English

 

السبت. سبتمبر. 6, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » مصر

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

قضية سوزان تميم.. الثروة والسلطة ونساء الفن

محمد جمال عرفة

Image
هشام طلعت مصطفى
لا تجتمع الثروة والسلطة -ونساء الفن أحيانا- في مصر ودول العالم الثالث إلا ويكون الفساد والجريمة ثالثهما غالبا.. هذا ما كشفت عنه قضايا عديدة اتهم فيها رجال أعمال مصريون بارزون قريبون من السلطة، أو مزجوا بين "البيزنس"والسلطة وانخرطوا في علاقات مع مطربات أو ممثلات مغمورات.. وفي كل الأحوال ينجو السياسيون ويسقط أصحاب الثروة، أو تجري التضحية بهم؛ لأن النفوذ السياسي أكبر وأخطر!

فالمنافع المتبادلة تجعل رجال السلطة يقومون بحماية رجال الأعمال الذين يقومون بدورهم بتقديم كل أسباب الدعم المالي لمن يحكمون، وينتج عن هذا ممارسة أصحاب السلطة والمدعمين منهم دورا يساعد على الاحتكار، ويحمي الفساد، ويستنزف إمكانيات المشروعات الاقتصادية وعوائد الشركات التجارية، ويمتص دماء الفقراء.

وهناك تجارب عديدة سابقة لتزاوج المال والسلطة شهدتها مصر، بعضها كانت خيوط الجريمة أكبر وأوضح من أن ينجح رجال الأعمال الفاسدون في الفكاك منها، فباعتهم السلطة وتخلت عنهم لتبرئ نفسها فسقطوا ودخلوا السجون، والبعض الآخر نجح في استغلال شبكة علاقاته بالسلطة بذكاء أكبر في حماية نفسه من السقوط.. ولكن ولو بعد حين!

ملاك السلطة وملاك الثروة

القضية الأكبر التي ينبغي أن نقرع لها أجراس الخطر -في ظل تكرار هذه الجرائم وحالات الفساد المعلنة وغير المعلنة- هي أن ملاك الثروة باتوا في الآونة الأخيرة هم صانعو القرار في مصر، خصوصا في ظل التصعيد الخطير لرجال الأعمال للبرلمان ثم الحكومة، وأن هذا التزاوج لا تحكمه أي شفافية؛ ما ينتج عنه سلبيات وكوارث عديدة.

وبعض الاقتصاديين -مثل الدكتور نادر فرجاني خبير تقارير التنمية البشرية العربية- يرون أن كلمة (تزاوج) لفظ مهذب، ويرون أن الحقيقة هي أن العلاقة بين السلطة والثروة أصبحت علاقة عضوية، وأن من يحتكرون الثروة هم أنفسهم من يحتكرون صناعة القرار.. أي أن كبار ملاك الثروة هم كبار صناع القرار في النظام السياسي، وهناك وحدة عضوية بينهما وليست مسألة تزاوج.

ونتيجة تزايد جرائم بعض رجال الأعمال المتصلين بالسلطة أو بنساء الفن في الآونة الأخيرة بصورة كبيرة نتج عنها أن سجن مزرعة طرة الذي تم إيداع رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى داخله، أصبح ينظر له على أنه سجن رجال الأعمال؛ فهو السجن المودع به عدد كبير من رجال الأعمال المسجونين في قضايا المال العام، وهو السجن الذي عاش بداخله عدد كبير من مشاهير قضايا الرأي العام في مجال الأموال العامة والفساد، ووصفه الوزير السابق توفيق عبده إسماعيل عقب خروجه منه بأنه "سجن خمس نجوم"؛ لأن أغلب نزلائه من رجال الأعمال، إما في قضايا شيكات بدون رصيد، أو قروض من البنوك، أو علاقات نسائية انقلبت لصراع حيتان وتصفية حسابات.

وتكشف هذه القضية أيضا عن وباء خطير بدأ يتفشى في الأوساط المالية والسياسية مؤخرا، ألا وهو ارتباط العديد من رجال الأعمال بمطربات عربيات مغمورات في تزاوج جديد للمصالح تستهدف منه المطربة المغمورة تحقيق طموح الثروة والظهور السريع، فيما يستهدف رجل الأعمال إقامة علاقة ما أو الزواج من "الشهرة الفنية"، وخلال السنوات الخمس الأخيرة وقعت أكثر من جريمة وفضيحة بسبب هذه العلاقة خصوصا السرية منها، سواء بدافع الغيرة أو الاستحواذ.

وهناك مخاطر اجتماعية وسياسية أكبر لصعود نفوذ دور بعض رجال الأعمال، ومخاوف أن يثمر تزاوج الثروة والسلطة في إنتاج جيل جديد برجماتي يتحكم -بأمواله- في السلطة، ولا يعول كثيرا على الثوابت التاريخية للأمة، ولا يعتبر قضية التطبيع مع الصهاينة مثلا مشكلة، باعتبار أن رأس المال ليس له هوية أو انتماء.

فالعلاقات التجارية مع الدولة الصهيونية -ومن خلفها أمريكا- باتت مغنما في الآونة الأخيرة لعدد كبير من رجال الأعمال المتصلين بالسلطة سواء في مجالات بيع الغاز أو عقد الصفقات التجارية، وغالبا ما لا يكشف عن هذه الصفقات السرية إلا عن طريق إسرائيل!

وآخر هذه الفضائح كان إعلان صحيفة "معاريف" العبرية الأسبوع الماضي أن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك وزوجته نيلي حصلا على رشاوى وعمولات مقابل التوسط لإنجاح صفقة لمصلحة ساويرس يزيد بمقتضاها أسهمه في شركة "بارتنر" الإسرائيلية للاتصالات بنسبة 10%.

ماذا جرى؟

آخر كوارث هذا المزج الخطر بين الثروة والسلطة والنساء كانت فضيحة اتهام النيابة العامة في مصر وشرطة دبي لرجل الأعمال المصري المليونير هشام طلعت مصطفى، العضو البارز بالحزب الوطني المصري الحاكم، ووكيل اللجنة الاقتصادية في مجلس الشورى بالتحريض على قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم في يوليو الماضي، والتي صارت شائعات عن ارتباطه بعلاقة معها استمرت ثلاث سنوات واعتزامه الزواج منها؛ ما يهدده بالإعدام أو بالسجن 20 عاما في حال ثبوت التهمة عليه.

واتهام رجل الأعمال طلعت مصطفى في جريمة قتل المطربة اللبنانية ليس سوى نموذج لسلسلة جرائم فساد وقتل وعلاقات مع مطربات وفضائح أخرى شهدتها مصر منذ صعود رجال الأعمال للسلطة بقوة، وامتزاج مصالحهم بمصالح أهل النفوذ السياسي خصوصا في السنوات العشر الأخيرة.

القصة الأخيرة بدأت باكتشاف جثة المطربة اللبنانية في دبي في أغسطس الماضي مقطعة الأوصال، وكشف سلطات الأمن هناك أن ضابطا مصريا سابقا متورط في هذه الجريمة، وأنه يعمل لصالح رجل أعمال مصري، ثم نقل شرطة دبي ملف الجريمة –عبر الإنتربول- إلى جهات الأمن المصرية والنيابة العامة التي حققت في الأمر.

وبعد تحقيق سريع وتفتيش مكتب رجل الأعمال وجمع أدلة كافية، أمر النائب العام المصري المستشار عبد المجيد محمود بإحالة المتهمين هشام طلعت مصطفى (قيادي بالحزب الحاكم ورجل أعمال)، والضابط السابق محسن السكري إلى محكمة جنايات القاهرة؛ لمعاقبتهما بتهم التورط في قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم في دبي في الـ 28 من يوليو الماضي، والاشتراك بطرق التحريض والاتفاق والمساعدة مع محسن السكري في قتل المجني عليها.

أما الأخطر فهو ما تبع هذا من انهيار -تعافى نسبيا لاحقا- في أسهم شركات العقارات التي يمتلكها المتهم، وخوف آلاف المصريين الحاجزين في مشروعاته من ضياع مدخراتهم، أو تعطل المشروعات التي حلموا بها، خصوصا أن مشروعا واحدا مثل مشروع (مدينتي) جمع 22 مليار جنيه، وهو ما دفع شركته لتعيين شقيقه بدلا منه في رئاسة مجلس إدارتها لتلافي هذه المخاطر، ليكون الضحية في النهاية هو المواطن البسيط.

الأبعاد الدولية.. لغز كبير!

ويبدو أن قضية مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم لها أبعاد أخرى أعمق تتجاوز الشأن المحلي، وتتصل ربما بخلافات أو مصالح متضاربة ربما بين رجل الأعمال المصري ورجال أعمال عرب آخرين نافذين سياسيا، ربما تدخلت شخصيات كبيرة في حكوماتهم لمساندتهم، ولهذا يردد البعض أن هذه الأبعاد الدولية كانت وراء سرعة إنجاز التحقيق في القضية والتضحية برجل الأعمال الشهير العضو في اللجنة السياسية الحكومية وسجنه، بل التضحية باضطراب سوق البورصة المصرية الضعيفة أصلا ما دام أن "المصالح العليا" للدول يمكن أن تتضرر أكثر!

لقد ردد المتهم (السكري) أسماء شخصيات شهيرة في التحقيقات، قال إنها على علاقة بالقضية، وأجمعت على قتل سوزان، من بينهم -كما قال وفق صحيفة المصري اليوم الجمعة 5 سبتمبر 2008- "أحد الشيوخ في الإمارات، وآخر بالسعودية"، لكنه لم يحدد طبيعة اشتراكهم في الجريمة.

ويبدو أن ملابسات القضية وما قاله المتهم حول مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم زادت من غموض القضية؛ بحيث سيستمر طرح عشرات الأسئلة حوله لفترة طويلة من الزمن دون أن نحصل على إجابة واضحة عن دوافعه أو أسبابه، برغم اتهام هشام طلعت مصطفى بالتحريض على قتلها.

غموض لأن هناك تساؤلات كثيرة حول سر سرعة التحرك المصري في التحقيق في الأمر وإدانة عضو بارز في الحزب الحاكم ولجنة السياسيات ووكيل اللجنة الاقتصادية في مجلس الشورى، رغم أن هناك قضايا أخرى غامضة معلقة!

هل السبب هو الدور الدولي وإلقاء دبي وربما شخصيات حاكمة بثقلها وراء التحقيقات؛ لأن دبي أشبه بمول تجاري كبير لو وقعت فيه مثل هذه الحوادث فهي كفيلة بتدمير سمعتها الاقتصادية وهروب الاستثمارات منها، ولهذا لابد من سرعة ضبط مرتكبي أي جريمة؟ أم لأن التكنولوجيا الحديثة هزمت منفذ الجريمة وفضحته؟ أم لأن الجريمة كانت واضحة وهناك تسجيلات وصور تثبتها؟

ثم لماذا سرعة التحرك والتحقيق وإدانة هشام مصطفى، والمخاطرة بهز البورصة المصرية وبسجن عضو بارز في الحزب الحاكم برغم التوقعات المؤكدة بأن ذلك سيؤثر على البورصة المصرية واستثمارات شركاته العقارية، ويربك السوق المصرية والتضحية بكل ذلك؟ هل يعود الأمر لسبب آخر يتعلق بشائعات أثيرت حول تدخل شخصية عربية كبيرة ما جعل حل اللغز أمرا عاجلا؟ أم أن هناك -كما أشيع أيضا- علاقات استخبارية للمطربة المغمورة، خصوصا أن حياتها امتلأت بالغموض الذي أحاط بها وتردد أنه كان أحد أسباب منع نقابة الموسيقيين لها من الغناء في مصر؟

وهل ذكر المتهم بالقتل (السكري) أسماء شخصيات عربية شهيرة قال إنها على علاقة بالقضية، من بينهم أحد الشيوخ في الإمارات، وآخر بالسعودية لها علاقة بهذه التساؤلات السابقة؟

ثم كيف نقرأ تصريحات القائد العام لشرطة دبي الفريق ضاحي خلفان الذي قال فيها: إن "السلطات المصرية كان بمقدورها التلاعب في قضية سوزان تميم رغم الأدلة التي قدمتها شرطة دبي لو أرادت ذلك، ولكن الحكومة المصرية من قمة الهرم إلى أصغر مسئول تعاملت مع القضية بنزاهة وشفافية ومصداقية"؟!

وما الذي عناه حينما قال: "إن كثيرا من المواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام شكت في نزاهة الحكومة المصرية، لكن الواقع أثبت عكس هذه الاتهامات، وأقول -وليست لي مصلحة شخصية في مدح أي مسئول مصري- إننا لمسنا بحق نزاهة وشفافية في التعامل تستحق كل احترام وتقدير من جانب السلطات المصرية، خصوصا من النائب العام المصري المستشار عبد المجيد محمود"!!

دوافع القتل

أما الدافع وراء الجريمة فهو لغز آخر أكثر غموضا، فهل الدافع وراء ارتكاب هذه الجريمة -على فرض أن المحاكمة أثبتت التهمة على المحرض هشام مصطفى والمنفذ محسن السكري- هو الغيرة والغضب لتفضيل المطربة القتيلة رجال أعمال أو سياسيين منافسين آخرين -ربما يكونون من الخليج- على هشام مصطفى وهذا كان سبب سفرها لدبي تحديدا؟ أم لأنها تمتلك معلومات معينة تضر رجل الأعمال؟ أم أن المسألة تصفية حسابات بين رجال أعمال مصريين وعرب ذهبت المطربة ضحيتها؟

بعض المصادر الصحفية كشفت أن هشام مصطفى كان يعتزم التقدم لخطبة سوزان تميم العام الماضي، وأن أسرته هو أو أسرتها رفضت؛ ما فتح باب الجدال حول ما إذا كان الدافع -في حالة ثبوت التهمة- هو الانتقام لرفضها الزواج منه، أو لتفضيلها عرضا آخر كان وراء سفرها لدبي تحديدا، أو أخذها أموالا من المتهم لم تردها، خصوصا أن المبلغ المرصود لقتلها كبير ويناهز مليوني دولار، أو أنها كانت تبتزه وبماذا؟

وما يزيد هذه الألغاز حبكة درامية هو طبيعة العلاقة والمزج الخطير بين ثالوث المال والسياسية والجنس أو المرأة، وهي أمور متوفرة لأركان الجريمة؛ حيث يدخل في دوافعها عناصر سياسية واقتصادية وانتقام أو تشهير أو غيره، خصوصا أن اتهام رجل الأعمال طلعت مصطفى في جريمة قتل المطربة اللبنانية ليس سوى نموذج لسلسلة قضايا أثيرت في الآونة الأخيرة عن علاقات سياسيين ورجال أعمال بفنانات أو مطربات خصوصا منذ صعود رجال الأعمال للسلطة بقوة، وامتزاج مصالحهم بمصالح أهل النفوذ السياسي، خصوصا في السنوات العشر الأخيرة.

لا يزال اللغز يكبر، والتساؤلات العديدة حول دوافعه وأسبابه، وسرعة اتهام رجل الأعمال المصري تكثر، بل تحول الأمر لتساؤلات طريفة على مواقع شباب الإنترنت والفيس بوك تكاد تؤكد أن دوافع القتل ليست محلية فقط أو تتعلق بمسائل شخصية فقط، وإنما هي قضية ربما أخذت أبعادا دولية أعمق انتهت بالتضحية برجل الأعمال والعضو البارز في الحزب الحاكم -سواء كان متهما أو بريئا– ما دام أن مصالحه تعارضت مع مصالح عليا أكبر غير معروفة!


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات