|
| رايس في لقاء تاريخي مع العقيد معمر القذافي |
ليس جديدا زيارة مسئول أمريكي رفيع المستوى إلى دول المغرب العربي، لكن الجديد في زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية "كوندوليزا رايس" أن تبدأ من ليبيا، في أول زيارة لوزير خارجية أمريكي لليبيا منذ عام 1953، أي قبل ميلاد "رايس" بعام واحد.
وقد أثار الدهشة تغير الموقف الأمريكي إزاء ليبيا، كيف يلتقي الخصمان، إذا لم نقل العدوان، وبينهما مصانع الحداد؛ نظرا للماضي القريب بين طرابلس وواشنطن! فقد وصلت علاقات البلدين إلى أدنى مستوى منذ أواخر عقد السبعينيات من القرن الماضي، وبعدها وضعت واشنطن ليبيا على قائمة "الدول الراعية للإرهاب"، وقصفت طائرات أمريكية في عام 1986 أهدافا بمدينتي طرابلس وبنغازي منها منزل العقيد القذافي، وحسب ليبيا قتل أكثر من أربعين شخصا من بينهم ابن القذافي بالتبني.
ليبيا.. النجاح الأمريكي الوحيد
لكن وزيرة الخارجية الأمريكية حاولت قبيل الزيارة وخلالها تحسين صورة ليبيا؛ بأن العقيد القذافي قد تغيَّر، وأن سياسة بلاده تغيَّرت، مستندة إلى تخليه عن الإرهاب ودفع التعويضات عن أعمال إرهابية اتهمت ليبيا بالمسئولية عنها، وإلى تخليه عن برامج أسلحة الدمار الشامل، لتخلص إلى أنه "لا أعداء دائمين لأمريكا".
وعليه يمكن القول إن زيارة رايس إلى ليبيا تعد مؤشرا على دفء العلاقات بين واشنطن وطرابلس، والتي شهدت تطورا منذ أن أعلنت ليبيا عام 2003 تخليها عن برامج أسلحة الدمار الشامل، وإذعانها للشروط الأمريكية لرفع الحصار عنها والعودة للمجتمع الدولي؛ ما أزال الحواجز والمعوقات أمام الاستثمارات الأمريكية في ليبيا.
هذا الموقف يعطي دلالة على أن إدارة الرئيس بوش تريد استثمار نجاحات مهمة حققتها في المنطقة العربية، وتحديدا في ليبيا، التي تعد الملف الوحيد الذي نجحت فيه واشنطن مقارنة بإخفاقها في العراق، وأفغانستان، وإيران، وكوريا الشمالية، وأخيرا جورجيا، فليبيا وافقت على جميع الشروط الأمريكية، بل ذهبت أكثر من ذلك وقدمت معلومات حول برنامجها النووي، وهذا ما لم تكن تحلم به واشنطن.
هذا عن الجديد في زيارة رايس إلى دول المغرب العربي، والتي استثنت منها موريتانيا بسبب الانقلاب العسكري على الرئيس الموريتاني المنتخب، حسب الموقف الأمريكي من الانقلاب، غير أن الخبير الفرنسي في السياسة الخارجية الأمريكية "ديدي شودي" يصف الموقف الأمريكي بـ"الاستعراضي"، في حديثه ليومية الجزائر نيوز عدد 8/9/2008، قائلا: "الانقلاب العسكري في موريتانيا يصب في إطار المصالح الأمريكية، ولكن كان لزاما على رايس أن تقوم ببعض الحركات الاستعراضية من أجل إظهار أنها لا تؤازر هذا الانقلاب".
الأمن والنفط أولا
رايس في جولتها لدول المغرب العربي ركزت في مباحثاتها مع المسئولين في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب على الجوانب الأمنية، والاقتصادية، وفي تصريحاتها في كل محطات الزيارة قالت: "إن بلادها مستعدة لتطوير التعاون والشراكة مع هذه البلدان في مجالات تبادل المعلومات والتنسيق الأمني لمحاربة الإرهاب"، وحسب معلومات تسربت في كواليس الزيارة، فقد عرضت رايس فكرة "إقامة مركز إقليمي للتنسيق الأمني بين كل من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب؛ بهدف تعزيز التنسيق في المغرب العربي ودول جنوب الساحل وبلدان الصحراء الكبرى بهدف السيطرة على هذه المناطق التي تتخذها الجماعات الإرهابية مجالا حيويا لتحركاتها، وللدعم اللوجيستي، خاصة مناطق جنوب المغرب العربي".
لا شك أن مثل هذا المشروع يعكس الإستراتيجية الأمريكية في حربها الكونية ضد الإرهاب، لاسيما وأن إدارة الرئيس بوش سبق لها وطرحت قيادة موحدة للحرب ضد الإرهاب (أفريكوم) لنفس الغرض، وقد رفضته الجزائر التي قادت حملة دبلوماسية بإفريقيا، وطرحت مبادرة "قيادة إفريقية موحدة لمكافحة الإرهاب"، ولذا فإن طرح رايس لفكرة "مركز التنسيق الأمني" هو مجرد تبديل لاسم أفريكوم؛ ففي كلتا الحالتين يعني قبول الأفارقة بالفكرة، أيا كان اسمها، ألا وهي إقامة قاعدة عسكرية أمريكية في إفريقيا.
وفي الجانب الاقتصادي ركزت رايس مع مسئولي دول المغرب العربي على مسألة تطوير التعاون الثنائي في مختلف المجالات الاقتصادية، وكان للنفط والغاز حصة الأسد في ليبيا والجزائر كبلدين نفطيين، ولهما دور في منظمة أوبك.
وإلى جانب ذلك كانت هناك موضوعات خاصة لهذا البلد أو ذاك، فقضية الصحراء الغربية كانت في صلب المباحثات مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وكذا مع المسئولين في المملكة المغربية، وقد أكد الرئيس بوتفليقة على موقف بلاده من النزاع القائم بين المغرب وجبهة البوليساريو "أنها قضية حق تقرير المصير للشعب الصحراوي في استفتاء يتم تحت رعاية الأمم المتحدة"، أما المغرب فقد تمسك بموقفه القائم على "مغربية" الصحراء الغربية والحكم الذاتي للصحراويين، فيما وجه زعيم جبهة البوليساريو "محمد عبد العزيز" رسالة مفتوحة إلى كوندوليزا رايس، أعرب فيها عن أمله في أن تغتنم رايس فرصة وجودها في المنطقة للتدخل لدى المسئولين في المغرب لحثهم على العودة إلى الشرعية الدولية، والسماح للمفاوضات الحالية بأن تصل إلى تنظيم استفتاء لتقرير مصير الشعب الصحراوي.
وأكد "محمد عبد العزيز" على أن جبهة البوليساريو "قامت بجميع المساعي والجهود اللازمة للتوصل مع المغرب إلى حل عادل ودائم لا يقوم على نكران الشعب الصحراوي، وإنما على احترام خياراته".
وكانت جبهة البوليساريو قد قدمت اقتراحا لمنظمة الأمم المتحدة في 10 من أبريل 2007، يقضي بالاستفتاء على تقرير المصير، ويشمل ثلاثة اختيارات: الاستقلال وفق طلب البوليساريو، أو الحكم الذاتي الموسع، أو الاندماج وفق طلب المغرب. واعتبر زعيم البوليساريو أن الاقتراح الصحراوي "لا يحترم فقط الحقوق الشرعية للشعب الصحراوي، بل يأخذ بعين الاعتبار الانشغالات المغربية".
لكن موقف أمريكا الذي عبرت عنه رايس اتسم بالضبابية؛ فهي أكدت أن "مفاوضات قادمة بين الطرفين"، وذكرت أن بلادها "تعمل على دعم المفاوضات من أجل حل يرضي جميع الأطراف"، وذلك بعد أن كان الموقف الأمريكي يميل إلى تأييد الموقف المغربي، بحكم ذاتي موسع للصحراويين، لكن يبدو أن المصالح الأمريكية في النفط الجزائري تجعل الموقف رجراجا وغير واضح؛ حيث قدرت المبادلات التجارية بين الجزائر والولايات المتحدة بأكثر من 20 مليار دولار أمريكي عام 2007، منها 80%لقطاع النفط والغاز، بعدما كان حجم هذه المبادلات لا يتجاوز 6 مليارات في عام 2005.
تناولت المباحثات الأمريكية مع قادة دول المغرب العربي الوضع في العراق وفلسطين، والسلام المتعثر في الشرق الأوسط، والملف النووي الإيراني، وكلها قضايا طويلة الأمد في الأجندة الأمريكية، لكن الأهم لدى أمريكا الآن ليس كل ذلك، بل الحفاظ على مصادر الطاقة في شمال إفريقيا، وهو بيت القصيد في زيارة "ليزا" كما يسميها العقيد القذافي.
أوروبا وأمريكا.. تنافس أم تقسيم؟
وتأتي زيارة رايس للمنطقة بعد زيارات لمسئولين أوروبيين، في مقدمتهم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي أثمرت زيارته للمنطقة عقودا بمليارات الدولارات، واللافت الآن في السياسة الأوروبية – الأمريكية إزاء المغرب العربي، أن الأمريكيين كان ينظر لهم حتى وقت قريب على أنهم منافسون للأوروبيين في منطقة تعتبر تقليديا مناطق نفوذ لفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، أما اليوم فما يبدو هو انتقال "الخصمين" إلى ما يشبه اقتسام الكعكة بالتساوي؛ فزيارة كوندو للمغرب العربي نقلت الاهتمام الأمريكي بمنطقة شمال إفريقيا إلى واجهة الساحة الدولية، ولن يكون استخدامها بعيدا عن أوراق الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية المزمعة في نوفمبر القادم.
تجدر الإشارة إلى أن التنافس الأوروبي الأمريكي، أو بالأحرى الاهتمام الأطلسي المشترك بمنطقة المغرب العربي أو شمال إفريقيا، حسب التعبير الأمريكي، بدأ منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وتمثل في مبادرتين، الأولى من خلال الحلف الأطلسي، وهي مبادرة الحوار المتوسطي وقد بدأت عام 1994، وتضم دول حلف الأطلسي "الناتو" وست دول متوسطية هي: مصر، والأردن، وموريتانيا، والمغرب، وتونس، وإسرائيل، وقد أطلق على هذه المبادرة اسم: "برنامج الشراكة من أجل السلام".
أما المبادرة الثانية فكانت في عام 1997؛ إذ تشكلت قوات إفريقية للتدخل السريع، دربتها القوات الأمريكية.
وعلاوة على ذلك، فقد أطلقت الولايات المتحدة مبادرة "الشراكة المغاربية الأمريكية" المعروفة باسم مبادرة "إيزنستات" وزير المالية الأمريكي الذي أطلق تلك المبادرة في يونيو 1998، ورصد لها ملياري دولار أمريكي، وتشمل: تونس، والجزائر، والمغرب، وتعمل على فتح سوق مشتركة لتأسيس منطقة حرة للتجارة بين هذه الدول وأمريكا، وروجت أمريكا للمبادرة بأنها تهدف "لإنقاذ تلك الدول من الأزمة الاقتصادية التي تعيشها"، لكن واقع الحال آنذاك يشير إلى أن الهدف الأصلي كان مواجهة مبادرة الاتحاد الأوروبي المعروفة باسم "برنامج الشراكة المتوسطية – ميدا 1 وميدا 2" والذي لم يصل غلافهما المالي ثلث مبادرة إيزنستات.
بيد أن الفارق هو أن الاتحاد الأوروبي نفذ البرنامجين، فيما تجاوز الزمن المبادرة الأمريكية في ظل متغيرات دولية جعلت أمريكا ومنافسها الأوروبي يتفقان على اقتسام كعكة المغرب العربي، بينما لا تزال أمريكا لا تريد إشراك الأوروبيين في كعكة المشرق العربي أو الشرق الأقصى.
صحفية وكاتبة جزائرية.
|