|
| عباس وأولمرت في لقاء جمعهما بالقدس |
الناظر للمستوى البياني للعلاقة التي ربطت إسرائيل بالفلسطينيين طوال عقود مضت يرى أنها قامت على منهجين لا ثالث لهما:
أولا: المنهج العسكري المسلح الذي قادته فصائل منظمة التحرير الفلسطينية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، وجاءت حماس لاحقا لتواصله بصورة أكثر وضوحا.
ثانيا: المنهج السلمي التفاوضي الذي تبنته حركة فتح منذ منتصف السبعينيات، وبذلت جهودا مضنية، وعقدت مع الإسرائيليين اتفاقات متعددة تنازلت فيها عن بعض الثوابت مقابل السماح لها بأن تكون عضوا في الأسرة الدولية.
وقد اعتادت إسرائيل والفلسطينيون على حد سواء أن يتعاملا مع بعضهما البعض وفق هذين المنهجين، رغم ما واكبهما من نزاعات فلسطينية داخلية، رأى أصحابهما أنهما الأحق والأجدر والأكثر قدرة على تحقيق طموحات الشعب الفلسطيني، إلى أن جاء اليوم الذي تتعامل فيه إسرائيل مع هؤلاء الفلسطينيين أنفسهم بمنهج يقترب من أن يكون نهجا واحدا، رغم بعض الاختلافات الشكلية.
التعامل التفاوضي
وأقصد هنا الآلية التفاوضية التي تقوم بها السلطة الفلسطينية في رام الله وفريقها المفاوض، منذ أن انطلقت مسيرة التسوية في أكتوبر 1991، والتي لم تحقق للفلسطينيين إلا كل تراجع في قضيتهم الوطنية، وتقزيمها في بعض القضايا المطلبية المعيشية، أما بالنسبة للقضايا الكبرى التي من أجلها قامت المقاومة وسقط الشهداء، فهي مؤجلة للحل النهائي.
هذه الآلية ما زال يتمسك بها أصحابها، حتى لو انتهت إلى أن يكون التفاوض غاية في حد ذاته، بمعنى التفاوض لأجل التفاوض، وهي إستراتيجية ثبت عقمها، وعدم جدواها، فيما إسرائيل تخوض معهم هذه "المعارك التفاوضية"، كما أسماها كبير المفاوضين الفلسطينيين.
إسرائيلترى أن الاستمرار بهذه السياسة التفاوضية يمنحها الكثير من الإنجازات على مختلف الأصعدة:
- فهي تعلن للعالم أجمع وأمام كاميرات التلفزيون والفضائيات بمختلف لغاتها أنها تدير عملية تفاوضية مع الفلسطينيين، وأنها اقتربت من إنجاز اتفاق سياسي معهم، بات قاب قوسين أو أدنى، الأمر الذي يبعد عنها صفة التعنت وعدم المباشرة في إنجاز الاتفاق.
- تستغل إسرائيل هذه الآلية في تلميع صورتها أمام الرأي العام العالمي، وأحيانا العربي للأسف، وفي ترويج مواقفها السياسية، ويستقبل ساستها في عواصم العرب والمسلمين، ويهاجمون الفلسطينيين من قلب هذه العواصم، واصفين إياهم بالإرهابيين والقتلة.
- ترى إسرائيل أن هذا التفاوض الذي لن يمنح الفلسطينيين ما يصبون إليه، ويمنحها وقتا وزمنا إضافيا في تقوية نفوذها الإقليمي والدولي، ويجعلها عضوا فاعلا في الأسرة الدولية، بل يضعها على قائمة الدول التي تحارب الإرهاب، وما يتخلله ذلك من توقيع الاتفاقيات، وإبرام الصفقات، وغيرها.
- هذه الآلية التفاوضية تعطي إسرائيل مزيدا من أدوات الضغط والابتزاز للفريق المفاوض الذي يفتقر للدعم الشعبي والدستورية الشرعية، وهو أمر طالما ذكر به المفاوضون الإسرائيليون نظراءهم الفلسطينيين من باب المعايرة، في إشارة واضحة إلى ضرورة تخفيض سقفهم السياسي، فوق أنه منخفض أصلا؛ لأنهم ببساطة لا يمثلون كل الفلسطينيين.
فلسطينيا، يرى الفريق المفاوض أن هذه الآلية التي تصر عليها إسرائيل تحقق له بعضا من الإنجازات الداخلية والخارجية، أهمها:
- تبقيه في صورة الحدث السياسي الفلسطيني، وهو يريد كذلك ترسيخ صفة التمثيل والشرعية في هاجس يهدده دائما حول البديل الموعود له، وأقصد هنا الحركات الإسلامية.
- هذا الفريق في ضوء الخسائر التي مني بها طوال أكثر من عقد مضى من الزمن لا يرى أمامه من خيار سوى التفاوض؛ لأن أي خيار آخر قد يجرءون على تبنيه لن يعني لهم سوى أفول نجمهم وإلى الأبد هذه المرة.
- بقاء هذا الفريق متصدرا المشهد السياسي الفلسطيني مرهون أولا وأخيرا باستمرار تفاوضه مع الإسرائيليين، وما قد يترتب على ذلك من امتيازات وعلاقات يحصل عليها من الإقليم العربي والمجتمع الدولي.
حكاية التهدئة
وهي نهج فلسطيني جديد دأبت إسرائيل على التعامل وفقه مع فريق فلسطيني -تترأسه حماس وباقي قوى المقاومة المسلحة - يتبنى خيار المقاومة كخيار أصيل ضد إسرائيل، بعد أن أثبت خيار المفاوضات فشله وعقمه وعدم جدواه، وبدأ العمل بأسلوب التهدئة منذ سنوات قليلة خلت، ويبدو أنه يحقق لكلا الطرفين مصالح مشتركة.
أما إسرائيلفترى أن التهدئة مع فصائل المقاومة يمنحها عددا من الإنجازات والفرص، أهمها:
- تعطي لجيشها -الذي مرغ أنفه في تراب شوارع غزة وأزقتها- مزيدا من الوقت لإعادة تدريب قواته، وتأهيل مقاتليه، وتعزيز أساليبه القتالية، تحضيرا لجولة أخرى قادمة من المواجهة المسلحة.
- تحقق المزيد من الهدوء والاستقرار لمدنها ومستوطناتها التي شكلت هدفا مفضلا لصواريخ المقاومة طوال ثمان سنوات خلت من عمر الانتفاضة، وبالتالي يخف الضغط الشعبي عليها، ويقف عنها سيل الاتهامات الموجهة إليها من قبل وسائل الإعلام التي ترى الحكومة عاجزة عن إيقاف بعض "الأنابيب المتطايرة"، وهو الوصف الذي يطلقه فريق التفاوض على صواريخ المقاومة.
- تجعل إسرائيل تفكر بأريحية شبه كاملة في الملفات الأكثر سخونة والتهديدات التي تحيط بها من جهاتها الأربع، لاسيما حزب الله وسوريا وإيران، بحيث تعيد ترتيب أولوياتها في التعامل مع سلة التهديدات هذه.
أما على الصعيد الفلسطينيفإن حماس تحديدا، إلى جانب قوى المقاومة الأخرى، ترى أن التهدئة تحقق لها جملة من الإنجازات أهمها:
- تعتبر وفق مفهوم العسكر والعاملين في ميدان المقاومة استراحة محارب، فمما لا شك فيه أن مقاتلي القسام ورفاقهم من الأجنحة العسكرية بذلوا جهودا مضنية، واستنزفت قواهم العسكرية في جولات خاضوها أمام أعتى جيش في المنطقة، الأمر الذي يستلزم منهم التقاط الأنفاس، وتهيئة القوات لمواجهة قادمة لا محالة.
- حماس تحديدا، التي ترى نفسها متورطة في إدارة غزة اقتصاديا وإداريا ومعيشيا، في أمس الحاجة لهذه التهدئة؛ للتفرغ لتلك المهام والأعباء التي يبدو أنها -بعيدا عن المكابرة - تطغى على الملفات السياسية لدى الحركة؛ ذلك أننا قلنا في أكثر من مرة وعبر أكثر من منبر إن الجمع بين برنامجي المقاومة والحكم أمر ليس بالإمكان تحقيقه.
- الوضع في الأراضي الفلسطينية، وتحديدا غزة، يقترب من صفة الكارثية في ظل تراجع المستوى المعيشي إلى درجة الصفر وارتفاع معدلات البطالة إلى نسبة لم يشهدها القطاع من قبل، الأمر الذي يتطلب إفساح المجال أمام الناس لمحاولة تلمس مصدر رزق لهم هنا، أو الالتفات إلى محاولة تدبير شئونهم هناك، وما يستلزمه ذلك من تخفيف لجبهة المواجهة مع المحتل.
حتى لا تتحول التهدئة لنهج دائم
بعيدا عن منهج التفاوض المفضل إسرائيليا وحكاية التهدئة الرائجة هذه الأيام في القاموس الفلسطيني، فقد أثبتت التجربة الطويلة مع الاحتلال أن المنهج الذي أثبت جدواه وحقق مكاسب أكثر من سواه هو منهج المقاومة والمقاومة المسلحة، إلى جانب أشكال أخرى شعبية وجماهيرية وسلمية لا تسقط بحال من الأحوال مشهد المقاوم المسلح يثبت رايته على كل شبر يتم تحريره.
إن الانسحاب الإسرائيلي قبل ثلاثة أعوام من قطاع غزة يعطي نموذجا لذلك، والهزيمة التاريخية أمام حزب الله جسدت النموذج بجدارة أكثر، مما يجعل من تبني هذه المقاومة فلسطينيا أمرا يتجاوز الحاجة الآنية لقوة المقاومة، وصولا إلى الضرورة التاريخية لحسم الصراع، والوصول إلى نتائج عملية تنصف أصحاب الحقوق، وتعيد لهم مظلمتهم.
وهنا لا ضير من أخذ استراحة محارب للمقاومة ومقاتليها؛ فالتهدئات، والهدنات، ووقف إطلاق النار أمر جرت عليه العادة بين الأعداء، وكان مسوغها الأساسي التحضير للمواجهة القادمة، وبالفعل هذا ما كان يحصل، أما التحذير الذي يجب أن يصدر في هذه اللحظة التاريخية فهو خطورة أن تتحول التهدئة إلى نهج دائم، يتم تمديده بين الحين والآخر تحت ذرائع شتى، وحجج واهية؛ لأنه ما ينبغي لحركات المقاومة أن تساوم على مقاومتها، ولا يجوز لكائن من كان أن تكون لديه الفتاوى والصكوك يصدرها متى شاء، فالمقاومة اليوم مطلوبة وملحة، وغدا قد تصبح ضارة بالمصلحة الوطنية.
أخطر ما في الأمر أن إسرائيل على كلا النهجين، التفاوض والتهدئة، تبدو أكثر راحة من ذي قبل؛ فقد حققت الأمن لمواطنيها في الجنوب، و"ضحكت على ذقون الفلسطينيين" بإدخال كميات متواضعة من بعض البضائع، فيما أبقت على المعابر مغلقة، وتمارس عليهم ابتزازا يشكل عنصرا أساسيا من سياستها في موضوع صفقة شاليت.
لا ينبغي للفلسطينيين، حتى وهم في أسوأ ظروفهم السياسية وانقسامهم المعيب، أن يسمحوا لإسرائيل أن تتلاعب بهم كما تشاء، فيما تتفرغ هي للتعامل مع ملفات أكثر سخونة وأشد ضراوة، إقليمية ودولية، وإذا كان من المسلم به تاريخيا وإستراتيجيا أنه من الصعوبة بمكان على المقاومة الفلسطينية الحالية -وهي في قدراتها المتواضعة الآن- أن تحرر فلسطين من بحرها إلى نهرها، فلا أقل من أن تشاغلها وتربكها وتستنزفها، بدلا من الانشغال بقصة المعابر، وحكايا التموين والبضائع التي لم تكن تشكل في يوم من الأيام القضية الأساسية لقوى المقاومة، وعلى رأسها حماس، قبل أن تتورط في ألعوبة السلطة، وتستدرج إلى أفخاخها الملغومة.
كاتب وصحفي فلسطيني.
|