|
| "غزة الحرة".. هل يتحول الشعار إلى حقيقة؟ |
أثار وصول سفينتي كسر الحصار إلى شاطئ غزة الأملَ في تحريك قضية فك الحصار المفروض على القطاع منذ ما يزيد على العامين؛ وذلك في مبادرة مدنية اتسمت بالجرأة والتخطيط الجيد والمثابرة على تحقيق الهدف.
سبعة وأربعون متضامنا تحدوا الإرادة الإسرائيلية مبتكرين أسلوبا جديدا في محاولة لتنبيه العالم إلى ضرورة إنهاء حصار غزة ووقف تجويع سكانه وقتل مرضاه.
من المتوقع أن يكون لهذه المبادرة تداعياتها على قضية فك الحصار عن غزة، لاسيما أن القائمين عليها جعلوها مدخلا لطرح قضية "غزة حرة"، ومع التسليم بأن الموقفين الإسرائيلي والأمريكي لا زالا على حالهما بشأن استمرار هذا الحصار، فإن قدرا من التآكل بدأ يصيب بالفعل المبررات التي تم الاستناد عليها لفرض هذا الحصار؛ فلا الشعب الفلسطيني انقلب على حكم حماس، ولا هي قبلت بالشروط الإسرائيلية الأربعة التي صاغتها اللجنة الرباعية الدولية، ولا زادت بالمقابل قوة تيار التسوية الفلسطيني.
حدث رمزي.. والدلالات أكبر
سيقول البعض: "هذه خطوة رمزية ليس إلا"، وهي لن تؤدي إلى كسر حصار غزة، ولكن مع ذلك يمكن قراءة عدة دلالات في هذه المبادرة.
ويتعلق أول الدلالات بالتفات عدد من الشخصيات والنواب الفلسطينيين إلى أهمية التنسيق الفلسطيني مع المنظمات المدنية العالمية لكسر هذا الحصار، وبقدر ما تحمله ظاهرة العولمة من مخاطر تتعلق بعسكرة السياسة الدولية وانتشار النزاعات المسلحة والحروب نتيجة سياسات الرأسمالية العالمية، بقدر ما تتضمن العولمة إمكانية الاستفادة من مساندة منظمات المجتمع المدني العالمي في حال قيام الفلسطينيين والعرب بإيلاء هذا الجانب العناية اللازمة من خلال إنشاء الروابط مع هذه المنظمات (أو ما يعرف بالتشابك المدني العالمي Networking).
الدلالة الثانية لهذا الحدث تنبع من طبيعة الشخصيات والمؤسسات المتعاونة معا لتحريك هذه المبادرة الشجاعة؛ فهناك أولا منظمة "غزة حرة" التي تأسست قبل عامين بهدف فك الحصار عن غزة، وهناك ثانيا اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار التي يرأسها النائب الفلسطيني جمال الخضري، وأخيرا الحملة الدولية لفك الحصار والتي يرأسها إياد السراج، وهذا التعاون يكشف في الحقيقة عن وجود مساحة للعمل (خصوصا على الصعيد المدني غير الرسمي) لفك الحصار رغم الموقف الإسرائيلي المدعوم أمريكيا وأوروبيا.
أما الدلالة الثالثة فتتعلق بالبعد الإعلامي في الصراع العربي- الإسرائيلي؛ فالتغطية الإعلامية لهذه المبادرة لم تكن على المستوى المطلوب إلا بعد وصول السفينتين ربما إلى غزة، رغم أن منظمي هذه الرحلة قد خصصوا خمسة مقاعد للصحفيين والإعلاميين، وكانت قناة الجزيرة القطرية مواكبة لهذا الحدث الاستثنائي من خلال وجود مراسل لها على متن إحدى السفينتين، بما يؤكد إدراك القائمين عليها أهمية قضية حصار غزة التي باتت تكاد تختصر مجمل المعاناة الفلسطينية الآن.
ومن المهم في هذا السياق توحيد الجهود الإعلامية العربية والعالمية لجذب الأنظار إلى هذه القضية الخطيرة؛ فهناك متطوعون كانوا يرغبون في السفر إلى غزة لكن لم تتوفر لهم أماكن على متن السفينتين؛ نظرا لمحدودية المبلغ المالي الذي تم جمعه بالاستكتاب العام المفتوح الذي لم يزد كثيرا عن 300 ألف دولار مكنت من شراء قاربين فقط.
آثار آنية ومحتملة
هناك نوعان من الآثار المترتبة على هذه المبادرة؛ فالأثر الآني أو الأولي على الصعيد الفلسطيني هو إيجابي بالطبع؛ إذ بإمكان أهل غزة أن يشعروا باهتمام البعض بهم ولو لمدة أيام معدودات يصبح فيها الحصار القضية الأولى التي تتصدر نشرات الأخبار، بما يؤدي إلى هز الصورة الإعلامية النمطية التي تروجها إسرائيل لدى الدول الغربية.
كما أن التصريحات الرسمية الصادرة عن الحكومة الفلسطينية المقالة تحاول استثمار الحدث عربيا، كما ظهر من دعوة إسماعيل هنية لأن يقوم الأمين العام لجامعة الدول العربية بزيارة غزة عبر معبر رفح تطبيقا للقرارات العربية بعدم الالتزام بالحصار المفروض على غزة، وكذلك انضم للإشادة بالمبادرة شخصيات فلسطينية كبيرة مثل الدكتور مصطفى البرغوثي سكرتير عام المبادرة الوطنية، الذي ربط بين نضال أهل غزة ونضال مواطني الضفة الغربية في نعلين وبلعين ضد جدار الفصل العنصري.
كما توارى قليلا صوت التيار الفلسطيني الرافض للحوار الوطني، وإن حذر بعض رموزه من المبالغة في قراءة دلالات هذا الحدث الرمزي والوصول إلى استنتاجات خاطئة بشأنه.
ولا يجب تجاهل الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس أبو مازن مع هويدا عراف -رئيسة لجنة التضامن مع الشعب الفلسطيني- لشكرها على جهودها هي وسائر المتطوعين الدوليين معها.
بيد أن ذلك كله لا ينفي أن كثيرا من التداعيات الآنية لمبادرة هؤلاء الناشطين المدنيين يمكن أن تتبخر إذا عاد المسئولون في فتح وحماس إلى إنتاج صراع جديد حول هذه المبادرة وتوظيفاتها المختلفة.
ومن ضمن التداعيات بعيدة المدى لهذا الحدث، زيادة ثقة هؤلاء المتضامنين الدوليين مع الشعب الفلسطيني في إمكان نجاح جهودهم، مما قد يغريهم هم، وربما غيرهم، بتكرار هذه المحاولة من جديد، مع الأخذ في الاعتبار أن أنشطة هؤلاء والحصانة (النسبية) التي يتمتعون بها تؤتي ثمارا جيدة الآن في الاحتجاج الأسبوعي في قريتي "نعلين وبلعين" ضد الجدار العازل.
أما على الصعيد الإسرائيلي فهناك ثلاثة آثار؛ أولها: احتمال تأثير الحدث على الرأي العام الإسرائيلي ضد سياسات حكومته في التعامل مع قطاع غزة، لاسيما مسألة الحصار، وعلى سبيل المثال فغالبية من استطلعت آراؤهم من الإسرائيليين، بحسب الاستطلاع الذي أجراه معهد "مآجار موحوت" في المدة بين 1 و11 يونيو 2008، يعتقدون بفشل الحصار على قطاع غزة في وقت تعاظمت فيه قوة حركة حماس (كما نقلت الجزيرة. نت في 18/6/2008)؛ فقد عبر 78% من الإسرائيليين اليهود عن ثقتهم بوجود احتمال ضئيل جدا بأن تفضي سياسات إسرائيل حيال قطاع غزة لدفع سكانه لإسقاط حكم حماس، ويرى 79% منهم أن الحصار يمس بالأساس بحياة المدنيين، ويجمع المستجوبون على أن أمن إسرائيل قد تدهور في العام الأخير منذ فرض الحصار على قطاع غزة؛ حيث قال 68% منهم إن الأمن تدهور، فيما يرى 28% أنه تحسن، كما أكد 85% منهم أن أمن مدينة سيدروت والمستوطنات المحيطة بالقطاع قد ازداد تدهورا وخطورة عقب فرض الحصار، واعتبر 67% من المستطلعين أن الحصار أساء لمكانة إسرائيل الدولية، في حين أكد 26% منهم أن ذلك ألحق ضررا فادحا بمكانتها في العالم.
الأثر الثاني يتعلق بإدراك السياق العام لمبادرة كسر الحصار عن غزة الذي يأتي في ظل تطور دعوات المقاطعة المدنية ضد إسرائيل التي تواجه (منذ قرار محكمة العدل الدولية في يوليو 2004 بشأن عدم قانونية الجدار العازل الذي تبنيه في الضفة الغربية) تهديدات بالمقاطعة من جانب الجامعات والبلديات والحركات الكنسية وغيرها من المؤسسات في عدة دول غربية، وهو ما يؤثر على صناعة القرار الدبلوماسي والإستراتيجي في إسرائيل.
وأخيرا، من المهم ربط القلق الإسرائيلي من خرق السفينتين للحصار بأسباب إسرائيل لفرضه؛ فبقدر قسوة هذا الحصار الشديدة، إلا أنه لم يفرض إلا لأن الحركة الوطنية الفلسطينية تحاول النهوض من جديد، وهذا هو السبب الحقيقي وراء النشاط الإسرائيلي الدءوب للعمل على محاصرة حكومة حماس وإغلاق طريق المستقبل أمامها.
هل يمكن استغلال الحدث؟
ثمة مؤشرات على أن الظرف الآن موات للغاية لتسجيل اختراقات في الحصار المضروب على غزة؛ فهناك انشغال الإدارة الأمريكية بالانتخابات، فضلا عن الارتباك الإسرائيلي في التعامل مع مرور هاتين السفينتين، الأمر الذي أدى إلى تراجع إسرائيل عن موقفها المهدد بمنع مرورهما، وأخيرا هناك مشاركة نواب برلمانيين أوروبيين في مبادرة الرحلة البحرية لكسر الحصار؛ مما يفتح الباب لعمل برلماني عربي وإسلامي للتنسيق مع مثل هذه الشخصيات الأوروبية.
ولابد من الانتباه أيضا إلى أن حصار غزة يأتي ضمن آليات العقوبات الدولية اللاأخلاقية، التي تستهدف دائما تغيير سلوك الطرف المعاقَب، وإعادة تشكيل نظامه السياسي وتوجهاته الخارجية، وهي عقوبات لا أخلاقية؛ لأنها تتجاهل حقوق الإنسان، ولأنها لا تميز بين الإنسان العادي والحاكم فتعاقب الجميع، وتستبطن فلسفة واحدة هي القضاء على العدو وإبادته إبادة كاملة.
الخطر داهم على الدول العربية ومجتمعاتها إن لم تقف على دروس الحصار وخطورة الأدوات الاقتصادية في صراع قوى الرأسمالية مع هذه الأمة لتطويع إرادتها والهيمنة على مواردها؛ خصوصا أننا نشهد آثار الحصار الممتدة على العراق الذي تم تحطيم بنيته المجتمعية بالعقوبات الاقتصادية وغيرها لمدة ثلاث عشرة سنة قبل غزوه واحتلاله، وغير بعيد أيضا الحصار الذي فرض على السودان وليبيا طوال عقد التسعينيات.
وبعيدا عن الموقف الرسمي العربي ودرجة مساندته لفك الحصار عن غزة، يبدو أنه يتأكد بمرور الوقت أنه من المهم العمل على عولمة قضية فك حصار غزة؛ فالبعد المدني العالمي يمكن أن يضيف دعما مهما للشعب الفلسطيني شريطة تطوير آليات تواصلنا مع قوى المجتمع المدني العالمي، وأن نفهمها ونقدم لها الدعم في قضاياها العادلة ما دامت لا تتعارض مع قِيمنا، قبل أن نطالبهم بدعم قضيتنا ووضعها على صدارة أولوياتهم دون مقابل من جانبنا.
ويبقى أمام الراغبين في الإسهام في هذا الجهد النبيل لكسر الحصار أن يعملوا على حصر منظمات المجتمع المدني العالمية التي يمكن أن تساعد في قضية رفع الحصار الجائر المفروض على غزة، والتعريف بها على أوسع نطاق، والقيام بتشبيك جهودها، وتضفيرها مع المنظمات العربية والحقوقية غير الحكومية.
فمن خلال العمل المتكامل على الصعد الفلسطينية والعربية والعالمية يمكن دفع القضية الفلسطينية إلى طريق الحل، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة، ولعلنا لا نخطئ كثيرا إذا اعتبرنا أن يوم 23 أغسطس 2008 سيكون تاريخا مهما في جهود خرق الحصار على غزة، لاسيما إذا تواترت مثل هذه المبادرات الشجاعة وازدادت كثافتها.
كاتب وإعلامي فلسطيني
|