|
موقع أحد التفجيرات التي شهدتها مدينة البويرة (شرقي الجزائر) |
شهدت الجزائر في الأسبوعين الماضيين أحدث موجة عنف، شنتها الجماعات المسلحة ضد أهداف عسكرية وأمنية، راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى من المدنيين الجزائريين.
وتركزت الهجمات المسلحة هذه المرة في منطقة القبائل في الوسط الجزائري وفي سكيكدة وجيجل بالشرق الجزائري، حيث تتميز تلك المناطق بغطاء غابي كثيف ومسالك وعرة، فهي جبال عصية على الآليات العسكرية، وهو ما يفسر لجوء الجماعة السلفية للدعوة والقتال إلى هذه المناطق لتنأى بنفسها عن مرمى حملات التمشيط التي تشنها قوات الجيش والأمن ضد معاقل هذه الجماعة التي يقودها عبد المالك دوردوكال المدعو بـ"أبو مصعب عبد الودود".
والملاحظ أنه منذ انضواء الجماعة السلفية للدعوة والقتال تحت لواء تنظيم القاعدة باسم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" في 13 سبتمبر 2006، غيرت الجماعة أسلوب الهجمات من الكمائن والكر والفر مع قوات الجيش والأمن إلى عمليات انتحارية يصعب على القوات الأمنية التعامل معها، وأصبحت عملياتها نوعية وغير مسبوقة، فقد استهدفت في العاصمة قصر الحكومة، ومقر الأمم المتحدة، والمجلس الدستوري، ومقر الشرطة العلمية قرب المطار الدولي، لكن بعد تشديد الطوق الأمني على العاصمة وحولها، نقلت الجماعة السلفية عملياتها إلى الولايات الداخلية.
وقد بلغت ضحايا عمليات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، منذ فبراير 2007 وحتى آخر تفجيرين في البويرة في 20 أغسطس الجاري (2008)، ما لا يقل عن 225 قتيلا و أكثر من 230 جريحا، حسب مصادر إعلامية، وهي حصيلة تقريبية، ففي أقل من 72 ساعة نهاية الأسبوع الماضي قتل نحو 70 شخصا في تفجيرات ولايتي البويرة وبومرداس، فضلا عن عشرات الجرحى.
تعددت القراءات والنتيجة واحدة
وعلى الرغم من أن سلسلة التفجيرات الأخيرة جاءت بعد 13 تفجيرا نوعيا سابقا في أهدافه وخسائره البشرية، فقد بقيت القراءات لأهداف تلك التفجيرات على حالها، والتي تتعدد وفق آراء الخبراء والمحللين كما يلي:ـ
1- كسر الطوق الأمني عن الجماعات المسلحة بعد نجاح قوات الجيش في قتل 12 من قادة تنظيم الجماعة السلفية في الفترة الأخيرة.
2- إثبات وجودها في الساحة لرفع معنويات المسلحين المحاصرين في الجبال الجزائرية، والمطاردين في العراق وأفغانستان.
3- كسر هيبة الدولة، باستهداف مبان رسمية يفترض أن تكون تحت حراسة أمنية مشددة.
4- حالة اليأس التي تعيشها الجماعات المسلحة، فراحت تضرب خبط عشواء.
5- وجود انقسامات شديدة في صفوف الجماعات المسلحة بين مؤيد للعمل الانتحاري والسيارات الملغومة حتى لو استهدفت المدنيين، تيار دوردوكدال، وبين تيار مناهض لاستهداف المدنيين داخل هذه الجماعات.
6- لا يمكن لهذه الجماعات المسلحة مواجهة قوات الجيش، فبدأت تضرب المدنيين، بعد أن وصلت إلى طريق مسدود، ونتذكر هنا تصريح وزير الداخلية الجزائري "نور الدين يزيد زرهوني"، والذي قال: ".. ليس أمام هؤلاء إلا تسليم أنفسهم".
7- البحث عن صدى إعلامي، فمجرد تنديد كل من أمريكا وفرنسا وغيرهما، يعد هدفا بحد ذاته للجماعة السلفية.
8- إن عودة التفجيرات تمثل صراعا بين أجنحة السلطة والإرهاب، كما قال الكاتب الصحفي سعد بوعقبة، حيث يقول في إحدى كتاباته: (نعم، قد يكون هذا الصراع الدموي المحموم هو صراع بين أجنحة الفساد في الإرهاب والسلطة.. وإن أبناء الشعب المسكين هم وقود نار هذا الصراع.. لكن ألا توجد طريقة أخرى يتصارع بها الجزائريون حول عائدات أنبوب حاسي مسعود (يقصد عائدات النفط) غير هذه الطريقة الدموية الرهيبة؟! أعرف أن هذا الكلام قد لا يعجب العديد من الناس!!).
