هل هي معالم مشهد عالمي جديد يدشن لنهاية الأحادية القطبية الأمريكية، وبداية حقبة جديدة من السياسة الدولية تصبح فيها موسكو طرفا دوليا فاعلا؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه عودة لمشهد تنافس القوى الكبرى الذي ساد أوروبا في القرن التاسع عشر؟.. وهل يشهد العالم حربا باردة جديدة بين روسيا والغرب؟ وما هي الخيارات المتاحة أمام الدول الغربية للرد على ما قامت به موسكو؟.. تساؤلات عديدة طرحها قرار روسيا بالتدخل العسكري في جورجيا عقب قيام الرئيس الجورجي "ميخائيل ساكشفيلي" بإرسال قواته إلى إقليم "أوسيتيا الجنوبية" لـ "بسط السيادة الجورجية عليه".
قرار "ساكشفيلي" كان أشبه بشرارة انتظرتها موسكو طويلا لتستعرض إلى أي مدى يمكن أن تمضي في رفضها للسياسات الأمريكية والأطلسية الماضية في إحاطتها بسور يزداد اقترابا من حدودها، ولا يختلف كثيرا بمفعوله على المدى البعيد عن سياسة الحصار بمسلسل الأحلاف كما مارستها واشنطن ضد الاتحاد السوفيتي ومعسكره الشرقي عقب الحرب العالمية الثانية.
القرار الروسي بالتدخل في جورجيا قوبل بانقسام أوروبي واضح حول الخيارات المتاحة للرد على ما قامت به موسكو، بين فريقين: "أوروبا القديمة"، بقيادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا، والتي ترفض المقاربة الأمريكية في التعامل مع روسيا، وترى أنه من الخطورة عزل موسكو، أو فرض عقوبات عليها، و"أوروبا الجديدة"، والتي ترى فيما فعلته موسكو في جورجيا تهديدا حقيقيا لها؛ بحكم الجوار الجغرافي، والإرث السابق من السيطرة السوفيتية.