل بعضها ضد بعض.
ـ الجمع بين الأفعال الإيرانية ونشاطات طالبان أدى إلى ربط غرب أفغانستان بإيران اقتصاديا وسياسيا أكثر من أي وقت مضى.
ـ أدت المخاوف الأفغانية من انتقام إيران بالإضافة إلى الارتباك في هيكل قيادة القوة الدولية للمساعدة الأمنية، بين أمور أخرى، إلى عرقلة جهود التحالف الرامية إلى تحديد نطاق وحجم التدخل الإيراني وارتباك التصريحات الأفغانية والأمريكية حولها.
ـ واصلت إيران علنا إلقاء اللوم حول كافة المشاكل الأفغانية على تواجد القوات الأمريكية وقوات الناتو، وهو ما التقى مع الاتهامات لإيران بدعم طالبان مع الاتهامات الأمريكية بدعم القاعدة.
ـ بدا من الواضح أنه لا يوجد إستراتيجية أمريكية أو أفغانية أو للناتو لضبط النفوذ الإيراني في أفغانستان، كما أن الولايات المتحدة والناتو غير مهتمين بتطوير مثل تلك الإستراتيجية.
لذلك يبدو أن حكومة كرزاي قد وصلت إلى استنتاج مفاده أنه من مصلحتها التعلق بإيران.
مؤرخ عسكري متخصص في شئون الدفاع وباحث مرموق بمعهد أمريكان إنتربرايز.
*عرض موجز للفصل الثالث من دراسة نشرها موقع معهد أمريكان إنتربرايز لأبحاث السياسة العامةThe American Enterprise Institute for Public Policy Research، للكتاب فردريك كاجان، ودانيل بليتكا، وكيمبرلي كاجان، تحت عنوان: "النفوذ الإيراني في الشرق الأدنى والعراق وأفغانستان"، سلسلة أوراق ودراسات، 19 فبراير 2008، من ص 37 إلى ص 56.
|