English

 

السبت. سبتمبر. 20, 2008

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

سؤال تفرضه أزمة " الرهن العقاري"

متى تتدخل الدولة لحماية نظامها المالي؟ *

فهد الشتري

Image
تدخل الدولة ضروري لحماية النظام المالي

متى يكون للدولة الحق في التدخل لحماية إحدى المنشآت المالية من الانهيار؟ هل الدولة ممثلة في البنك المركزي مخولة لحماية أي منشأة مالية من الانهيار؟ وكيف نحدد الخطر الذي يستدعي التدخل؟ كل هذه أسئلة مطروحة تبحث عن إجابات لها داخل النظام المالي لأي دولة، وتحديدها يلعب دورا مهما في تحقيق الاستقرار المالي وتحقيق التقدم والازدهار الاقتصادي.

 المشكلة تكمن في تعقد هذا الدور وتشعبه؛ لأنه يعتمد في الدرجة الأولى على التقدير الشخصي، وليس الكمي لحجم المخاطر المحدقة بأي منشأة مالية، والأكثر تعقيدا فيما يتعلق بتدخل الدولة لحماية النظام المالي هو تحديد (الخط الفاصل) لما يمثل مخاطر فعلية تهدد النظام المالي ككل، وتستدعي تدخل السلطات المالية في الدولة، وبين ما يمثل مخاطر يقتصر أثرها في المنشأة أو القطاع الذي تعمل فيه تلك المنشأة المالية.

 فهذا الخط الفاصل وإن بدا واضحا من حيث المبدأ، إلا أنه من حيث التطبيق غير واضح المعالم ويخضع كما ذكرت وبشكل كبير للتقدير والجدل الشخصي، إضافة إلى أن خبرات الدول الأخرى لا تخبرنا الكثير عن هذا الخط الفاصل الذي يبرر التدخل الحكومي، وهو ما يعني عدم إمكانية اعتماد الخط الفاصل والمعايير المحددة في دولة ما كمعيار لدولة أخرى؛ نظرا لاختلاف الخصائص الاقتصادية لكل دولة، فما يشكل خطرا يهدد النظام المالي في الولايات المتحدة قد يشكل خطرا أكبر في المملكة بالنظر إلى تميز الولايات المتحدة بالتنوع الاقتصادي الذي يمكنها من تحمل صدمات مالية أقوى مما تتحمله أي دولة أخرى.

التدخل وقت الخطر

لكن هناك نقطة يتفق عليها الاقتصاديون وهي أن الدولة يجب أن تتدخل في حال تعرض النظام المالي أو أحد أجزائه إلى خطر قد يؤدي إلى نتائج سلبية على الاقتصاد ككل، كزيادة في معدل البطالة وتباطؤ اقتصادي، وانهيارات في قطاعات الاقتصاد الأخرى كالتي حدثت إبان أزمة الكساد الكبير في الولايات المتحدة عام 1929.

 ومع ذلك، فإن هذا التعريف وإن وضعت خطوطه العريضة إلا أن تطبيقاته العملية تظل موضع جدل دائم، فكما هو الحال الآن في الولايات المتحدة التي تتميز بأكثر النظم المالية تنوعا وتقدما، دار جدل كبير حول تدخلات الاحتياطي الفيدرالي في الأزمة المالية الحالية لانتشال "بيرن ستيرنز" بضمان عملية تملك "جي بي مورجان" له خلال العام الماضي، وبقبول سندات الرهن العقاري كضمان لقروض الاحتياطي الفيدرالي، التي منحت أيضا للمؤسسات الاستثمارية، وأخيرا في عملية تفويض الكونجرس لوزير الخزانة للتدخل بشراء حصة في مؤسستي الإسكان العريقتين "فاني ماي" و"فريدي ماك" في حال تعرضهما لمخاطر قد تهدد النظام المالي.

إذ أن المسألة انطوت على تحويل مخاطر الخسائر من تلك المؤسسات المالية إلى ميزانية الاحتياطي الفيدرالي، أو إلى وزارة الخزانة الأمريكية، مما يعني تحويلها في النهاية إلى دافع الضرائب (المواطن).

خطر أخلاقي

لكن رئيس الاحتياطي الفيدرالي برر التدخل في احتواء أزمة "بيرن ستيرنز"، على الرغم من أنه بنك استثماري خاص، ولم يتعرض لمخاطر هروب المودعين الأفراد، بأنه كان سيؤدي إلى بطالة عالية ومشكلات ستؤدي في النهاية إلى التدخل الحكومي، لكن المشكلة أن أثر ذلك التدخل الحكومي لحماية النظام المالي ممثلا في المؤسسات المالية كالبنوك والمؤسسات الاستثمارية لن يقتصر أثره على تحميل دافعي الضرائب أو ميزانية الدولة بالنتائج السلبية لتصرفات مسئولي تلك المؤسسات، لكنه سيؤدي في المستقبل إلى ظهور مشكلة خطر أخلاقي "Moral Hazard" يتمثل في تأمين ضمني لتلك المؤسسات المالية.

وهذا الأمر يشجع تلك المؤسسات المالية على زيادة مخاطر محافظها المالية أملا في الحصول على عوائد مالية أكثر.

ويزداد الأمر تعقيدا، مع الأخذ في الحسبان المنافسة بين المديرين التنفيذيين ومديري الصناديق الاستثمارية لتلك المؤسسات المالية من أجل تحقيق نتائج أفضل، الأمر الذي سينعكس بالإيجاب على القيمة التنافسية لهؤلاء المديرين أو قيمة عوائدهم المالية، وهذا قد يؤدي ببعض المديرين إلى تبني مخاطر أعلى فقط لتلميع صورتهم المهنية وتحصيل منافع شخصية.

السعودية نموذجا

وإذا كان الخط الفاصل الذي تحدثنا عنه هو الذي يعني وجود قدر من الشفافية يوضح الأسباب التي على أساسها تتدخل الدولة، فإن الخوف من اتباع الدول العربية نفس الأسلوب، هو عدم وجود هذا القدر من الشفافية، ويمثل النموذج السعودي خير دليل على ذلك.

ففي الستينيات تدخلت الحكومة بوضع كل من بنك الرياض والبنك الوطني تحت وصاية مؤسسة النقد نتيجة لاقتراض أعضاء مجالس الإدارة في البنكين مبالغ مالية ضخمة أكبر مما تتحمله المحفظة الائتمانية للبنكين وفشلهم ورفضهم سداد تلك المبالغ.

والنتيجة كانت حيازة مؤسسة النقد للبنكين ودمجهما، مما انطوى على تحويل الخسائر إلى المحفظة المالية للمؤسسة.

هذا المشهد تكرر ولكن بصورة أخرى من خلال تملك مؤسسة النقد لنسبة كبرى من بنك الخليج الدولي بلغت 37.6 في المائة، مما رفع حصة المملكة في البنك إلى ما يتجاوز الـ 54 في المائة، وذلك في أعقاب تحقيق البنك خسائر في سندات الرهن العقاري تجاوزت 757 مليون دولار، أو ما يمثل نصف رأس المال في حينه.

 في المقابل لم تتدخل المؤسسة أو غيرها لانتشال سوق الأسهم السعودية من خسائر شباط (فبراير) 2006 على الرغم من أن تلك الخسائر لا تمثل خسائر في محافظ المستثمرين الأفراد فقط، ولكنها تمثل خسائر كبيرة للدولة بحكم استثمارها من خلال الصناديق الحكومية في كل الشركات المساهمة تقريبا.

وهو ما يعطي انطباعا أنه لا يوجد أصلا ذلك الخط الفاصل بين ما يشكل مخاطر شاملة وحقيقية تهدد النظام المالي تستدعي التدخل وبين ما يشكل خطرا يقتصر أثره على مؤسسة مالية أو أكثر من المؤسسات المالية في الدولة.


كاتب بصحيفة " الإقتصادية " السعودية

*المقال نقلا بتصرف عن جريدة الإقتصادية السعودية بتاريخ 21 أغسطس

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم