|
| البنوك لجأت لبيع منازل المقترضين لمحاولة حل الأزمة |
لا جدال أن الولايات المتحدة الأمريكية فقدت مصداقيتها أمام العالم بعد ممارستها في العراق التي كشفت عن وجه لا يعرف معنى الليبرالية التي تنادي بها ليل نهار، وجاءت أزمة الرهن العقاري التي تشهدها أمريكا منذ بدايات العام الحالي لتؤكد ذلك.
فالولايات المتحدة صاحبة فلسفة السوق الحرة والتي تضغط بسببها على سياسات دول الأسواق الناشئة، اضطرت أن تعطي هذه الفلسفة إجازة مؤقتة وتدخلت لحل أزمة الرهن العقاري بها عن طريق الاستحواذ على شركتي "فاني ماي" و "فريدي ماك"، ووضعتهما تحت "الحجز الفدرالي" لمساعدة النظام المالي الأمريكي على تحمل الخسائر المالية الهائلة التي لحقت بقطاع القروض العقارية.
وتعتبر هاتان الشركتان من أكبر الشركات الأمريكية العاملة في هذا القطاع، حيث تختص الأولى بتمويل الإسكان، في حين تعنى الثانية بتوفير السيولة للجهات الممولة للمساكن.
وكان حجم الخسائر الذي تعرضتا له قد بلغ 14 مليار دولار على مدى سنة ماضية، وذلك لعدم ثقة المستثمرين في قدرتهما على تدبير رأس المال اللازم لمواصلة تمويل نشاطهما.
تدخل مشروع ولكن..
وإذا كان الخبير الاقتصادي المعروف منير فخري عبد النور قد اعتبر في تصريح لصحيفة "المصري اليوم" الصادرة يوم 11 سبتمبر أن هذا الإجراء الذي لجأت إليه أمريكا مشروع، وقال: "ليس هناك ما يسمى السوق الحرة في الوقت الذي يجب فيه تدخل الحكومات لحماية المواطنين"، فإن المنطق لا يرفض هذا الكلام بل يعتبره "عين العقل"، ولكن المرفوض أن تسمح أمريكا لنفسها بالتدخل، في حين لا تسمح للآخرين بحجة السوق الحرة.
وتاريخ أمريكا في هذا المجال حافل بالعديد من المواقف، أقربها ما حدث في المفاوضات الأخيرة لمنظمة التجارة العالمية بجنيف، فقد وجهت خلالها ممثلة أمريكا "سوزان شفاب" انتقادات للهند والصين لتزعمهما مجموعة من 100 دولة نامية تمسكت بشدة بفقرة "الاستثناءات الوقائية الخاصة" التي تسمح لها بتطبيق بعض الاستثناءات في مجال استيراد المواد الزراعية لحماية إنتاجها الوطني، وقالت شفاب: "هذا مناف لسياسة السوق الحرة التي تسعى لها المنظمة".
حق يراد به باطل
ويبدو أن "السوق الحرة" عند أمريكا هو مقولة "حق يراد بها باطل"، ففي الوقت الذي اعتبرت فيه "شفاب" إصرار الهند والصين على حماية إنتاجهما الوطني من بعض السلع الزراعية منافيا لسياسة "السوق الحرة"، اضطرت أمريكا إلى تعطيل هذه السياسة وممارسة "لعبة قذرة" من أجل إحباط خطة مصرية لاستيراد القمح الأكثر جودة والأقل سعرا من أسواق الدول الشرقية بدلا من السوق الأمريكية، حيث قامت بشراء حصص القمح الزائدة عن حاجة الاستهلاك المحلي في دول أوروبا الشرقية في بداية الموسم خلال سبتمبر 2003 رغم عدم حاجتها لها، وحرمت المستورد المصري من الكميات التي تعاقد على استيرادها.
وقد لخص أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة الدكتور محمود عبد الفضيل هذه السياسة الأمريكية في كتابه "الولايات المتحدة الأمريكية ومبدأ حرية التجارة"، بقوله: "وهكذا نجد أنفسنا مرة أخرى بصدد ازدواجية المعايير، فحرية التجارة شعار مقدس طالما يتوافق مع المصالح التجارية للولايات المتحدة، ويتم لعن إجراءات الحماية التي تمارسها بعض البلدان النامية ليل نهار، ولكن تلك الإجراءات ذاتها تصبح ضرورة وحلالا عليهم عندما يريدون معالجة العجز في الميزان التجاري لديهم".
أين البنك الدولي؟
ولكن السؤال: أين البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وهما الجهتان المعنيتان بمراقبة التزام الدول بسياسة السوق الحرة، من هذه الازدواجية؟
الإجابة لخصها الكاتب السعودي عبد الله الماجد في مقال له نشرته جريدة الجزيرة الإلكترونية يوم 8 أكتوبر 2003 اعتبر فيه هذه المؤسسات صناعة أمريكية، مهمتها حماية مصالحها، ولذلك فهي تمارس نفس سياسة الازدواجية الأمريكية.
وليس ببعيد عن الأذهان تدخل البنك لعرقلة المشروع الذي أعلن عنه وزير الاستثمار المصري محمود محيي الدين والخاص بإقامة مصنع لإنتاج الحديد والصلب لمواجهة ارتفاع أسعار حديد التسليح محليا، حيث اعتبر البنك ذلك تدخلا مرفوضا في سياسة السوق الحرة.
إذن فسياسة مبدأ ميكافيلي "الغاية تبرر الوسيلة" هي التي تحكم الأداء الأمريكي وتابعيه "البنك الدولي ومنظمة التجارة"، وإذا كان هذا المبدأ يصب استخدامه في صالح حماية المواطن الأمريكي فهل تفكر الدول العربية ولو لمرة واحدة في استخدامه لحماية مواطنيها، خاصة أن مشكلة الرهن العقاري الأمريكي امتدت تأثيراتها لدول الخليج وبعض الدول العربية الأخرى؟!
محرر بصفحة نماء، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com
|