ومع تعدد القراءات، فإن كلمة حق لابد أن تقال، وهي أنه مهما بلغت يقظة قوات الجيش والأمن، فليس بمقدورها الوقوف في وجه انتحاري زهد الحياة "طمعا في الجنة" حسب فتاوى يتشبع بها شباب لم يجدوا أمامهم سبيلا أفضل، فدفعهم اليأس وظلمة المستقبل إلى الموت بأشكال مختلفة، انتحاري، أو في زوارق مطاطية عبر البحر نحو الضفة الشمالية بحثا عن لقمة العيش، أو الانتحار بأنشوطة حبل على غصن شجرة.
والحال كذلك، فلا غرو أن تكتشف قوات الأمن شبكات الدعم والمساندة اللوجستية للمسلحين، من توفير الغذاء والأخبار ورصد حركات قوات الأمن وتقدمها لهؤلاء المسلحين في كهوف الجبال.
وهنا يكمن الحل في توفير العيش الكريم لهؤلاء الشباب، بحسب ما أكده أمين عام جبهة القوى الاشتراكية "عبد الكريم طابو" في تصريحه عقب تفجير مدرسة التدريب للدرك بيسر بولاية بومرداس، وهو ما يعني تجفيف منابع الإرهاب.
والقول بضرورة تجفيف منابع الإرهاب لا يعني بالمطلق تبرير تلك الأعمال البربرية، بل الأكيد أن التهميش والإقصاء لشريحة واسعة من الشباب تكون بيئة خصبة لتوليد العنف، فكيف إذا زاد الطين بلة بالمرغبات الروحية والمغريات المادية! الجنة مكفولة لقاتل "الكفار" والأموال تحل أزمته المادية له ولعائلته.
الخارج منتفع.. وبعض الداخل أيضا
رغم هذه القراءات المختلفة لأحداث العنف النوعية منذ العام الماضي في الجزائر، لكن تقارب العمليات المسلحة، ونوعيتها، وأهدافها، وحجم المتفجرات الذي يتراوح بين 500 كجم و 700 كجم يطرح السؤال: من أين تحصل تلك الجماعات على هذه الكميات الكبيرة من المتفجرات؟ ولماذا الحل العسكري لمكافحة الإرهاب لم يؤت أكله حتى الآن؟ وما تأثير تلك التفجيرات على مسعى المصالحة الوطنية؟ وهل ثمة علاقة خارجية بما يجري في الجزائر؟
لنبدأ من السؤال الأخير، عن دور الخارج بما يجري في الجزائر، ونعود إلى إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن إنشاء قوة عسكرية بإفريقيا ضد الإرهاب تحت شعار "العمل الموحد ضد الإرهاب (أفريكوم)، وهو ما رفضته الجزائر، التي دعت إلى عمل إفريقي موحد لمكافحة الإرهاب.
وكانت الخارجية الأمريكية قد أعلنت عن أفريكوم في سبتمبر 2007، وكتب ريان هنري مسئول الشئون السياسية في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) بتاريخ 23 من أبريل من نفس العام على موقع وزارة الخارجية الأمريكية، تحت عنوان: "أفريكوم تساعد زعماء أفارقة في مجالي الأمن والاستقرار".. كتب: "هدف أفريكوم هو أن لا تمارس دورا قياديا في القارة الإفريقية؛ بل لتمارس دورا داعما لجهود الزعامات الإفريقية". وأضاف: "سنتطلع إلى أن نكمل، بدلا من أن ننافس أية جهود قيادية جارية حاليا... وسيكون مقر أفريكوم صغيرا، وعدد موظفيه قليلا، كما أنه سيكون غير متطفل إلى أكبر حد ممكن، فعوضا عن التركيز على مهمات عسكرية بحتة ستشدد القيادة على مهمات إنسانية وشئون مدنية ومساعدة الدول على ترقية أمن حدودها الإقليمية وأمنها البحري".
وأوضح هنري أن موظفي المقر العام لقيادة أفريكوم سوف يتوزعون على عدة دول، وسيكون قوامهم أقل من ألف شخص، وأشار إلى أن القرار الوحيد الذي اتخذ هو أن قائد أفريكوم سيتخذ من القارة الإفريقية مقرا له، لكن أخطر ما ذكره هنري هو توقعه بأن "تقوم القيادة بوظائفها الكاملة بنهاية سبتمبر 2008، وأن يتوجه قائد أفريكوم الجديد إلى القارة قبل ذلك الموعد".
ألا يثير التساؤل والريبة قول المسئول السياسي في البنتاجون "يتوقع أن تقوم القيادة بوظائفها الكاملة بنهاية سبتمبر 2008"، ونحن الآن على مسافة شهر تقريبا من وقوع تفجيرات الجزائر المروعة في بومرداس والبويرة؟!
باعتقادنا ثمة علاقة بين الأمرين، وبعيدا عن نظرية المؤامرة، لاحظنا أن الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ نهاية الحرب الباردة وسقوط المنظومة الاشتراكية انتهجت سياسة "صناعة الأعداء" حيث تكون لها مصالح حيوية.
وفي إفريقيا -كما نعلم- تغلغلت الاستثمارات الصينية الضخمة في مجالات حيوية كالتنقيب عن البترول والغاز والمعادن النفيسة، وكما هو معلوم أن القارة الإفريقية لا زالت بالمفهوم الاستعماري "قارة عذراء بمواردها الطبيعية" من نفط، ويورانيوم، وغاز طبيعي، وماس، وذهب، وفوسفات وغيرها، ولم تستغل بعد إلا النزر اليسير منها، وبالتالي فقدوم "يأجوج ومأجوج الصيني" للقارة الإفريقية يؤرق مضاجع الولايات المتحدة الأمريكية على مصادر الطاقة.
ولا شك أن تطوع الولايات المتحدة لمساعدة الدول الإفريقية على الأمن والاستقرار، يستدعي أولا توفير حالة من اللاستقرار في البلدان الإفريقية لتهب أمريكا للمساعدة.
والجزائر في التقييم الأمريكي "دولة محورية في شمال إفريقيا"، وهذا يعطي دلالة على أهمية وجود قيادة أفريكوم في الجزائر، وتحديدا في الصحراء الجزائرية، حيث تتمتع المنطقة بصفاء مناخي يسمح برصد القارة الإفريقية من بابها إلى محرابها.
وإذا ما لاحظنا تزامن إعلان الولايات المتحدة عن أفريكوم في 6 من فبراير 2007، وأول عملية مروعة للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في 13 من فبراير 2007، فإنه يمكن استنتاج أن مثل هذه العمليات توفر ذريعة ممتازة للولايات المتحدة للتدخل تحت مسمى "المساعدة" لضرب الإرهاب، الذي يستوجب قيادة موحدة "الأفريكوم"، ولأجل هذا الهدف قام الرئيس الأمريكي جورج بوش بزيارة رسمية لعدة دول إفريقية، هي الأكبر في تاريخ رؤساء أمريكا، وبعدها قام وفد رفيع المستوى بزيارة ست دول إفريقية منها الجزائر التي لا زالت ترفض وجود قواعد على أراضيها.
من هنا نجد أن أعمال العنف النوعية منذ العام 2007 تتقاطع مع مصالح أطراف خارجية، خاصة الولايات المتحدة، لكنها أيضا تتقاطع مع مصالح أطراف داخلية، فهناك ما يصفه بعض السياسيين بـ "مافيا المال والأعمال"، وتزدهر أعمالها في ظل اللاستقرار في البلاد، ويتهمها البعض ضمنا بالتمويل والتواطؤ مع بعض الجماعات المسلحة، ليبقى الوضع الأمني مأزوما.
واللافت للنظر هنا أن أعمال العنف أخذت هذا المنحى الخطير بعد ارتفاع أسعار النفط، وتحقيق وفرة مالية في الجزائر تزيد عن 150 مليار دولار أمريكي، تسيل لعاب تلك المافيا لاقتسامها.
ولا شك أن تلك التفجيرات التي أعادت الوضع الأمني إلى مربع الصفر من التدهور، ستنعكس سلبا على مسعى المصالحة الوطنية التي طرحها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والذي يحسب له أنه نجح في مسعى قانون الوئام المدني 1999، وميثاق السلم من أجل المصالحة 2005، في نزول 6000 مسلح من الجبال، سلموا سلاحهم لقوات الأمن، ولأن إجراءات إدماج هؤلاء المسلحين في المجتمع وفق قانون المصالحة عرفت تعثرا، كان مقصودا في أحيان كثيرة من مناهضي مسعى المصالحة، فعاد بعض من ألقى السلاح إلى الجبال، وهو يشعر بالغبن، وربما بالرغبة في الانتقام.
أمام هذا الوضع المتشابك والمعقد في المصالح تصبح السلطات الجزائرية أمام خيارات أحلاها مر، فاستمرار العمل العسكري يعني مزيدا من الضحايا، واتخاذ بوتفليقة خطوات جديدة في موضوع المصالحة الوطنية، وهو من قال في شأن ميثاق السلم من أجل المصالحة: "هذا ما سمحت به التوازنات الوطنية الراهنة"، يعني القفز على ثلاث سنوات لم تنضج خلالها الظروف لاتخاذ خطوات أخرى لإنهاء أزمة العنف.
صحفية وكاتبة جزائرية.
|