English

 

الأربعاء. أغسطس. 27, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » آسيا » شئون آسيوية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

إلى بعض تياراتنا المحلية.. روسيا إمبريالية أيضا

نبيل شبيب

Image
رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين
لفترة طويلة أثناء امتداد الخطر الشيوعي السوفيتي إلى أفغانستان والقرن الإفريقي، انتشرت في المنطقة العربية والإسلامية أوهام الاعتماد على القطب الآخر أو الاستعانة به في مواجهة خطر خارجي، ومع تهاوي المعسكر الشرقي وشيوعيته عام 1989، والترويج لهيمنة انفرادية أمريكية في العالم، انقلب فريق ممن عرف باليسار العربي إلى أقصى اليمين، وما مثال بعض رموز ما سمي "مجموعة كوبنهاجن" بمجهول، وعندما لوحت آلة الدعاية السياسية الأمريكية بإسقاط الاستبداد -وإن وصل التيار الإسلامي إلى السلطة- غرقت جهات إسلامية عديدة في متاهات البحث عن نقاط التقاء مع الدولة التي تقصف أفغانستان والعراق وسواهما.

ومع تهاوي الأركان الأولى للهيمنة الأمريكية على صخور المقاومة في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين وأخواتها، انتعشت الآمال في أنحاء كثيرة من العالم ما بين الصين وأمريكا الجنوبية، وشملت فيمن شملت فريقا ممن عرفوا باليسار القومي العربي، ولكن رغم سلامة التوقعات أن تسير التطورات في اتجاه تعدد الأقطاب عالميا، استفحلت الأخطاء من خلال تأويل مجرى الأحداث عبر منظور كل فريق على حدة، وبرزت تخصيصا مواقف التأييد -القومية اليسارية- لموسكو في مواجهة واشنطن، بصورة شبيهة بمواقف قديمة لإسلاميين لم يروا بأسا في تقبل الدعم الأمريكي لمواجهة الغزو الروسي لأفغانستان في حينه.

صراع قديم في واقع جديد

لم تكن الغفلة عن طبيعة الهيمنة الأمريكية أيام غزو موسكو لأفغانستان مقبولة، ولا الغفلة عن طبيعة الهيمنة الروسية في هذه الأيام مقبولة، وما دعمت الدولة الأمريكية الجهاد الأفغاني إلا عبر تقديرات مدروسة في نطاق صراع النفوذ والهيمنة عالميا، وكذلك الدولة الروسية لا تتحرك في البلقان من أجل صربيا على حساب كوسوفا، ولا في القوقاز من أجل أبخازيا وأوسيتيا على حساب جورجيا، بل تتحرك عبر تقديرات مدروسة في نطاق صراع النفوذ والهيمنة عالميا.

إن ما تبدل على الخارطة الدولية مع نهاية الحرب الباردة هو الأرضية التي تتحرك عليها القوى الدولية المهيمنة، ولم تتبدل طبيعة تلك الدول نفسها ولا طبيعة سعيها للهيمنة، هذا ما يسري على الاتحاد الأوروبي ولاسيما دوله الرئيسية، مثلما يسري على الدولتين الأمريكية والروسية، ولئن وصلت الصين الشعبية إلى مستوى منافسة عسكرية لا اقتصادية فقط، فسيسري عليها أيضا منطق صراع النفوذ والهيمنة، وعندما تتوافق بعض المواقف الصادرة عن بعض القوى الدولية مع الحقوق الأساسية للشعوب "الصغيرة" سيان ما هو الانتماء الديني أو القومي أو السياسي للغالبية فيها، فلا يعني ذلك دعما لهذا الانتماء، بل توظيفا لمن ينطلق منه ويدافع عنه ويسعى لتحصيل حقوقه بمنظوره.

ولم تكن مشكلة القوى الأصغر على المسرح الدولي، بدءا بالقوى القومية العربية التي كانت أوسع شعبية في المنطقة العربية فترة من الزمن، وانتهاء بالقوى الإسلامية التي ترسخت شعبيتها منذ فترة الجهاد الأفغاني -ولا سوى تلك القوى في أي بقعة من المنطقة العربية والإسلامية- لم تكن مشكلتها الجوهرية كامنة في كسب تأييد هذه القوة الدولية أو تلك، وإنما كانت على الدوام مشكلة العجز عن الحفاظ على استقلاليتها في إطار التعامل مع مختلف القوى الدولية، سواء في حقبة الحرب الباردة، أو حقبة الوفاق الدولي، أو الحقبة المرحلية الحالية على الطريق نحو شبكة علاقات دولية جديدة ينتهي بها المطاف إلى نظام دولي ما في قادم الأيام، عندما تتوافر له شروط الاستمرارية ردحا معقولا من الزمن، كما كان في ظل توازن الرعب النووي على امتداد أربعين عاما تحت عنوان الحرب الباردة.

ما وراء صخب الأحداث

على ضوء ما سبق ينبغي التأكيد على ما يلي:

1- ليس للإمبريالية هوية أمريكية فقط، ولا هوية أوروبية فحسب، فالدولة الروسية أيضا كانت وما تزال، عبر العهود القيصرية فالشيوعية وما بعد الشيوعية، دولة استعمارية إمبريالية، تعتبر سيطرتها على المنطقة المحيطة بها، وعلى الشعوب المجاورة لها، بما فيها تلك التي بقيت بعد الحرب الباردة رازحة تحت الاحتلال "حقا إمبرياليا لا تتخلى عنه" وفق المنطق العدواني للهيمنة والسيطرة، وليس بمنطق العدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي، وكل خسارة تصيب موسكو في هذا الإطار كما كان في البلقان، مثل كل نصر تحققه كما في منطقة القوقاز، إنما هو جزء لا يتجزأ من حركة المد والجزر في مسيرة الهيمنة وتقهقرها.

2- مهما بلغت الانتصارات الروسية المحتملة في فترة التراجع الأمريكي المشهود حاليا، فلن يؤدي ذلك إلى وضع مماثل للوضع الدولي الذي ساد في الحرب الباردة؛ فسقوط الاستقطاب الثنائي هو التعبير عن انتصار الرأسمالية وتغول عولمتها، وعن هزيمة الشيوعية ضحية "حتمياتها التاريخية"، وبقيت من وراء ذلك "وحدة التصورات المشتركة على أرضية حضارةٍ محورها هو الهيمنة المادية"، وهذا ما ساهم في سرعة انتشار الرؤية الرأسمالية بتصوراتها وتطبيقاتها على امتداد منطقة السيطرة الروسية، وفي تغلغلها في الصين الشعبية اقتصاديا وماليا؛ حيث لم يبق من العهد الشيوعي سوى القالب السياسي والأمني القديم، علاوة على اضمحلال الصور القديمة لاشتراكية أممية، وتحول معظم الأحزاب اليسارية في دول العالم الغربي إلى أحزاب "يمينية" بامتياز، ومن أغرب ما نعاصره أن يبقى داخل المنطقة العربية والإسلامية بالذات "يسار" يتوهم انبعاث حركة يسارية عالمية من جديد.

3- كذلك لم يعد لبقايا التوجهات القومية العالمية صلة وثيقة بالحركات القومية عندما كان في عهدها الذهبي تاريخيا؛ فالقوميات الأوروبية تعد أكثر من 200 قومية في أقل من خمسين دولة، وشبيه ذلك يسري على وجود الانتماءات القومية في الاتحاد الروسي، وفي الولايات المتحدة الأمريكية وفي مختلف أنحاء العالم، ولم يعد "الفكر الانتمائي" المحض للتوجهات القومية هو المحرك للتطورات التي توصف بالانفصالية أو الاستقلالية في مختلف مناطق العالم، كما هو الحال مع الإيجوريين والتيبت في الصين، وشعوب القوقاز داخل حدود الاتحاد الروسي والباسك وأمثالهم في الأرض الأوروبية، وإنما باتت القوة المغذية لهذه التطورات هي قوة التطلع إلى التحرر والعدالة والكرامة لحقوق الإنسانية، وقد تعتمد هنا على انتماء ديني وهناك على انتماء قومي وهنالك على انتماء سياسي.

4- إن من أفدح الأخطاء التاريخية الواجب تصحيحها في المنطقة العربية والإسلامية، هي تلك المنطلقات الانهزامية التي تجعل القوى المحلية -ولا يستثنى من ذلك إلا القليل- تربط أهدافها، ومخططاتها، ووسائلها، وبالتالي تربط مواقفها من مجرى الأحداث، بضرورة التبعية لقوة دولية، سواء أطلقنا على هذه التبعية وصف "تعاون وصداقة" كما تفعل غالبية الحكومات المحلية، أو أطلقنا عليها وصف "أممية" كما يفعل فريق من المعارضة اليسارية، أو أطلقنا عليها وصف "حنكة سياسية" كما يصنع بعض من يتحرك تحت عنوان إسلامي.

تحرير مواقفنا من أوهام التبعية

في الوقت الحاضر، وبسبب دخول أحداث البلقان والقوقاز مرحلة جديدة في الساحة الدولية، تبرز للعيان من بين هذه الصور الثلاث مواقف اليسار القومي العربي أكثر من سواها عبر كتابات يحمل أصحابها هذا الوصف، حتى باتت بعض المفردات المستخدمة فيها أقرب ما يكون إلى المفردات التي انتشرت لعدة عقود أثناء الصراعات الدائرة بالنيابة داخل الحدود العربية على وجه التخصيص، ولم ينتج عن ذلك فيما مضى سوى ترسيخ الانقسامات القطرية والأصغر من القطرية، ولن ينتج في الوقت الحاضر ما يتجاوز ذلك إلى تحقيق الأهداف المشروعة الجليلة لشعوب المنطقة.

وقد شهدت ساحة الأحداث لفترة من الزمن ما كان يوصف بالغزل الأمريكي مع الحركات والجماعات الإسلامية، ونشهد كيف أن استجابة بعض الجهات لهذا الغزل بدرجات متفاوتة، لم يسفر -ولا يمكن أن يسفر في قادم الأيام- عن أي حصيلة إيجابية.

لابد من تركيز الجهود على تثبيت قواعد مدروسة متوازنة وصالحة للتعامل على أرضية مشتركة بين التيارات والقوى المتعددة الموجودة في المنطقة العربية والإسلامية في الوقت الحاضر، بغض النظر عن حقيقة حجم كل منها على حدة، وبغض النظر عن مدى تأثيرها الجماهيري الفعال، فحق العمل "المشترك" للوصول إلى أهداف مشروعة كبيرة لا يسري على أساس موازين الغالبية والأقلية، إنما هو حق ثابت، يستقر ويعطي ثمرته بمقدار ما تتلاقى جميع الأطراف الأقوى على ضمانه لصالح الطرف الأضعف أيضا، فهذا ما يشكل ضمانة استمراره مستقبلا وإن تبدلت الموازين في يوم من الأيام.

ومن يأبى زعامة انفرادية أمريكية، أو روسية، أو صينية، أو أوروبية، على مستوى عالمي، ويأبى على المستوى القطري والمحلي الاستبداد الانفرادي من جانب فريق ما بالسلطة والحكم وصناعة القرار، سيان هل قام على أساس حزبي أو عائلي أو عسكري، فلا مصداقية لموقفه هذا، ما دام يأبى -وهو في المعارضة أو خارجها- التلاقي على أرضية مشتركة مع سواه، وإن تعددت وجهات النظر في نطاقها، ما دامت المصلحة العليا المشتركة تحكمها، والاستقلال عن التبعيات الأجنبية معيارا لها.

آنذاك، وانطلاقا من منظور تلك الأرضية المشتركة، لا يكون الموقف من استقلال كوسوفا في البلقان أو أبخازيا في القوقاز صادرا عن وهم الاعتماد على هذه القوة الدولية أو تلك، إنما تحكمه الرؤية المنصفة المتوازنة لحقوق شعوب تلك المناطق مثل الرؤية الذاتية لحقوق شعوب المنطقة العربية والإسلامية، بلا إفراط ولا تفريط.

وآنذاك لا يتوارى الموقف القويم، القائم على إنصاف تلك الشعوب وعلى معايير العدالة وحقوق الإنسان، وراء موقف يزعم الواقعية، رغم العجز عن صناعة الواقع والتأثير على صناعته، فيدعم هذا الطرف الدولي أو ذاك بحجة الحصول على دعمه يوما ما، وشتان ما بين "دعم" من موقع التبعية، ودعم أو مقاومة وتأييد أو معارضة من موقع الاستقلالية الذاتية.

وآنذاك يمكن أن يكتسب الموقف الذاتي قوته وبالتالي تأثيره عالميا، على قدر حجم التلاقي عليه واستقراره واستمراره، من جانب القوى المتعددةِ الانتماءات والتيارات في المنطقة العربية والإسلامية عليه، فهذا وحده ما يعبر حقيقة عن موقف "غالبية" جماهيرية، بدلا من انتشار مواقف عديدة وكل منها موقف "أقلية" ما، كبيرة أو صغيرة، ولكنها محدودة التأثير داخل الحدود، ويستحيل أن يكون لها -رغم ذلك- تأثير حقيقي خارج الحدود.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات