English

 

الاثنين. سبتمبر. 29, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أمريكا الشمالية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

أزمات أمريكا.. إيجابية لأوباما سلبية لماكين *

زيمينا أورتيز

إعداد - محمد عبد الله يونس

Image
جون ماكين وباراك أوباما
يبدو أن الزخم الذي حققته الحملة الانتخابية لـ"جون ماكين"، مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية، والذي أظهرته استطلاعات الرأي في أعقاب اختياره لـ"سارة بالين"، حاكمة ولاية ألاسكا، نائبة له، قد تراجع بشكل كبير في ظل الأزمات التي شهدتها الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، والتي كان آخرها الأزمة التي عصفت بالأسواق المالية، فضلا عن تطورات الصراع بين روسيا وجورجيا، والتحديات السياسية والأمنية التي تواجهها باكستان.

وقد وضعت هذه التطورات الحزب الجمهوري أمام معضلة إعادة هيكلة دعائم حملته الانتخابية، التي تركز على قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي بصورة واضحة؛ نظرا لعدم تقبل دافع الضرائب الأمريكي التكلفة الكبيرة لخطة الإنقاذ الاقتصادية التي تبنتها إدارة الرئيس جورج بوش لدعم المؤسسات المالية الأمريكية التي أعلنت إفلاسها الواحدة تلو الأخرى كأحد تداعيات تفاقم أزمة الرهن العقاري.

ومن هذا المنطلق فإن "باراك أوباما" على ما يبدو هو المستفيد الأكبر من الأزمات التي تعرضت لها أمريكا ومن ثم التحولات التي طرأت على اتجاهات الرأي العام الأمريكي، في ظل اتجاه المواطنين الأمريكيين لدعم التغيير، وتصاعد قابليتهم لتحمل المخاطرة المترتبة عليه، إلا أن هذا لا يعني التسليم بتضاؤل فرص "ماكين" و"بالين" في استعادة الصدارة من جديد.

فتوجه الرأي العام الأمريكي يتسم بالتذبذب، وسرعة التأثر بالأحداث الجارية، فضلا عن أن الفترة المتبقية حتى نوفمبر 2008 تعد طويلة نسبيا؛ ما قد يعطي "ماكين" الفرصة لاستعادة الصدارة، مستفيدا من عدة مناسبات قادمة مثل المناظرات الإعلامية بين المرشحين التي قد تؤدي إلى تشويه صورة أحدهما أمام الرأي العام بما ينعكس على تعزيز موقف المرشح الآخر.

ومن المتوقع أن يستمر التقارب الحاد في نسبة مؤيدي المرشحين، والتذبذب في مواقف فئة المترددين في الرأي العام الأمريكي حتى إجراء الانتخابات فعليا في نوفمبر.

أوباما الرابح الأكبر

عكست استطلاعات الرأي حقيقة أن الأزمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة كانت في صالح المرشح الديمقراطي "باراك أوباما"، فرغم أنه كان من المتوقع أن يكون "ماكين" المستفيد الأكبر من الأزمة الاقتصادية، بناء على نتائج استطلاع رأي أجراه مركز "زغبي" لاستطلاعات الرأي العام بين يومي 11 و13 سبتمبر 2008، والذي يشير إلى تفوق "ماكين" على "أوباما" فيما يتعلق بقدرته على إدارة الاقتصاد الأمريكي بحصوله على تأييد حوالي 47% ممن شملهم الاستطلاع، في مقابل حصول أوباما على 45%، فإن ما حدث هو العكس تماما.

فقد كشفت استطلاعات الرأي التي أجريت لاحقا عن أن تأييد الجمهور الأمريكي لـ"ماكين" قد تراجع عقب الأزمة المالية مباشرة؛ حيث أكد حوالي 46% ممن شملهم الاستطلاع الذي أجراه مركز زغبي يوم 27 سبتمبر 2008 على أن "أوباما" هو الأقدر على التعامل مع الأزمة الاقتصادية، مقابل تأييد 41% لقدرة "ماكين" على تحقيق ذات الغاية.

وكشفت استطلاعات أخرى للرأي العام عن تحولات أكثر جذرية في توجهات الرأي العام الأمريكي لصالح أوباما خاصة استطلاع الرأي الذي أجرته شبكة "إيه بي سي" الإخبارية بالتعاون مع صحيفة "واشنطن بوست" في 24 سبتمبر 2008، والذي حصل فيه أوباما على تأييد حوالي 52% ممن شملهم الاستطلاع، مقابل 43% لـ"ماكين"؛ ما يعزي إلى تبلور إدراك ما حول قدرة أوباما على التعامل مع الأزمة الاقتصادية بشكل أفضل.

وتتلخص الأسباب التي أدت لتحول الرأي العام باتجاه "أوباما" نتيجة الأزمة الاقتصادية في اعتقاد غالبية الأمريكيين أن التبعة الرئيسية لانهيار القطاع المالي في الاقتصاد الأمريكي تقع على عاتق الإدارة الأمريكية الحالية التي تركت الأزمة تتفاقم تحت رقابتها دون اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهتها، بل وعانت الإدارة من التخبط والارتباك حول أسلوب التعامل مع الأزمة المالية.

فقد قلل مسئولو الإدارة في بداية الأمر من تداعيات أزمة الرهن العقاري على الاقتصاد الأمريكي، ولكن مع انهيار المؤسسات المالية الأمريكية الواحدة تلو الأخرى سارع هؤلاء المسئولون إلى ما يشبه إعلان حالة الطوارئ، وشرعوا في تقديم خطة اقتصادية تتكلف بلايين الدولارات دون تحديد سلسلة محددة وواضحة من الإجراءات المزمع اتخاذها لمواجهة الأزمة.

وبطبيعة الحال فإن الانتماء الحزبي المشترك بين كل من إدارة بوش و"ماكين" قد ألقى بظلاله سلبا على درجة تأييد "ماكين" في أوساط الرأي العام، خاصة في ظل تفضيل الحزب الجمهوري لتقليص السيطرة الفيدرالية على الاقتصاد (وهو ما يتعارض مع الموقف الحالي الذي يدعم فيه الحزب تدخل أكبر للسلطة الفيدرالية لضبط الأسواق المالية) مقابل دعم الديمقراطيين لإصدار مزيد من التشريعات لتنظيم وإدارة الاقتصاد الأمريكي.

وفضلا عما سبق فإن ماكين يواجه إشكاليات أخرى تتعلق بمصداقية حملته الانتخابية، نتيجة سحب العديد من أقطاب مؤيديه وأعضاء فريق إدارة حملته الانتخابية، من المديرين التنفيذيين المستفيدين من أزمة الاقتصاد الأمريكي، استثماراتهم من الشركات ذات الأوضاع الاقتصادية المهتزة مبكرا، وتحقيقهم مكاسب تقدر بملايين الدولارات، مثل "كارلي فيورينا" الذي حصد حوالي 40 مليون دولار من جراء إعلانه إنهاء مساهمته في شركة هلويت باكارد.

ولكن الأمر المثير للدهشة أن كافة تلك العوامل، التي تسببت في تراجع شعبية "ماكين" بعد الأزمة المالية، كانت واضحة للرأي العام الأمريكي قبيل إجراء استطلاع الرأي الأول الذي أجراه مركز "زغبي" والذي أشارت نتائجه لتفوق "ماكين"، بالإضافة إلى أن "ماكين" قد طالب بإجراء تعديلات على خطة إدارة الرئيس بوش للخروج من الأزمة، تشبه تلك التي طالب بها "أوباما"؛ ما يعني أن "ماكين" قد نجح في أن ينأى بنفسه عن الاتهام بالتقارب مع سياسات الرئيس بوش على المستوى الاقتصادي.

بالإضافة إلى أن نتائج بعض الاستطلاعات، مثل استطلاع الرأي الذي أجرته "مؤسسة بيو لاستطلاعات الرأي" بين يومي 9 و14 سبتمبر 2008، كانت تشير إلى أن "ماكين" قد نجح في استعادة الاحترام الذي كان يحظى به الحزب الجمهوري قبيل الفترة الرئاسية الثانية للرئيس بوش.

فقد أشار خلالها نصف الناخبين، الذين لهم حق الإدلاء بأصواتهم، إلى تحسن صورة الحزب الجمهوري التي كادت تتلاشى نتيجة سياسات إدارة جورج بوش، مؤكدين أن "ماكين" يعد مرشحا جمهوريا من نوع مختلف، ولكن بالنظر إلى التراجع الحاد في التأييد الذي يحظى به "ماكين" عقب الأزمة الاقتصادية الأخيرة فإنه من المرجح أن تكون مواقف الأمريكيين قد تبدلت جذريا تجاه تفضيل "ماكين" والحزب الجمهوري.

سياسة خارجية مثيرة للجدل

لم يقتصر تراجع تأييد برنامج "ماكين" على الجوانب الاقتصادية فقط، وإنما امتد ليشمل أركان برنامجه الانتخابي التي كان يحظى فيها بتفوق واضح على "باراك أوباما"، مثل قضايا الأمن القومي، والحرب على الإرهاب، والتعامل مع الأوضاع المعقدة في العراق، مقابل تفوق واضح لأوباما في تلك القضايا، وهو ما كشفت عنه نتائج الاستطلاع سالف الذكر الذي أجرته شبكة "إيه بي سي" الإخبارية، وصحيفة "واشنطن بوست".

ورغم ذلك فإن غالبية الرأي العام الأمريكي لا تزال تتشكك في قدرة "أوباما" على التعامل مع الشئون العسكرية بكفاءة؛ حيث أظهر الاستطلاع أن 48% من الأمريكيين يثقون في قدرة "أوباما" على إدارة الشئون العسكرية، مقابل 75% لـ"ماكين".

ومما يدعو أيضا للحيرة والتساؤل أن الرأي العام الأمريكي يؤيد برنامج "أوباما" على صعيد قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية، في الوقت الذي ما زال يبدي فيه تذبذبا، كما سلفت الإشارة، فيما يتعلق بتأييد رؤيته للتعامل مع إشكاليات الاقتصاد الأمريكي، كما يثير تأييد الأمريكيين بقوة لأداء "ماكين" على الصعيد العسكري جدلا مماثلا نظرا لدعوة الأخير باستمرار لبذل المزيد من التضحيات الأمريكية في العراق وزيادة المخصصات المالية لدعم التواجد العسكري الأمريكي هناك، ناهيك عن افتقاده لإدراك واضح حول طبيعة الصراع في العراق وتعقيدات الخريطة الإثنية والطائفية الكامنة خلف تصاعد وتيرته من آن لآخر، وهو ما عكسته تصريحات "ماكين" خلال زيارته للشرق الأوسط في مارس 2008.

فقد صرح "ماكين"، خلال زيارته تلك، بأن عناصر تنظيم القاعدة (السني) تتسلل إلى داخل إيران (الشيعية) لكي تتلقى التدريب العسكري ثم تعود للعراق لتنفيذ عمليات عسكرية داخل العراق، وهو ما حدا بالسيناتور "جوزيف ليبرمان" الذي كان يقف خلف "ماكين" مباشرة لأن يهمس في أذني الأخير حول خطأ ذلك الادعاء، ومن ثم تراجع "ماكين" عن تصريحه سريعا ليقول إن إيران تدعم المتطرفين في العراق ولكنها لا تدعم تنظيم القاعدة بالضرورة.

وتشير كافة المؤشرات إلى أن السياسة الخارجية لـ"ماكين" لن تكون أقل إثارة للجدل من السياسات التي تبناها سابقه الرئيس جورج بوش، وخاصة بعدما أكد "ماكين" في تصريح له في يناير 2008 على أن الولايات المتحدة سوف تخوض حروبا أخرى ولن تستسلم؛ ما يعني أنه يرى الحرب كأحد ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية، فضلا عن كونها حتمية تفرضها رؤيته الذاتية للنظام الدولي.

ولا تختلف رؤية "سارة بالين" كثيرا عن "ماكين" فيما يختص بالسياسة الخارجية، فبالين تدعم بقوة انضمام جورجيا إلى حلف الناتو، وعندما سئلت في حوار تلفزيوني مع تشارلز جيبسون عن أن انضمام جورجيا للناتو قد يؤدي إلى اندلاع مواجهة عسكرية أمريكية مع روسيا إذا تدخلت موسكو عسكريا في جورجيا في المستقبل، كانت إجابة "بالين" أن الولايات المتحدة ستكون مضطرة للوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه أحد أعضاء حلف الناتو ومن ثم دعم تلك الدولة الديمقراطية الصغيرة (جورجيا) في مواجهة الاعتداء الروسي على أراضيها.

ومن ثم فإن الرأي العام الأمريكي لديه من الأسباب الكافية ما يدعو للتخوف من السياسات المعلنة من جانب كل من "ماكين" و"بالين" في حال وصولهما لسدة الرئاسة، وعلى الرغم من ذلك لا يزال ماكين يحتكر تأييد قطاعات واسعة في الرأي العام الأمريكي في هذا المجال.

وفضلا عما سبق، فإن خبرة "ماكين" على الصعيد العسكري لا تضمن له بأي حال أداء متميزا في التعامل مع قضايا الحرب على الإرهاب، والأوضاع في العراق، في ظل نزوعه نحو استخدام القوة لحسم تلك القضايا بشكل عام، بينما يجب أن يركز الجمهور الأمريكي ليس فقط على افتقاد "بالين" للخبرة المناسبة لتولي منصب نائب الرئيس وإنما على ضعف المنطلقات الإدراكية التي تقوم عليها أطروحاتها على الصعيد الخارجي، في مقابل رؤية "أوباما" العالمية التي تقوم على تفسيرات مدروسة وواعية للتطورات المتلاحقة عالميا، رغم افتقاده للخبرة الواسعة في مجال السياسة الخارجية.

ولذا فإن على الأمريكيين، أن يختاروا، في هذه الانتخابات ما بين مرشح واعد يفتقد إلى إثبات الذات، وآخر يفتقد بشكل مؤكد للاقتدار السياسي، وبغض النظر عن الرئيس الذي سوف يتم انتخابه في نوفمبر فسوف تظل أسباب اختيار الناخبين الأمريكيين له غامضة ومحيرة في آن واحد.


كبير محررين في مجلة "ذي ناشيونال إنترست The National Interest  ، والتي تؤيد سياسة المحافظين الجدد الأمريكيين.  

*مقال نشر على موقع مجلة "ذي ناشيونال إنترست"، يوم 26 سبتمبر 2008، تحت عنوان: "تحديد إدراك الناخبين  Making Sense of Voters".

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات