|
خريطة لبحيرة الرزازة.. لاحظ
كلما تدرج اللون الأزرق الداكن إلى
الفاتح دل ذلك على انحسار المياة عن
مناطق كانت مغمورة بها |
في ظل التغيرات المناخية وتأثيراتها المتزايدة على بيئة ومناخ العراق، تأتي سياسات الإهمال والإهدار، وسوء التخطيط للمشاريع المستقبلية في قطاع المياه الذي انتهجته مؤسسات ودوائر الدولة خلال الفترات الماضية لتفجر مشكلة جفاف تلقي بظلال مخيفة على المجتمع العراقي.
فقد حذرت وزارة الموارد المائية العراقية خلال بيان صادر عنها مؤخرا من أن البلاد تعاني من نقص كبير في المياه قد يؤدي إلى حدوث حالة من الجفاف فيها، وعللت ذلك بأنه نتيجة لسياسات الاحتكار للموارد المائية التي تنتهجها الدول المتشاطئة لنهري دجلة والفرات وفروعهما، إضافة إلى حالة انحسار تساقط الأمطار غير المعتادة التي شهدها فصل الشتاء لعام 2008، والتي أدت إلى حدوث مشكلة الجفاف.
وتوضح الوزارة أن كمية مياه الأمطار التي هطلت على البلاد خلال فصل الشتاء المنصرم قد قلت بنسبة 30% عما كانت عليه في الأعوام الماضية؛ وهو ما أثر بوضوح على مستويات المياه في نهري دجلة والفرات وروافدهما، وأدى إلى انخفاض مناسيب المياه فيهما.
وكشف البيان الحكومي عن انخفاض إجمالي مخزون المياه في الخزانات والبحيرات في الوقت الحاضر بواقع 9.19 مليارات متر مكعب عما كان عليه في 2007، ليصل مستوى المخزون إلى 22.07 مليار متر مكعب.
ويؤكد مسئولون وخبراء محليون في الإدارة المائية، أن بحيرات العراق بدأت تشهد انخفاضا في منسوب مياهها وارتفاعا في نسبة ملوحتها؛ وهو ما يهدد بتعرضها للجفاف خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًّا، مما سيلحق أضرارا فادحة بسبل عيش المزارعين والصيادين في مناطق تلك البحيرات، ما لم يتم اتباع سياسات وإجراءات تدفع لمعالجة المشكلة.
بحيرة الرزازة تحتضر
ويقدر مجموع مساحة البحيرات الكبرى في العراق (الثرثار، والحبانية، والرزازة) بـ 373 ألف هكتار، انخفضت مساحتها إلى النصف في الوقت الحاضر؛ بسبب شحة المياه الواردة إلى البلاد، بعد قيام كل من سوريا وتركيا وإيران ببناء سدود على نهري دجلة والفرات أو تغيير مسار روافدهما المؤدية إلى العراق.
بحيرة الرزازة هي ثاني أكبر بحيرة للمياه للعذبة بالعراق، وتقع على بعد15 كم غرب محافظة كربلاء إلى الجنوب من بغداد العاصمة، تبلغ مساحتها 1810 كم2، وتقع على ارتفاع 40 م عن مستوى سطح البحر وتتسع لحوالي 26 مليار متر مكعب من المياه، وهي جزء من سهل يضم بحيرة الثرثار والحبانية وبحر النجف، وتأتي مياهها من 8 مصادر من بينها، نهر الفرات، وبحيرة الحبانية، وبحيرة الراشدية، وينابيع المياه الجوفية، ومياه الأمطار، والتدفقات الموسمية.
وبحسب مختصين فإن انخفاض منسوب مياه بحيرة الرزازة وارتفاع نسبة ملوحتها نتيجة عملية التبخر، وعدم كفاية الماء الوارد للبحيرة لتعويض النقص الناتج عن ذلك، نفقت أنواع متعددة من الأسماك التي يعتمد عليها مئات الصيادين في سبل عيشهم.
وقد بدأ بالفعل سكان المناطق والقرى المحيطة بتلك البحيرات بالنزوح من مناطق سكناهم في محاولة منهم للبحث عن فرص عمل جديدة في مناطق أخرى، فغالبيتهم ممن يمتهنون الزراعة وصيد الأسماك لكسب أرزاقهم اليومية، وانتقل بعضهم مع عائلته للسكن في المدن؛ بسبب الأضرار الفادحة التي لحقت بسبل عيش المزارعين والصيادين في مناطق البحيرات.
دولة المصب مجني عليها
ويؤكد الدكتور حسن الجنابي المستشار السابق في وزارة الموارد المائية، والخبير بمكتب المشاريع والعقود التابع للجيش الأمريكي المنوط بإعمار العراق، أن مشكلة المياه في العراق تتعلق بكونه بلد المصب، حيث يقع في أسفل الحوض النهري، وأنه كلما قامت الدول التي تنبع منها هذه الأنهار بإنشاء وتطوير مشاريع السدود والخزانات، أدى ذلك إلى قلة المياه الواردة للعراق، فضلا عن الآثار المترتبة على مخلفات الصناعات البتروكيميائية والصناعات العسكرية في الدول المتشاطئة، والتي أدت إلى قلة وشح المياه ورداءة نوعيتها، موضحا أن معالجة هذه المشكلة يتطلب استثمارات كبيرة وجهد جبار بالتنسيق مع الدول ذات العلاقة.
ويعزو مسئولون وخبراء في قطاع المياه، أسباب ارتفاع درجات الملوحة في البحيرات إلى زيادة عملية التبخر بسبب التغيرات المناخية وارتفاع درجة حرارة الجو، إضافة إلى عدم كفاية الماء الوارد للبحيرة لتعويض النقص الناتج عن ذلك؛ بسبب انخفاض منسوب المياه في نهري دجلة والفرات أهم مصدرين لمياه تلك البحيرات، فضلا عن السياسات الخاطئة التي انتهجها النظام السابق من خلال قيامه بتجفيف المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات عن طريق بناء السدود والخنادق والقنوات، وتحويل مناطق البحيرات إلى مناطق تدريب عسكرية.
وتقدر كميات المياه المتاحة في العراق بحدود 77 مليار متر مكعب منها 48 مليار متر مكعب من نهر دجلة وروافده والباقي من نهر الفرات، لكن الكمية المستغلة فعلا هي فقط 25 مليار متر مكعب، ويؤكد الخبراء أن مجموع كميات المياه المتاحة في العراق ستصل عام 2025 إلى 2.162 مليار متر مكعب.
وتشير بعض الدراسات التي قام بها عدد من الخبراء العراقيين إلى أن خسارة كل مليار متر مكعب من مياه الفرات في العراق تؤدي إلى نقصان 26 ألف دونم من الأراضي الصالحة للزراعة، كما يتنبئون بخسارة حوالي 40% من هذه الأراضي الزراعية جراء ارتفاع معدلات الملوحة في مياه الفرات.
وتؤكد تلك الدراسات أن موجة الجفاف وتقلص فترات هطول الأمطار أدى إلى تضاؤل كمية المياه الجارية في الأنهار وجفاف الآبار والعيون، وتحول كثير من المجاري المائية إلى مواضع للنفايات ومراتع للحشرات والقوارض، ومصدرا للروائح الكريهة، أي تحولت إلى مجارٍٍ تعاني من الطفيليات والذباب والبعوض، ومرتع لأوساخ الناس، ومخلفات المطاعم القريبة.
وبحسب مسئولين وخبراء في مجال المياه فإن آثار موجة الجفاف ستظهر جلية للعيان في مجالات الزراعة وصيد الأسماك وتوليد الطاقة وانخفاض المناطق الخضراء في المدن ليهدد الأحزمة الخضراء ويزيد من التغيرات المناخية البيئية المحلية ونفس الأمر على عمل المحطات الكهرومائية وأداء السدود القائمة، إذا ما استمرت الدول المجاورة بنفس سياستها المائية خصوصا في ظل جفاف فصل الشتاء فإن العراق محكوم بفقدان نصف موارده المائية على حد تعبيرهم.
مواجهة الأزمة
ونتيجة لموجة الجفاف فإن وزارتي الموارد المائية والزراعة قررتا السماح بزراعة المحاصيل الإستراتيجية فقط هذا الصيف، مثل الأرز والذرة وعباد الشمس والقطن والخضراوات، كما أصدرت الحكومة تعليمات بتقنين حصص الري لمختلف المحاصيل في مختلف المناطق.
وقد أضر الجفاف الذي شهدته البلاد هذا العام بمحصول الشعير بنسبة أكبر من إضراره بمحصول القمح؛ ونتيجة لذلك قدر بعض خبراء الاقتصاد أن يكون إنتاج هذا المحصول قد انخفض بنسبة 90%، مما انعكس سلبا على قطاع تربية المواشي الذي يعتمد على الشعير بنسبة 60% وقد تسبب ذلك في إفلاس العديد من المزارعين الصغار، مما دفع دوائر الثروة الحيوانية إلى محاولة إيجاد طرق بديلة لتوفير العلف للماشية مثل التبن المدعم بالمواد المغذية.
من جهتها اتخذت وزارة الموارد المائية العديد من الإجراءات لمواجهة ظاهرة الجفاف وشح المياه، حيث جعلت إدارة تشغيل السدود كافة في العراق مركزية من قبل وزارة الموارد المائية في الحكومة الفيدرالية.
كما اتفق وزير الموارد المائية عبد اللطيف جمال رشيد خلال زيارته لكل من تركيا وسوريا على زيادة الإطلاقات المائية لنهري دجلة والفرات لمواجهة شح المياه، وحث إيران على ضرورة زيادة الإطلاقات المائية وبشكل عاجل لتخفيف آثار الجفاف.
ودفعت مشكلة الجفاف وانخفاض مناسيب المياه في العراق بعض الجهات لتقديم مقترحات تضمن ديمومة جريان المياه بشكل طبيعي في أنهار وبحيرات البلاد من خلال عقد اتفاقات مع دول المنبع، أو تلك المتشاطئة، حيث اقترح ممثل المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في كربلاء العمل بمبدأ المصالح المتبادلة بين الدول، وذلك ببيع النفط إلى دول مجاورة بأسعار تفضيلية مقابل تزويد العراق بالماء لحل مشكلة المياه في نهري دجلة والفرات، وتجنب الأضرار التي لحقت وتلحق بالزراعة نتيجة موجة الجفاف.
ويقول الكربلائي: "كحل جزئي ولفترة محددة لابد أن تتركز اللقاءات مع مسئولي الدول المجاورة على زيادة نسبة مياه نهري دجلة والفرات الواردة إلى العراق والوصول إلى حل توافقي مع تلك الدول لحل هذه المشكلة"، مشيرا إلى أن الدول تعمل بمبدأ المصالح المتبادلة، وعلى العراق العمل بهذا المبدأ، وتقديم تسهيلات للدول المجاورة.
صحفي عراقي مهتم بالشأن العلمي، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالقسم oloom@iolteam.com
|