|
| انتماء المسلم الغربي لا يتنافى مع الانتماء لبلده |
لم يعد يجادل إلا القليلون في أن الولايات المتحدة الأمريكية خسرت خسارة كبيرة، إن لم نقل هُزمت بمفهوم العجز عن تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية، عبر ما أسمته حربا على الإرهاب، ومارست خلاله مختلف أنواع الإرهاب، عسكريا، وسياسيا، وفكريا، وإعلاميا، وهتكا لحقوق الإنسان، ففقدت الكثير من مكانتها الدولية، وأسقطت بقايا أقنعة التمويه عن كثير من علاقات الهيمنة والتبعية مع كثير من الأنظمة، فضلا عن مئات المليارات التي أنفقت، ومعالم الانهيارات المتعددة على الصعيد الاقتصادي والمالي.
ولكن هذه الخسارة الأمريكية لا تعني تحقيق مكاسب للطرف الآخر بصورة تلقائية، سواء كان الطرف الآخر منظمات إرهابية أشعلت الفتيل عبر تفجيرات نيويورك وواشنطن، اعتمادا على نفسها، أو حتى بالتعاون مع جهات ذات مآرب أخرى داخل الحدود الأمريكية، أو كان المقصود بكلمة الطرف الآخر هو العالم الإسلامي بدوله وأنظمته وشعوبه، بما في ذلك البلدان المستهدفة أمريكيا أكثر من سواها.
التضييق على الإسلام في الغرب
من الأصل لا يمكن تعميم حسابات الخسائر والمكاسب في مسلسل الأحداث المتوالية على طرف دون آخر، إنما هي الحصيلة التي تتحدد من خلال الموازنة، الآنية وعلى المدى البعيد، وبهذا المقياس لا تبدو هذه الحصيلة سلبية بالنسبة إلى المسلمين ومستقبل الوجود الإسلامي في ديار الغرب، إنما لا تظهر معالم هذه الحصيلة بصورة مستقرة قبل مضي فترة من الزمن، ربما بلغت جيلا كاملا، فضلا عن ترجيح اختلافها من بلد إلى بلد، وفضلا عن اختلافها أيضا ما بين المنطقة الأوروبية والمنطقة الأمريكية من العالم الغربي.
ولا يتسع المجال لطرح مختلف مواطن الخسائر والمكاسب والموازنة بينها للخروج بصورة قريبة من الواقع لحصيلة السنوات الماضية، فلابد من الاقتصار على بعض الميادين كأمثلة نموذجية.
في مقدمة الخسائر الظاهرة للعيان أن عملية التضييق على الإسلام وعلى تنامي الوجود الإسلامي في الغرب، والتي بدأت من قبل تفجيرات نيويورك وواشنطن عام 2001، قد تسارعت خطاها وتكثفت إلى حد كبير خلال السنوات السبع الماضية، وكان من أبرز مظاهرها ما يوصف بالقوانين الاستثنائية، التي لم يعد يخلو بلد غربي منها على تفاوت الدرجات، والخطر الحقيقي في هذه القوانين أن كثيرا منها اتخذ على صعيد صياغته ثم في تطبيقاته العملية صبغة استغلال عنوان مكافحة الإرهاب؛ للتضييق على الوجود الإسلامي نفسه، لاسيما بعد ازدياد أعداد معتنقي الإسلام، وهذا ما شمل على سبيل المثال أنشطة كان المسلمون يمارسونها كسواهم من أهل البلاد الغربية، كجمع التبرعات لأغراض خيرية، فباتت حجة تجفيف منابع تمويل الإرهاب مدخلا إلى حظر كثير منها، وهذا دون الوصول بدليل قاطع إلى انطباق تلك الحجة عليها.
والأهم من ذلك أن مجرد إثارة الشبهة حول بعضها أساء إلى سمعتها جميعا دون تمحيص، وبات بدوره ذريعة لسلب المسلمين حقوقهم في ميادين أخرى، بداية من ابتكار شروط جديدة للترخيص بالمساجد والمصليات مع مضاعفة رقابتها، ورقابة "حرية الكلمة" عبر الخطب واللقاءات فيها، وانتهاء بتحريم بعض الفروع الدراسية على المسلمين.
وعملية إساءة السمعة نتيجة الشبهة أو نتيجة حملات أمنية، وإن لم توصل إلى أي إدانة قضائية، كافية لتكون مادة للتضليل الإعلامي، وبالتالي لتمرير المزيد من التضييق أمام الرأي العام، فليس من السهل على المواطن الغربي التمييز بين الشبهة والإدانة، والافتراء والحقيقة، لاسيما وأن الإعلام الغربي لعب دورا مضللا عن طريق الربط بين كلمة الإرهاب و"النشاط الإسلامي".
هنا نرصد إلى جانب الحملة ضد الإسلام نفسه، حملات متوالية لنشر صورة نمطية تجاوزت حدود ما سبقها؛ إذ قامت على التمييز بين "المسلم" و"الإسلامي" وطرح الكلمتين كما لو كانتا مترادفتين مع "معتدل" و"متطرف"، على غرار الصورة النمطية المعروفة قبل فترة من الزمن، فلم يعد يوجد في الطرح الإعلامي الغربي -إلا نادرا- "إسلاميون معتدلون" وقلة من "إسلاميين متطرفين"، بل باتت صفة "الإسلامي" تستخدم عموما وكأنها مرادفة لصفة المتطرف والإرهابي.
"ما يمكث في الأرض"
هذا الجانب السلبي يقابله على صعيد الإيجابيات أن المسئولين في البلدان الغربية أدركوا مدى خطورة سياسات سابقة مارسوها -على وجه التعميم لا التفصيل- من خلال تجاهل وجود الأنشطة الإسلامية أو تهميشها، وبالتالي تجاوز من يمارسها ويحتضنها من جمعيات ومراكز واتحادات، رغم أنها نمت نموا كبيرا عبر حياة جيل كامل، ولم تعد مجرد صورة جانبية من صور الوجود الإسلامي في الغرب، بل هي الصورة الأبرز للعيان من سواها، والتي لابد من التعامل المباشر معها -دون إنكار وجود سلبيات على صعيدها- وبالتالي التعامل مع قطاعات كبيرة من المسلمين من خلالها، رغم تفاوت مستويات تلك التنظيمات سلبا وإيجابا.
والتواصل المباشر المتعدد الأشكال مع المنظمات القائمة على الأنشطة الإسلامية فتح أبواب حوار بين السلطات والمواطنين المسلمين، كانت موصدة من قبل إلى حد بعيد، ولا يعني ذلك أن كل ما في هذا الحوار إيجابي أو سلبي، بل يرجى أن يكتسب قوة ذاتية تمكن من تخليصه تدريجيا من سلبيات كبيرة، بعضها مصنوع عمدا، ليوصل في نهاية المطاف إلى أسس قويمة نحو تحقيق أهدافه المرجوة إسلاميا، بما يفيد منه الوجود الإسلامي في الغرب، دون مخاوف من أن يلحق الضرر بالمجتمعات الغربية عموما.
كما أن من الإيجابيات بهذا الصدد أن العلاقة المباشرة بين عامة المسلمين والمجتمعات التي يعيشون فيها (بدأت) تتحرر من عوامل سلبية، كالجهل، والخوف، والأحكام المسبقة، مقابل ما أوجده السلوك الإعلامي والسياسي السلبي من صور نمطية خاطئة عن الإسلام والمسلمين.
إن الصورة النهائية قابلة للاستقرار تدريجيا على أرضية موضوعية متوازنة، بل يمكن القول بوجود ما يكفي من الأسباب لتوقعها.
صحوة بعد صحوة
مستقبل هذه السلبيات والإيجابيات -كما هي في مثال الأنشطة الإسلامية- مرتبط ارتباطا وثيقا بكيفية تعامل المسلمين والناشطين إسلاميا معها، ومبدئيا يمكن تسجيل عدد من الملاحظات الأساسية استقراء من السنوات السبع الماضية:
1- لم يعد انتماء المسلم إلى بلد أوروبي (ربما عند غالبية المسلمين) مطروحا بمنظور تشكيكي، هل يتعارض أم لا يتعارض مع الانتماء الإسلامي؟ بل بات مطروحا من حيث كيفية الجمع بين هذا وذاك بصورة متوازنة قويمة، بعد أن ظهرت خطورة تغليب عوامل العزلة أو الانعزال على صيغة يتكامل في إطارها الاندماج والتميز معا.
2- بدأ ينتشر بالتالي الاقتناع بضرورة مضاعفة اهتمام قطاعات المسلمين في المجتمعات الغربية بالقضايا ذات التأثير المباشر على مستقبلهم فيها، كتدريس الإسلام، وإيجاد مرافق ثقافية واجتماعية، وكذلك بقضايا مشتركة مع سواهم من قطاعات المجتمع، ويمكن أن يزداد ذلك ويظهر تأثيره على أرض الواقع بصورة مطردة مع مرور الزمن، وأن يوجد المعادلة المتوازنة الضرورية على صعيد ما يترتب على إلغاء التناقض في نطاق الانتماء المزدوج.
3- يتصل بذلك أنه لا يوجد ما يستدعي استمرار الاستجابة الناشئة عن موجة أولى من ردود الأفعال المتخوفة في أوساط المسلمين، والتي انتشرت عقب ردود الفعل الغربية الأولى على تفجيرات نيويورك وواشنطن، ودعت إلى إهمال ارتباط المسلم بحكم إسلامه بأحداث تجري في البلدان الإسلامية، أو إهمال اهتمامه ومتابعته لها حتى بمقياس الواجب الإنساني المشترك، هذا مع أن مثل هذا الاهتمام يعتبر جزءا من حقوق المواطنة والحقوق السياسية المشتركة للجميع، أي بغض النظر عن الانتماءات الدينية وغير الدينية في المجتمعات الغربية، ويرجى أن تظهر تدريجيا أهمية أسلوب التعامل مع هذه القضايا وطرحها؛ بحيث لا ينتشر الانطباع بأنها تؤدي إلى تصنيف العامة والخاصة في المجتمعات الغربية في خانة "الأعداء"، ولا يمنع هذا من تعدد المواقف وتباينها، بين "الذات" و"الآخر"، داخل المجتمع الواحد المشترك.
4- كشفت الضغوط التي تعرض لها المسلمون بدعوى مكافحة الإرهاب أو الوقاية منه عن الثغرات الخطيرة القائمة منذ عقود على الصعيد التنظيمي، وبقيت ردود الفعل الإيجابية على ذلك بطيئة للغاية، ولكن لا يمكن القول بانعدامها؛ فالمنظمات، والاتحادات، والمراكز الإسلامية في الغرب تجاوزت مرحلة الأنشطة المنفصلة وأحيانا القائمة على الخصومة، إلى ما يمكن وصفه بمرحلة انتقالية يمكن أن تنبثق عنها أرضية تنظيمية أشمل وأرسخ، وقد يتحقق ذلك بصورة موازية لما يمكن وصفه بشيء من الحذر "تناقص وسطي أعمار" القيادات التنظيمية الإسلامية.
5- يبرز في الولايات المتحدة الأمريكية عنصر إيجابي آخر قد تنمو بذوره الأولية في البلدان الأوروبية أيضا، وهو إنهاء الانفصام الذي بقي زمنا طويلا بين المسلم صاحب التوجه الإسلامي في الغرب، والممارسات السياسية، عبر الأحزاب والانتخابات والأنشطة التقليدية الأخرى، فكأن الضغوط الزائدة خلال السنوات السبع الماضية أعطت الوقود لصحوة سياسية قابلة للنمو تدريجيا وتحتاج إلى الترشيد، بعد بقاء ذلك شبه محظور أو بعيدا عن التصور في سنوات نمو الصحوة الإسلامية من قبل.
مرحلة مخاض جديد
بشكل عام يمكن القول إن السنوات السبع التي تلت تفجيرات نيويورك وواشنطن كانت سنوات شدادا للغاية من حيث تعرض المسلمين لضغوط تقنينية وسياسية وإعلامية كبيرة، ولكن هذه الضغوط أحدثت ردود أفعال مبدئية، على صعيد من يمارسها من قطاعات الفكر والسياسة والإعلام، وعلى صعيد "ضحاياها" المستهدفين بها، ولكن ردود الأفعال الإيجابية هذه ما زالت في بداياتها.
وكثيرا ما يستند التفاؤل بمستقبل الوجود الإسلامي في الغرب إلى الاستشهاد بظاهرة ازدياد أعداد معتنقي الإسلام، لاسيما من الشبيبة، وهو ما بدأ رصده بشكل مباشر بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن، ولم يقتصر على بلد دون آخر في الغرب، وتكمن أهمية هذه الظاهرة بأنها لا تقوم على فراغ، بل تعبر عن سلسلة من التطورات الإيجابية، في مقدمتها تبدل البنية الهيكلية للوجود البشري الإسلامي في الغرب، من جاليات وافدين، إلى قطاعات أساسية من تركيبة المجتمع الغربي، سواء كانت من أهل البلاد الأصليين، أو من مواليدها المسلمين.
ومن هذه التطورات ما ساهمت به سياسات ما سمي الحرب على الإرهاب بشكل مباشر، فتوجيه الاتهامات ثم تساقطها، ونشر تعليلات موهومة لحرب عدوانية، ثم انكشاف زيفها، وزعزعة ثقة الإنسان الغربي بعناوين الكرامة والحقوق والديمقراطية على ألسنة زعماء بلاده، بعد فضائح جوانتانامو وأبو غريب وسواهما، وظهور أنها صور من مسلسل ممارسات متواصلة وليست مجرد أحداث منعزلة أو انفرادية، إضافة إلى انكشاف أمر كثير من المظالم التي لحقت بالمسلمين في الغرب وفي البلدان الإسلامية.. جميع ذلك أوجد المعالم الأولى لأرضية جديدة يقوم عليها الانفتاح الشعبي الغربي على الإسلام والمسلمين، بما يصل أحيانا إلى مستوى اعتناق الإسلام، ولا ريب أن العمليات الإرهابية الصارخة، كما كان في بعض البلدان الإسلامية والغربية، ساهمت -كالحملات المضادة- في إضعاف أركان هذا الانفتاح، ولكن لم تقض عليه، وشبيه ذلك ما رافق التفاعل مع الإساءات المتعاقبة، واضمحلال مفعول ردود الفعل غير المتوازنة عليها لصالح ردود الفعل الموضوعية.
الحصيلة تتمثل في أن الوجود الإسلامي في الغرب أصبح على أبواب مرحلة جديدة، مرحلة مخاض جديد، ويمكن الاستفادة من إيجابياتها كثيرا، ولكن هذا لا يحصل تلقائيا، بل يتطلب بذل كثير من الجهود المحلية في الغرب نفسه، والمشتركة مع الأفراد والهيئات من ذوي التأثير الإيجابي من داخل العالم الإسلامي.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|