English

 

الخميس. سبتمبر. 18, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الفلسطيني

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

تمديد ولاية أبو مازن.. موعد جديد مع الفوضى

محمد جمعة

Image
الرئيس الفلسطيني محمود عباس
ثمة ما يغري بعقد مقارنة بين قرار التمديد المتوقع من قبل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، والذي أضحى منذ عدة أيام عنوانا جديدا للأزمة المستعصية التي يعانيها النظام السياسي الفلسطيني، وبين قرار التمديد للرئيس اللبناني السابق إميل لحود.

وأول ما يلفت الانتباه، أن القرار الأخير استوفى، شكليا على الأقل، أصوله القانونية والإجرائية مرعية النفاذ، في حين يبدو قرار "التمديد بقانون" في الحالة الفلسطينية -إن نفذ فعلا-ـ خارجا عن الأصول الدستورية والقانونية.

أما الفارق السياسي بين الحالتين فيظل جوهريا، فالرئيس اللبناني نُبذ وعُزل في قصر بعبدا برغم تحالفه مع سوريا وحزب الله، في حين يجد أبو مازن في الحالة الفلسطينية تشجيعا وتأييدا عربيا ودوليا لتمديد ولايته، بل الأرجح أن تلك العواصم طالبته بفعل ذلك، ناهيك عن أنه لن يعزل كما عُزل سلفه عرفات في "مقاطعة رام الله" حتى رحيله.

تجذر اللاشرعية في النظام الفلسطيني

ثمة خصوصية إذن تتسم بها الحالة الفلسطينية، ربما أهم ملامحها الآن أن "لعبة التمديد" هذه، غير الدستورية وغير القانونية، لا تأتي في ظرف أو سياق استثنائي، فكل المؤسسات الفلسطينية الحالية غير شرعية بالفعل، وتستمر في عملها دون أي مسوغ "دستوري أو قانوني"، بحيث يمكن القول إنه لا توجد في اللحظة الراهنة مؤسسة فلسطينية واحدة تمثل مرجعية للعمل الوطني الفلسطيني، يمكن أن يعود أو يستند إليها أي تحرك وطني.

وما من مؤسسة فلسطينية سواء على صعيد السلطة أو منظمة التحرير إلا ويمكن القدح في شرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني، على الأقل من الناحية القانونية والدستورية. فعلى صعيد السلطة مثلا: فقدت حكومة إسماعيل هنية شرعيتها الدستورية، بالإقالة على يد الرئيس عباس، وهذا من ضمن صلاحياته، كذلك الحال بالنسبة لحكومة سلام فياض، فهي لم تحظ بموافقة المجلس التشريعي ولم تعرض عليه أصلا، فضلا عن أنها تخطت كل ضوابط "تسيير الأعمال" المعروفة والمرعية في كل الأعراف الدستورية والقانونية، سواء من حيث مدتها، أو مهامها وصلاحيتها. في حين توشك "الرئاسة" أن تغتصب عنوة بقوة "القوانين المؤقتة" التي ارتقى بها البعض إلى مستوى يعلو الدستور ذاته!

أما المجلس التشريعي فهو معطل عمليا بغياب النصاب القانوني قسرا، حيث لدى إسرائيل 40 نائبا من حركة حماس تعتقلهم، من أصل 74 نائبا انتخبوا عام 2006.

والحال ليس أقل سوءا، إن لم يكن أكثر، على صعيد مؤسسات منظمة التحرير، فالمجلس الوطني الفلسطيني غير شرعي، ولم يعقد جلساته منذ 12 عاما، وعضويته يشوبها الكثير من المخالفات القانونية. وكل ما هو منبثق عنه من مؤسسات مثل المجلس المركزي أو اللجنة التنفيذية أيضا غير شرعية بصفة آلية، بل إن اللجنة التنفيذية الآن تفتقد للنصاب القانوني، وهي من الناحية العملية مختطفة من قبل أحد أعضائها، يصدر البيانات ويطلق التصريحات باسمها دون أن يراجعه أو يعترضه أحد.

وحتى اللجنة المركزية لحركة فتح "الحزب الحاكم" ناقصة الشرعية أيضا؛ لأن المؤتمر العام للحركة المنوط به انتخابها لم يعقد منذ العام 1989، ولا يوجد أي مؤشر على قرب انعقاده في ظل خلافات وتقديرات وحسابات مختلفة بين أبو مازن الذي يصر على عقد المؤتمر في رام الله وليس في عمان، وبعض زملائه في هذه اللجنة كـ "فاروق القدومي" الذي يرفض العودة إلى رام الله لمعارضته اتفاق أوسلو.

القصد إذن، أن المقاربة القانونية والدستورية، لقرار التمديد المتوقع ربما لا تضيف جديدا أو تضعنا أمام حقائق مغايرة بشكل جذري، تتعلق بمدى شرعية أو عدم شرعية مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، الدستورية والقانونية، في ظل حالة اللاشرعية التي تعانيها بالفعل تلك المؤسسات.

لكن الأهم من ذلك في السياق الفلسطيني هو النظر في التداعيات السياسية التي يمكن أن يفضي إليها قرار كهذا، لا سيما على صعيد العلاقات الفلسطينية – الفلسطينية التي تعاني من انحدار وتوتر شديدين. وتتضاعف مخاطر أزمة التمديد هذه كونها تتزامن مع خلافات حادة تشهدها الساحة الفلسطينية اليوم، بين أنصار النهج الواحد، والخط السياسي نفسه، داخل معسكر السلطة ومنظمة التحرير. وهي خلافات وصلت لأول مرة إلى حد الانتقاد المباشر للرئاسة الفلسطينية من قبل أتباعها.

ففي يوليو الماضي وجهت الرئاسة الفلسطينية رسالة إلى "سليم الزعنون" رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، تطلب منه تعديل المادة 14 من النظام الأساسي لمنظمة التحرير، بحيث يمكن توجيه الدعوة لانعقاد المجلس الوطني في رام الله، وبعدد محدود من الأعضاء، من أجل ملء الفراغ في عضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة. لكن اللجنة القانونية للمجلس الوطني ردت على طلب الرئاسة بمذكرة توضح فيها أن هذا الطلب غير قانوني، فنشبت على أثر ذلك أزمة بين أبو مازن وسليم الزعنون.

وفي ظل تلك الأزمة دعا الأخير أعضاء المجلس الوطني المتواجدين في عمان إلى لقاءين تشاوريين، عقد أحدهما يوم 22 من أغسطس الماضي والآخر في مطلع سبتمبر الجاري، وقد قيل في هذين اللقاءين كلام صريح وخطير، مفاده أن ثمة جهات فلسطينية تتآمر من أجل تصفية القضية الفلسطينية، إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة. بل تحدث "عزام الأحمد" رئيس كتلة حركة فتح في المجلس التشريعي الفلسطيني، وقال: "لم يعد مطلوبا شطب منظمة التحرير، وإنما صياغة سلطة فلسطينية على المقاس الأمريكي، وصناعة فتح ومنظمة التحرير على المقاس الأمريكي أيضا". في حين تحدث رئيس المجلس الوطني عن محاولات تجرى من قبل البعض لعقد جلسة غير شرعية للمجلس الوطني في رام الله، محذرا من احتمالات انهيار "مؤسسة المجلس الوطني". أما "تيسير قبعة" نائب رئيس المجلس الوطني فختم حديثه قائلا: "لن نسمح باللعب بالمجلس الوطني ولن نوافق على عقده في ظل أولمرت".

والمحصلة النهائية لكل ذلك، أن تعقيدات الحالة الفلسطينية تتراكم وبشكل غير مسبوق؛ إذ لم يحدث من قبل أن ابتعد المجلس الوطني إلى هذا الحد عن السلطة الفلسطينية وأدائها، أو نأى بنفسه عن أداء اللجنة التنفيذية وتبرأ منه. وحين يحدث مثل هذا الأمر فليس من المبالغة في شيء القول بأن الحالة الفلسطينية أصبحت تنذر بالخطر، وأنها مؤهلة لأن تقود إلى الفوضى، وأن الفرقاء الفلسطينيين في حالة اندفاع نحو الهاوية.

خيارات كلها مرًة

وفى ظل معطيات كهذه، يمكن الاستنتاج أن أزمة تمديد ولاية الرئيس أبو مازن وضعت الساحة الفلسطينية أمام أحد خيارين، تتحدد معالمهما الآن وبسرعة.

الأول: أن ينطلق الحوار فعلا خلال الجولة الموسعة بالقاهرة مطلع أكتوبر القادم، ليضع خلال ما تبقى من العام الحالي حدا لحالة الانقسام.

وهذا الاحتمال يبدو ضعيفا بالنظر إلى جملة المواقف المعلنة إزاء الأزمة الأخيرة، والتي تشير إلى أن هناك من يحضر لأزمة، أكثر مما تشير إلى أنها مجرد محاولة من قبل طرفي الأزمة، لتجميع عناصر القوة للحوار العتيد بالقاهرة. فضلا عن أن حركة حماس تخشى في حال الانزلاق في دائرة الحوار بالقاهرة، ألا يكون بمقدورها تجنب استحقاقاته، لاسيما وأن الحديث العربي المتكرر عن ضرورة احترام الشرعية الفلسطينية أصبح يعني صراحة تقديم مزيد من الدعم لسلطة رام الله بأكثر مما يعني الوقوف على مسافة واحدة من الأطراف الفلسطينية المختلفة، والأهم تلويح الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى عقب اجتماع وزراء الخارجية العرب في التاسع من سبتمبر الجاري، بفرض عقوبات على الطرف الذي يعرقل إتمام المصالحة.

وأولى تلك الاستحقاقات إخراج قطاع غزة من قبضة حماس، دون أن تضمن التمتع بالقدرة على التأثير الحاسم في توجهات السلطة، ولا حتى تجنب الذهاب إلى انتخابات مبكرة وفق نظام التمثيل النسبي، لا النظام المختلط الذي كان أحد أسباب فوزها في الانتخابات السابقة.

أما الخيار الثاني، فهو أن تتجه الأمور إلى مزيد من التصعيد والمواجهة، بتبني مواقف لا عقلانية متبادلة، كعدم الاعتراف بالرئاسة بعد انتهاء العام الحالي، من قبل حماس، وحل المجلس التشريعي من قبل أبو مازن.

وفي هذه الأثناء قد تلجأ الأطراف العربية لا سيما مصر إلى تنفيذ ما هددت به في اجتماع وزراء الخارجية العرب، بالإعلان عن حركة حماس كمعطل للحوار وكطرف لا يرغب فيه، بما يفتح المجال واسعا أمام محمود عباس لتنفيذ تهديداته بإعلان قطاع غزة إقليما متمردا على السلطة المركزية "الشرعية". ومثل هذا الإعلان من المرجح أن يقابل بتأييد ودعم سياسي وعملي عربي، وسيترجم بعد ذلك إلى إجراءات متعددة، في مجملها تهدف إلى العزل التام للقطاع والإغلاق المحكم له، في انتظار تطورات إقليمية على طريقة ما، تضع حدا "لحالته المتمردة"، وتعيد إخضاعه "للسلطة المركزية".

هذا الاحتمال يبدو مرجحا والأقرب إلى منطق المواقف السياسية الراهنة، وفي ظله سوف ينقسم الفلسطينيون بين سلطتين برئيسين وحكومتين، وجيشين، وكانتونين معاديين لبعضهما، يعمل كل منها لإخضاع الآخر.

لكن من المؤكد أن حماس سوف تكون في مأزق أشد بفعل الحصار المحكم الذي سيفرضه الجوار العربي هذه المرة، والذي قد يصل في ماهيته إلى حد العقاب الجماعي، وساعتها لن تجد حماس أمامها للخروج من أزمتها سوى العودة إلى القتال مجددا.

وهنا قد يأخذ القتال أحد منحيين، إما مع إسرائيل، وهنا سيثار التساؤل حول حدود رد الفعل الإسرائيلي هذه المرة، لا سيما إذا توفر الغطاء العربي للسلوك الإسرائيلي إزاء غزة! كما سيثار التساؤل أيضا بشأن الثمن الذي ستدفعه حماس من دماء أبنائها لتفتح ثغرة لفك أزمة غزة، وبأقل من الثمن المعروض عليها حاليا!

وإما أن يأخذ القتال منحى آخر، نحو تفجير الضفة الغربية، وتصفية عناصر القوة المناهضة، وهنا سوف يكون القتال أشد عنفا وأكثر اتساعا، بفعل الضيق والحصار الخانق، والضجر العام الذي قد يحدث في الضفة قبل غزة.

وإذا استمر ذلك الحال لفترة أطول فهذا يعني انزلاق الساحة الفلسطينية نحو الفوضى الشاملة التي قد تقود إلى إعادة إنتاج بعض ملامح المشهدين العراقي والصومالي.

ثمة حالة إذن من القلق والغموض وربما الفوضى بانتظار الشعب والقضية الفلسطينية معا.


باحث متخصص في الشئون الفلسطينية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات