|
ماذا لو اعتمد أحد الآباء في أسلوب تربية أبنائه على إعطائهم مطلق الحرية، هل يكون ذلك مبررا له بألا يتدخل إذا وجد أحدهم في مأزق؟ ولنضرب مثالا أوضح، لو رأى هذا الأب ابنه ينزف لسبب كان هو صانعه، وليكن حادثا نجم عن قيادته لسيارته سريعا، فهل يقف الأب ويقول: لن أتدخل لقد أعطيته مطلق الحرية وعليه تحمل تبعات أفعاله؟!
الإجابة: بالطبع سيتدخل الأب، ولو لزم الأمر فسيعطي لابنه من دمائه.. هذا بالضبط ما حدث عندما تدخلت أمريكا لحماية ابنها المدلل "السوق الحرة" لإنقاذها من "تسونامي الرهن العقاري" الذي كاد أن يفتك بها، وذلك عبر ضخ دماء جديدة لها تمثلت في الاستحواذ على شركتي الرهن العقاري "فاني ماي" و"فريدي ماك" لحمايتهما من الإفلاس، وشراء مجموعة "أمريكان إنترناشيونال جروب" للتأمين، بالإضافة إلى طرح الخزانة الأمريكية برنامجا حكوميا تتراوح تكاليفه بين 500 و800 مليار دولار لشطب الأصول الفاسدة المرتبطة بالقروض العقارية من سجلات الشركات المالية الأمريكية.
والسؤال: هل يعود الأب لنفس أسلوبه القائم على الحرية المطلقة بعد تجاوز نجله الأزمة أم يغيره؟
في عالم المعاملات الإنسانية يؤكد خبراء علم النفس أن القاعدة العامة تقول "الصدمات تحدث التغيير"، ولم يختلف الأمر عند خبراء الاقتصاد الذين استطلعت "إسلام أون لاين" آراءهم، حيث رجحوا حدوث تغيرات في أسلوب إدارة أمريكا للسوق الحرة.
الحرية المسئولة
وأوضح د. علي الصادق، رئيس وحدة البحوث بمجلس دبي الاقتصادي، أن هذا التغيير سيكون بفرض مزيد من الرقابة على السوق، وأكد أن ذلك لا يعني الانتقاص من حريته، ولكنها "الحرية المسئولة" التي تعني المراقبة دون التدخل في الإدارة.
وقال د. الصادق: "سيسمح ذلك للحكومة بالتدخل قبل أن تقع (الفأس في الرأس)، وبذلك تحمي السوق الحرة من نفسها"، مشيرا إلى أن السبب الرئيسي للأزمة هو جنوح السوق لغياب الرقابة، لدرجة أن البنوك الأمريكية كانت تعطي قروضا دون وجود ضمانات كافية.
ورفض د. الصادق ما يقال عن وفاة "السوق الحرة" بعد التدخلات الأمريكية، وقال: "الترويج لفكرة أن السوق الحرة تعني انسحاب الدولة ينطوي على مغالطة، فلا يوجد اقتصاد سليم دون إشراف حكومي".
وتابع: "تدخل الحكومة الأمريكية جاء في وقته، ولو لم يحدث ذلك لانهار الاقتصاد الأمريكي والاقتصادات المرتبطة به".
مسكنات لا علاج
ويصف الخبير الاقتصادي د. رشاد عبده التدخل الأمريكي لعلاج الأزمة بأنه مسكنات لا تقضي على المرض، ولكنها على أي حال أنقذت الاقتصاد الأمريكي من أزمة أشبه بالكساد العظيم التي حدثت عام 1929، ويتفق مع ما ذهب إليه د. الصادق من أن العلاج الجذري للمشكلة يكمن في الرقابة.
وحول رؤية البعض أن أمريكا كتبت نهاية السوق الحرة بتدخلها لحماية الشركات الأمريكية، أوضح د. عبده أن هذه مقولة خاطئة، مبعثها فهم خاطئ للسوق الحرة، وقال: "السوق الحرة لا تعني الفوضى"، مشيرا إلى أن هذا هو الفارق بين فهمنا له وتطبيقه بالخارج، فأمريكا بلد الرأسمالية تدخلت لحماية السوق من احتكار شركة مايكروسوفت، على عكس ما يحدث في الدول "أشباه الرأسمالية" -كما وصفها د. عبده- والتي تطبق السوق الحرة بمفهوم: "من يقدر على شيء فليفعله".
التقليد الأعمى
ويفسر د. فخر الدين الفقي، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، شيوع هذا المفهوم عن السوق الحرة بتلك الدول؛ لأنها لا تطبق النظم الاقتصادية عن دراسة، ولكنها تقلد فقط، ويضرب د. الفقي نموذجا بمصر التي لجأت إلى التأميم في الخمسينيات تقليدا لإنجلترا التي طبقت نفس النظام، وعندما تحولت للخصخصة في السبعينيات تحولت معها.
ويبدي د. الفقي قلقه من أن يكون ما حدث بأمريكا من تدخل الدولة لحماية نظامها المالي دافعا للدول النامية لاتباع سياستها المعهودة في التقليد، وقال: "ما هو مباح لأمريكا غير مباح لغيرها".
وأوضح أن هناك مجموعة من العوامل أدت لهذا التدخل لا تنطبق إلا على أمريكا، منها أن اقتصادها قوي، ومن ثم فإن هذا الإجراء لن يحمي اقتصاد أمريكا فقط، ولكنه سيحمي اقتصاد الدول المرتبطة به أيضا، كما أنه جاء كحل أخير للإنقاذ بعد عامين من نشأة الأزمة، وأخيرا.. فإن هناك حالة من الشفافية والوضوح غلفت إجراءات التدخل، وهذا أمر غير مضمون في الدول النامية.
وكان الكاتب السعودي فهد الشتري قد كشف عن هذه الإشكالية في مقال له نشرته جريدة "الاقتصادية" السعودية يوم 21 أغسطس 2008، عندما أبدى تعجبه من تدخل الحكومة السعودية في الستينيات لإنقاذ بنك الرياض والبنك الوطني، وتنفيذ نفس الأمر لإنقاذ بنك الخليج الدولي في أعقاب تحقيقه خسائر في سندات الرهن العقاري تجاوزت 757 مليون دولار، وهو ما لم تفعله لانتشال سوق الأسهم السعودية من خسائر شباط (فبراير) 2006، على الرغم من أنها لا تمثل خسائر في محافظ المستثمرين الأفراد فقط، ولكنها تمثل خسائر كبيرة للدولة بحكم استثمارها من خلال الصناديق الحكومية في كل الشركات المساهمة تقريبا.
إدارة فاشلة
ولأن الوقاية خير من العلاج يتفق د. الفقي مع د. عبده ود. الصادق في أهمية الرقابة لمنع وقوع المشكلة قبل حدوثها، مشيرا إلى أن العيب ليس في السوق الحرة، ولكن في غياب الرقابة.
ويربط المحلل الاقتصادي القطري خليل العبثي بين حدوث هذه المشكلة وإدارة بوش الفاشلة، مشيرا إلى أن المشكلة لا تتعلق بالبنية الأساسية للنظام الرأسمالي قدر تعلقها بالسياسات الاقتصادية الفاشلة التي قادتها إدارة الرئيس بوش، وقال: "هذه الأزمة تتويج لمختلف السياسات الهوجاء التي قادتها هذه الإدارة منذ أن حلت في البيت الأبيض، سواء على صعيد السياسة أو الاقتصاد".
ورغم سلبيات هذه الإدارة فإن د. العبثي يرى أن تدخلها لحماية الاقتصاد الوطني يعطي درسا للدول والحكومات في ضرورة التدخل من أجل حماية مصالح الناس ورعايتها، ولكنه يتفق مع ما ذهب له الشتري ود. الفقي من ضرورة أن يكون هذا التدخل قائما على الشفافية والوضوح، ويكون بطريقة تتمتع بالمساواة والعدل لا بالاحتكار والهيمنة والسطو.
محرر بصفحة نماء، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com
|