English

 

السبت. سبتمبر. 20, 2008

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » تركيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

تركيا بين الولاء الأطلسي الأمريكي والمكاسب الإقليمية

نبيل شبيب

Image
تركيا.. حائرة بين الغرب وموسكو
ما يزال العنصر الحاسم في السياسة الخارجية التركية قائمًا على الدور الإقليمي الذي يمكن أن تلعبه وسط موازنات سياسية معقدة. وكان عامل الاستقرار في ذلك الدور خلال الحرب الباردة مرتبطا بعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي على الجناح الجنوبي للمعسكر الشرقي.

ومع نهاية الحرب الباردة تراءى للساسة الأتراك في عهد ديميريل آنذاك، وفي إطار الارتباط المتوارث بالعالم الغربي، أنّ ضياع هذا الدور الإقليمي يمثل خطرًا كبيرًا، فحاول ديميريل الوقاية منه بطرحه فرضيةَ الدوائر الإقليمية الخمس للسياسة الخارجية التركية، كما عرضها أثناء زيارة قام بها إلى واشنطن، وهي دائرة منطقة البلقان التي كانت مسرح الحروب الصربية الدموية آنذاك، ودائرة منطقة القوقاز وأواسط آسيا وكانت مسرح صراع على النفوذ بين تركيا وإيران، ودائرة شرقي البحر الأبيض المتوسط التي أسفرت لاحقا عن تعاون عسكري تركي-إسرائيلي، ودائرة ما يسمى الشرق الأوسط وعلى وجه التخصيص الصراع العربي-الإسرائيلي، ثم دائرة المنطقة الإسلامية التي اعتبرت تركيا نفسها بمثابة الجسر بينها وبين العالم الغربي. ووجدت فرضية الدوائر الخمس هذه تجاوبا أمريكيا، باستثناء ما يتعلق بدائرة البلقان التي كان لواشنطن فيها مخططاتها الذاتية المتعارضة مع ظهور دولة إسلامية -وإن كانت العلمانية مسيطرة عليها- على مسرح الأحداث فيها.

تطور الدور التركي الإقليمي

استطاعت تركيا خلال عقدين من السنوات، لا سيما في عهد أردوجان، أن توجد لنفسها دورا إقليميا بديلا عمّا كان عليه في حقبة الحرب الباردة، وكان من العناصر الحاسمة في هذا الدور مواكبة التحرّك الغربي في اتجاه الوفاق مع الاتحاد الروسي بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وشمل خارج هذا الإطار توثيق العلاقات المباشرة مع دول الجوار، مثل جورجيا (عوامل اقتصادية.. أنابيب النفط) وإيران (عوامل أمنية.. قضية الأكراد) وفي فترة لاحقة مع سورية، وهو ما أوصل في نهاية المطاف إلى استضافة المفاوضات غير المباشرة فيما يسمّى مسار السلام السوري-الإسرائيلي، وبقيت العلاقات متوترة في الدرجة الأولى مع أرمينيا بسبب موروث ما يوصف غربيا بمذبحة الأرمن وبسبب قضية قره باخ ذات الغالبية المسلمة وسط أراضي أرمينيا، كما أمكن تدريجيا وبصورة مواكبةٍ لمساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تهدئة النزاع الشديد مع اليونان بسبب قضية قبرص.

وارتكز جانب أساسي من هذه التطورات على الشكل الجديد للعلاقات الروسية-الغربية، إذ أصبحت علاقات تعاون من جهة، وتوتر ناجم عن المخاوف الأمنية الروسية من جهة أخرى، ولكن لم يظهر للعيان -في تركيا على الأقل- أن التوتر سيغلب على عنصر التعاون، كما ظهر خلال الشهور الماضية بصورة عنيفة على ثلاثة محاور، أولها محور كوسوفا واستقلالها، وثانيها محور الدرع الصاروخي الأمريكي ومنشآته في شرق أوروبا، وثالثها الثالث حرب أوسيتيا الجنوبية وتداعياتها والتي تعتبر نموذجا على نوعية العلاقات المنتظر أن تقوم بين موسكو والغرب في الفترة المقبلة مقابل مساعيه المستمرة للانسياح شرقا تحت عنوان التوسع الأوروبي وعنوان التوسع الأطلسي.

خلل مفاجئ في الموازنات التركية

لقد فاجأت الأزمة الروسية-الجيورجية وتداعياتها تركيا أكثر من سواها، لأسباب عديدة أبرزها:

1-الصراع المحلي على أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا يمثل في جانب رئيسي منه ساحة صراع روسية-أطلسية أوسع نطاقا، وتركيا دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، وارتباطها العسكري أطلسيا بالولايات المتحدة الأمريكية أشد من ارتباط كثير من الدول الأوروبية الغربية نفسها، فهو ارتباط يمسّ مستوى التسلّح ونوعياته بشكل مباشر، وأي موقف تركي يمضي بعيدا في مراعاة السياسة الروسية يمكن أن يعرّض تركيا لضغوط أمريكية شديدة عبر المؤسسة العسكرية، في فترة لا يخفى فيها ما وصل إليه تطوّر المواجهات الداخلية في تركيا وما تنطوي عليه من محاولات حثيثة من جانب حزب العدالة والتنمية لتحييد الجيش على الأقل، مع تقليص صلاحيات قياداته العسكرية سياسيا.

2-الصراع الروسي-الجورجي يمثل في جانب رئيسي آخر منه صراعا على منابع الطاقة وطرق لإمدادات، وكما وجدت أوروبا نفسها مضطرة إلى الحذر الشديد في التعامل مع موسكو بسبب استيراد النفط والغاز، تجد تركيا نفسها أيضا معتمدة اعتمادا كبيرا على الغاز الروسي ومضطرة إلى حذر مماثل في مواجهة السياسات الإقليمية الروسية ذات الأبعاد الدولية، علاوة على تجنب تحويل أنابيب النفط الممتدة عبر جورجيا وتركيا كبديل عن الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية، إلى ورقة صراع في المواجهة الروسية-الغربية.

3-الصراع الروسي-الجورجي يمثل في جانب ثالث منه مرتكزا رئيسيا للمساعي الروسية من أجل استعادة النفوذ في المنطقة الجغرافية القريبة وسط آسيا، وعبر إيران على أرضية التعاون النووي، باتجاه ما لا يزال يوصف بالمياه الدافئة في الجنوب، والتي بقي الوصول إليها هو العنصر الثابت في مختلف التصورات السياسية البعيدة المدى لموسكو على تقلب العهود الماضية فيها.

4-تركيا التي استطاعت أن تنتزع لنفسها درجة من الاستقلالية الحذرة عن السياسات الغربية، لا سيما الأمريكية، كما ظهر في التعامل مع حرب احتلال العراق، وفي التعامل مع جهود واشنطون لفرض العزلة على إيران وسورية، لا تريد أن تخسر ما تحقق على هذا الصعيد من خلال موقفٍ تميل فيه كل الميل لصالح الجبهة الغربية، لا سيما الأمريكية، في مواجهة موسكو وسياساتها الحالية.

5-إضافة إلى ما سبق استطاعت تركيا أن تنمّي بحذر شديد دائرة العلاقات مع دول إسلامية أخرى، بما تجاوز حتى الأرضية التي حاول أربكان من قبل تثبيت دعائمها فيما سمّي مجموعة الدول الإسلامية الثمانية، وهذا ما وصل بالتعاون التركي مبدئيا إلى منطقة الخليج، ولا تزال السياسة التركية راغبة في تنمية هذه العلاقات برغم ما تواجهه من عقبات بسب ارتباط كثير من الدول الإسلامية المعنية بالسياسات الأمريكية ارتباطا أقرب إلى التبعية منه إلى "التحالف" عبر الأطلسي كما هو الحال مع تركيا

البحث عن "شعرة معاوية"

لا يوجد في المواقف الرسمية التركية حتى الآن ما يشير إلى العثور على "الوصفة" الأنجع للتعامل مع الوضع الدولي الجديد بين موسكو والغرب، دون أن يكون ذلك على حساب الدور الإقليمي التركي المتنامي بشكل ملحوظ عبر السنوات الماضية، والذي يظهر الحرص عليه وعلى الاستمرار فيه من خلال ثلاثة محاور رئيسية في الوقت الحاضر:

- أولها محور تهدئة قضية قبرص والتوجه بها نحو حل مقبول عند الأطراف المعنية في الجزيرة وأوروبيا، وهو ما انعكس فيما وصلت إليه الجولة الحالية من سلسلة المفاوضات في نيويورك على مستقبل الجزيرة..

- وثانيها محور التأثير على الأحداث الساخنة على الخط الممتد من إيران عبر العراق إلى سورية وفلسطين وحتى السودان والصومال، وكان من انعكاساته الدور التركي في المفاوضات السورية-الإسرائيلية غير المباشرة.

- وثالثها منطقة القوقاز ووسط آسيا وكان من أبرز الخطوات الجديدة على صعيدها الزيارة "التاريخية" التي قام بها الرئيس التركي جول لأرمينيا.

المواقف الرسمية التركية الحالية أقرب إلى المراوغة السياسية بانتظار حدوث تطور إيجابي يوقف تصعيد المواجهة الروسية-الغربية. وأبرز عناصرها تأكيد "وحدة الأرضي الجيورجية" من جهة كما تريد الدول الغربية، والامتناع عن إدانة التحرك العسكري الروسي من جهة أخرى مما يمكن أن ينسجم حتى مع الموقف الأوروبي الذي أحال عملية تحديد مسؤولية الصدام العسكري إلى لجنة تحقيق تابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

ومن عناصر المراوغة أيضا التغاضي عن مرور الوحدات العسكرية التابعة للدولة الأمريكية الحليفة عبر مضائق بحر مرمرة إلى البحر الأسود من جهة، مع التنويه بحذر من جهة أخرى إلى الاتفاقية المتعلقة بحرية الملاحة عبر المضائق والتي تقرّر حدودا قصوى للحمولة العسكرية التابعة لدولة لا تقع على البحر الأسود (المقصود في هذه الحالة الولايات المتحدة الأمريكية) كما تقرر فترة 21 يوما لبقائها في مياهه، وهو ما يمكن أن يضع تركيا في مأزق سياسي وأمني بين موسكو وواشنطون عند انقضاء هذه المدة.

لا يمكن التنبؤ في الوقت الحاضر بما يمكن أن يستقر عليه الموقف الرسمي التركي بعد المراوغة السياسية المشار إليها، ولكن يبدو من المرجّح أن تركيا لن تمضي بعيدا في المخاطرة بعلاقاتها الجديدة والمتنامية اقتصاديا مع روسيا، لا سيما في الفترة الحالية الأشبه بفترة فراغ سياسي في العاصمة الأمريكية. على أن الوضع الداخلي في تركيا، لا يسمح بالمخاطرة أكثر مما ينبغي بعلاقاتها مع الغرب وفق ما ورثته الحكومة الحالية عن سابقاتها ومضت في رعايته بتعديلات طفيفة. وتصعب المقارنة بين الموقف المطلوب من تركيا في الوقت الحاضر وبين الموقف الذي اتخذته بشأن حرب احتلال العراق وتمردت به على الإرادة الأمريكية في حينه. فعلاوة على انسجام الموقف التركي آنذاك مع مواقف دول أخرى رئيسية في حلف شمال الأطلسي مثل ألمانيا وفرنسا، يمكن القول إن الموقف الراهن يتميز بموضعه على مفصل جغرافي وسياسي بالغ الأهمية في العلاقة الروسية-الغربية، ويحمل من الأبعاد المستقبلية ما يمكن أن يترك آثارا أوسع نطاقا بكثير على العلاقات التركية بالدول الغربية، وعلى الدور الإقليمي لتركيا في المنطقة، والذي بقي حتى الآن في إطار ما لا يتناقض مع القواسم المشتركة مع الدول الغربية، وإن اختلف في بعض التفاصيل عنها.

برغم ذلك يمكن القول إن مسار التطورات في السياسات التركية على امتداد العقد الماضي من السنوات على الأقل، يسمح بتوقع موقف يزيد من حجم استقلالية القرار التركي بالمقارنة مع ما كان عليه منذ نشأة حلف شمال الأطلسي حتى اليوم، فانحسار جولات عسكرة الهيمنة الأمريكية، وتنامي المصالح التركية الإقليمية، يرجّح مثل هذا الموقف، فالهيمنة الأمريكية على القرار التركي فقدت كثيرا من "مخالبها" داخليا باهتراء مسيرة العلمانية الأتاتوركية، وخارجيا كما بات ظاهرا للعيان ما بين أفغانستان والعراق والقرن الإفريقي، إضافة إلى أكثر من ثغرة في البنية الهيكلية للسيطرة المالية الأمريكية عالميا.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات