English

 

الأربعاء. سبتمبر. 10, 2008

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » تركيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

تركيا.. من إستراتيجية الدولة العضو إلى الدولة المركز

بشير عبد الفتاح

Image
هل تنهي زيارة جول العداء التاريخي بين تركيا وأرمينيا؟
زخم هائل اعترى السياسة الخارجية التركية على الصعيدين الإقليمي والدولي خلال الآونة الأخيرة، ما بين حرص على الانخراط في قضايا الشرق الأوسط والعالم العربي بشكل فعال، من خلال عمليات الوساطة في تسوية بعض النزاعات المزمنة والخلافات المستعصية، بدءا من الصراع العربي الإسرائيلي عبر رعاية المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا، وإبداء أنقرة استعدادها لوساطة أخرى بين تل أبيب من جانب وكل من بيروت والفلسطينيين من جانب آخر، مرورا بعروض للمساهمة في تسوية المسألة النووية الإيرانية، وحلحلة الأزمة السياسية اللبنانية، وانتهاء بمساعي التقارب التركي مع المحيط الإقليمي والفضاء الدولي.

وبعد طول جفاء مع القارة السمراء، التي لم يتخط تعداد سفارات تركيا فيها اثنتي عشرة سفارة، شخصت أبصار حكومة العدالة والتنمية صوب الأفارقة، حيث استضافت مدينة إستانبول الشهر الماضي أول قمة تركية إفريقية، حضرها 53 من رؤساء الدول والحكومات والوزراء بدول القارة الإفريقية، إلى جانب أمين عام جامعة الدول العربية، نوقش خلالها عدد من القضايا الإفريقية، فضلا عن سبل تعزيز الشراكة بين تركيا والقارة السمراء في مختلف المجالات.

وعمدت أنقرة إلى حشد دعم الأفارقة لسعيها للحصول على مقعد غير دائم بمجلس الأمن الدولي في أكتوبر المقبل لعامي 2009ـ2010، حيث طالب وزير الخارجية التركية "علي باباجان" خلال اجتماعه بوزراء خارجية دول القارة قبيل افتتاح أعمال القمة بيوم واحد بضرورة تقديمهم الدعم لتركيا حتى تحصل على مقعد غير دائم بمجلس الأمن كي تكون صوتا قويا يدافع عن مصالح الأفارقة.

تقارب مع المحيط الإقليمي

وفي سياق مواز، جاء التقارب التركي الخليجي مطلع هذا الشهر بمشاركة وزير الخارجية التركي في جانب من أعمال اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، وتوقيع تركيا ودول المجلس مذكرة تفاهم تمهد لعلاقات إستراتيجية وثيقة بين الجانبين على كافة الأصعدة، وتؤطر لشراكة تجارية بينهما.

بينما اعتبرت دول المجلس مشاركة "باباجان" في الاجتماع خطوة في إطار الحوار الإستراتيجي بين الطرفين، مؤكدة على أهمية الدور الإقليمي لتركيا في المنطقة والذي وصفته بـ"التوازن والاعتدال"، ولم تتوجس خيفة من علاقات تركيا مع إسرائيل، معتبرة أنها ستكون مفيدة لتحقيق السلام في الشرق الأوسط على نحو ما تجلى في الدور التركي في المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل.

ولتوطيد هذا التفاهم، دعا الوزير التركي إلى وضع آلية للحوار بين الطرفين مستقبلا، واقترح عقد اجتماع سنوي دوري بين وزراء خارجية دول المجلس وتركيا، مشيرا إلى أن اجتماعا آخر بينه وبين وزراء الخارجية الخليجيين سيعقد في أنقرة خلال الربيع المقبل.

وبعد ذلك بأيام، وبرغم المعارضة الشديدة لها من قوى قومية وسياسية تركية معارضة، إلى جانب دوائر حقوقية وشعبية أرمينية، جاءت زيارة الرئيس التركي "عبد الله جول" لأرمينيا في السادس من الشهر الجاري، تلبية لدعوة من نظيره الأرميني "سيرج سركيسيان" لحضور مباراة كرة القدم بين المنتخبين التركي والأرميني ضمن تصفيات كأس العالم2010، في زيارة كانت الأولى من نوعها لرئيس تركي إلى أرمينيا منذ استقلال الأخيرة عن الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991.

وجاءت هذه الخطوة في سياق مساعي حكومة "أردوغان" لفتح صفحة جديدة من العلاقات مع جيران تركيا، خصوصا أرمينيا، التي سبق أن فتحت حكومة أردوغان المجال الجوي التركي معها، كما سمحت لعشرات الآلاف من المواطنين الأرمن بالعمل في تركيا دون تصاريح رسمية حتى ناهز تعداد الجالية الأرمينية اليوم هناك ستين ألفا، في وقت غزت المنتجات التركية الأسواق الأرمينية.

وقد أقر وزير خارجية تركيا علي باباجان بوجود محادثات سرية تركية أرمينية منذ فترة لتهيئة الأجواء من أجل تطبيع علاقات البلدين، كما تحدثت الصحف التركية عن لقاء سري لتطبيع العلاقات جمع دبلوماسيي البلدين هذا الشهر في العاصمة السويسرية دام أياما، وأخطرت به الولايات المتحدة ودول أوروبية.

وفي مبادرة منه لتعزيز الجهود المبذولة في هذا الخصوص، دعا الرئيس التركي نظيره الأرميني لحضور مباراة الذهاب بين منتخبي بلديهما بأنقرة، وهو ما قبله الرئيس الأرميني، الذي أكد بعد اختتام مباحثاته مع جول أن البلدين سيسويان خلافاتهما، ولن يتركاها لتثقل كواهل الأجيال القادمة.

ويربط مراقبون قرار جول الاستجابة للدعوة الأرمينية برغبة أنقرة في استغلال صلاتها الوثيقة بجورجيا بغية أن تلعب دور الوسيط الإقليمي في الصراع الراهن بين الأخيرة وروسيا.

تحرك جيوإستراتيجي مختلف

وقد كان من شأن تلك التحركات التركية المتعددة الاتجاهات والمتسارعة الوتيرة أن تطرح تساؤلات عديدة، لاسيما وأن تركيا ظلت لعقود طويلة تستمد ركائز حضورها الدولي ودورها الإقليمي من علاقاتها الإستراتيجية الوثيقة مع القوى الدولية الفاعلة خارج فضائها الجيوإستراتيجي والحضاري كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عبر عضوية الناتو، والسعي الحثيث للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تدشين علاقات، ثم تحالفات إستراتيجية مع إسرائيل في العام 1996 تزلفا للحلفاء الغربيين وتعضيدا لتوجهها حيالهم، وهو التوجه الذي أسهم إلى حد كبير في توسيع الفجوة بين تركيا ومحيطها العربي والإسلامي، واللذين تذيلا طيلة هذه العقود قائمة أولويات السياسة التركية.

غير أن مثل هذا التوجه التركي قد بدأ يشهد تحولا اضطراريا خلال الآونة الأخيرة على نحو ما بدا جليا في التحركات التركية الإقليمية التي نشطت مؤخرا، على خلفية حزمة من الاعتبارات والتغيرات التي اعترت السياسة التركية ومنطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع.

فعلى الصعيد التركي والشرق أوسطي، أسهمت سلسلة من التطورات الإستراتيجية المهمة في حث الأتراك على إعادة صياغة سياسات بلادهم الخارجية بما يتماشى وتلك التغيرات، والتي كان من أبرزها: وصول حكومة حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم عام 2002، ثم الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وما تمخض عنه من تصعيد للتوتر في العلاقات التركية الأمريكية، وكذا المراوغة الأوروبية في قبول عضوية تركيا بالاتحاد الأوروبي، علاوة على تنامي النفوذ الإيراني بشكل ملحوظ في العراق ولبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية، واضطرار الولايات المتحدة للحوار السري مع طهران برغم إصرار الأخيرة على مواصلة أنشطتها النووية، مما شجع تركيا على مضاعفة اهتمامها بمحيطها العربي والإسلامي والانغماس في قضايا وملفات طالما كانت بعيدة عنها.

في هذا السياق، مَثَّل نجاح حزب العدالة والتنمية في الهيمنة على السلطات التشريعية والتنفيذية نقطة فاصلة في تاريخ الجمهورية التركية، حيث تبنت حكومة الحزب ذي الخلفية الإسلامية، مشروعا حضاريا يرمي إلى تحرير التجربة الحداثية التركية من شوفينيتها وعلمانيتها المتطرفة، والعمل على مصالحتها مع ماضيها الإسلامي وتقريبها من مستقبلها الغربي، من دون إغفال عمقها الحضاري العربي والإسلامي الممتد في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وإفريقيا، الذي يعد بديلا إستراتيجيا مهما يعضد مركز تركيا في علاقاتها على الصعيد الغربي بشقيه الأمريكي والأوروبي، وبما يضمن تحويل تركيا -حسبما يؤكد "أحمد داود أوغلو" المنظِّر الأهم للإستراتيجية التركية- من بلد "طرف" أو "عضو" في محاور وعداوات، إلى بلد "مركز" يكون على مقربة من الجميع.

وبناء عليه، جاء التوجه التركي نحو لعب دور الوساطة في تسوية القضايا الإقليمية الخلافية العالقة، والتي استهلتها بالصراع العربي الإسرائيلي توطئة لدور بارز في المسألتين اللبنانية والإيرانية.

ومنذ العام 2004، تعلن حكومة العدالة والتنمية عن رغبتها في التوسط بين إسرائيل والعرب في عملية التسوية، وهي الرغبة التي تحولت إلى واقع فعلي إثر المشاركة التركية في مؤتمر أنابوليس للسلام نهاية العام 2007.

وبعد جمود دام ثماني سنوات، بدأت مفاوضات السلام السورية-الإسرائيلية تتنفس مجددا منذ أبريل 2007 بوساطة تركية، وعقب زيارة أردوغان التصالحية لواشنطن في نوفمبر 2006، والتي أنهت الفتور والتوتر اللذين خيما على العلاقات بين الدولتين جراء المسألة الكردية ورفض البرلمان التركي نشر القوات الأمريكية في تركيا إبان غزو العراق، كما حصل بموجبها أردوغان على ضوء أخضر أمريكي للتوسع في الدور الإقليمي التركي، الذي يعد التوسط في عملية التسوية بين إسرائيل والعرب أحد ركائزه.

ولا تستغل تركيا فقط علاقاتها الوثيقة مع الأطراف المختلفة، بل تسعى لتوظيف كل طاقاتها لإنجاح مساعيها على هذا الصعيد، حتى إنها أبدت استعدادها لتوظيف مواردها المائية الوفيرة في تذليل أية عقبات تعترض عمليات التسوية، سيما وأن مسألة المياه إحدى العقبات الكبرى أمام إبرام أي اتفاق سلام سوري إسرائيلي.

وقد أبدت تركيا استعدادها للمساهمة في تسوية تلك المسألة الخلافية المعقدة عبر تزويدها الجانبين السوري والإسرائيلي بالمياه العذبة، أو إقناع سوريا بعدم التعنت مع إسرائيل بخصوص مياه بحيرة طبرية، مقابل تعهد أنقرة بتزويد دمشق بالمزيد من مياه نهر الفرات إلى جانب مساعدة السوريين في تدشين محطات تحلية متطورة.

أما على الصعيد الأمريكي، فثمة تطورات مهمة أجبرت الأمريكيين على تقبل تلك الوساطات التركية.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن العزوف التركي عن الانخراط في قضايا المنطقة لم يكن مبعثه التوجهات الغربية المفرطة لأنقرة فحسب، وإنما كان نتاجا أيضا لرغبة أمريكية وإسرائيلية صارمة في إبقاء الأتراك بمنأى عن عمقهم الحضاري والإستراتيجي في العالم العربي والإسلامي بغية تأمين المشاريع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة والحيلولة دون تهديدها من قبل أي تقارب تركي عربي إسلامي.

بيد أن تعثر تنفيذ الإستراتيجية الكونية للولايات المتحدة على خلفية تحديات وممانعات دولية وإقليمية متنامية قد أشعل جدلا إستراتيجيا أمريكيا حامي الوطيس بشأن مستقبل الهيمنة الأمريكية على العالم، هذا علاوة على الإخفاق الأمريكي في العراق وأفغانستان، ثم اتخاذ دمشق قرارا شجاعا بالمشاركة في مؤتمر أنابوليس، مما دفع الأمريكيين إلى التحرر من مخاوفهم وإطلاق العنان للدور الإقليمي التركي.

وليس بعيدا عن ذلك أن إدارة بوش ربما أعادت الإصغاء لأطروحات بعض المفكرين الإستراتيجيين الأمريكيين الرامية إلى إطالة أمد الهيمنة الأمريكية على العالم من خلال إعادة صياغة علاقات واشنطن مع القوى الإقليمية والدولية الصاعدة بشكل يبدد سخط تلك الأخيرة على الولايات المتحدة، التي طالما حرصت على إجهاض صعود تلك القوى خشية منازعة الأمريكيين هيمنتهم المنفردة على العالم.

وتنصح تلك الأطروحات الإستراتيجية صناع القرار الأمريكيين بضرورة سعي واشنطن للمصالحة مع تلك القوى الصاعدة، وترويض طموحاتها الإستراتيجية والسعي لتوظيفها قدر المستطاع لخدمة الإستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، من خلال منحها بعض التمكين الذي يخولها الاضطلاع بأدوار إقليمية ودولية مؤثرة عبر الإسهام في تسوية صراعات إقليمية ودولية معقدة ومزمنة، وهو الأمر الذي بمقدوره أن يمتص حماس وتطلعات تلك القوى الصاعدة ويقلص من تمردها وممانعتها للهيمنة الأمريكية من جهة، كما يخدم ذلك المصالح الأمريكية ويخفف الأعباء الإستراتيجية العالمية الثقال عن كاهل واشنطن من جهة أخرى، بما يصب في مصلحة واشنطن ويطيل أمد هيمنتها على العالم بأقل تكلفة ممكنة في نهاية المطاف.

أما تركيا، فتتطلع بدورها إلى تحقيق أهداف متعددة في الداخل والخارج من وراء تنشيط دورها الإقليمي.

وتتجلى الأهداف الداخلية في سعي حكومة العدالة والتنمية لتوسيع قاعدة شعبيتها وتأكيد جدارتها، علاوة على الاستقواء بهذا الدور الإقليمي لتحسين موقفها السياسي في مواجهة خصومها السياسيين المتربصين بها على نحو ما تجلى في الدعوى القضائية التي كانت مرفوعة ضد حزب العدالة الحاكم وقياداته أمام المحكمة الدستورية العليا، طلبا لتجميده ومنع قياداته من مزاولة العمل السياسي بتهمة مناهضة العلمانية والسعي لأسلمة الدولة التركية.

وعلى الصعيد الخارجي، تتطلع حكومة العدالة إلى محاصرة النفوذ الإيراني المتعاظم في المنطقة عبر تبني دبلوماسية تشجيع السلام والتعاون في الشرق الأوسط والتقارب مع دول الخليج العربية وسوريا ولبنان والفصائل الفلسطينية.

ولعل توقيع الاتفاق التركي الأخير مع دول مجلس التعاون في سياق اجتماع خليجي يناقش مستقبل العلاقات الخليجية الإيرانية على ضوء قرار إيران الأخير فتح مكتبين حكوميين في جزيرة أبو موسى التي تتنازع عليها مع دولة الإمارات منذ عام 1971، يحمل دلالات مهمة في هذا الخصوص.

كذلك، تتوخى حكومة العدالة تحقيق اختراق في عملية سلام الشرق الأوسط وفي الملفين اللبناني والإيراني والنزاع الجورجي الروسي، إلى جانب توثيق علاقاتها بمحيطها الإقليمي ودول الجوار، بما يضع تركيا في صدارة القوى الإقليمية ويعيد الحيوية لمكانتها في العالم العربي والإسلامي، على نحو يخول أنقره استثمار كل ذلك دوليا في علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذين تريدان أن تستعرض أمامهما قدراتها على إيجاد بدائل ومجالات للتعاون والحركة وتحقيق المصالح التركية في فضاءات دولية مهمة بعيدا عن دوائرهما القلقة والمستعصية، لاسيما وأن الاتحاد الأوروبي يتفنن في ابتكار واستحداث العراقيل للحيلولة دون منح تركيا عضويتها الكاملة، ومن بينها إنهاء القطيعة التركية مع أرمينيا.


كاتب صحفي وباحث بالأهرام

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات