|
| أي خيارات تمتلكها واشنطن للتعامل مع روسيا؟ |
يبدو الغرب حائرا، بل مرتبكا أيضا، أمام أسلوب التعامل مع روسيا بعد تدخلها المسلح في جورجيا، رغم قناعة العديد من دوله، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، أن تدخل موسكو في جورجيا ليس إلا محاولة لاستعادة مجد الإمبراطورية الروسية مرة أخرى، إذ لم تر الدول الغربية في قرار الرئيس الجورجي "ميخائيل ساكاشفيلي" إرسال قواته إلى أوسيتيا الجنوبية مبررا لرد الفعل "المفرط"و"الوحشي"من قبل روسيا، حسب كلمات الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي".
ويظهر هذا الارتباك بوضوح في الخيارات التي طرحها كتاب وباحثون غربيون، للتعامل مع ما قامت به موسكو، فقد تناقضت آراؤهم ما بين دعوات لعزل روسيا، وتوفير مظلة أمنية لدول أوروبا الشرقية، بل إنشاء ما يمكن تسميته "وارسو غربي"جديد، وبين دعوات أخرى إما للتقليل من حجم التأثير الأمريكي في الصراع، ومن ثم عدم القدرة على معاقبة موسكو، أو تخلي الولايات المتحدة عن الدفاع عن الدول الأوروبية، حيث لا توجد مصلحة لها في ذلك.
التجرؤ الروسي
في هذا السياق، يرى "فريدريك كاجان" المؤرخ العسكري والمتخصص في شئون الدفاع، أن روسيا هي التي دفعت الأمور نحو الأزمة الحالية، فقد صعدت من حدة التوتر مع جورجيا عبر إقليميها الانفصاليين (أبخازيا وأوسيتيا)، بعد إعلان استقلال إقليم كوسوفا في فبراير 2008، بشكل خاص.
وظهر هذا التصعيد في قيام القوات الجوية الروسية بإسقاط طائرات جورجية بدون طيار فوق أبخازيا، كما ضاعفت روسيا تقريبا عدد جنود قوات حفظ السلام في هذا الإقليم بدون سبب معقول، علاوة على ذلك قامت قوات أوسيتيا الجنوبية، مدعومة من روسيا، بالإغارة على مناطق جورجية.
وبالرغم من اللهجة العدائية التي استخدمتها جورجيا في ردها على هذه الاستفزازات، فقد اتسم رد فعلها بالاعتدال، وفي إطار ما يسمح به القانون الدولي، كما يقول "كاجان"، حيث لم تخرج في تحركاتها عن نطاق الأراضي الجورجية، وفي إطار الدفاع عن مواطنيها الذين يتعرضون للهجوم.
وكان من الممكن إبقاء التوتر بين البلدين عند هذا الحد، حيث كان بوسع موسكو أن تقصر تحركاتها في حدود حماية جنود حفظ السلام التابعين لها، أو حتى إرسال تعزيزات مؤقتة لضمان أمنهم، لكن رئيس الوزراء الروسي "فلاديمير بوتين"، لم يقتصر على ذلك، حسبما يرى "كاجان"، بل أشعل حربا واسعة مع جورجيا.
ويكمن السبب وراء هذا التصعيد، من وجهة نظر "تشارلي سيزوم" الباحث المساعد في دراسات السياسة الخارجية والدفاع بمعهد "أميركان إنتربرايز"، أن روسيا قد استغلت فشل دول حلف الناتو في ضم جورجيا في قمة بوخارست في أبريل الماضي 2008، ورأت أن الفرصة متاحة لها لمهاجمة جورجيا قبل شهر ديسمبر المقبل، موعد انعقاد الاجتماع الذي قرره الحلف لمناقشة عضوية جورجيا المحتملة.
مبررات خطيرة
ولا تبدو المبررات التي قدمتها موسكو، والمتمثلة في حماية "كرامة وأرواح المواطنين الروس"، سواء كانوا على الأرض الروسية أم خارجها، مقنعة بالنسبة لـ"كاجان"، لتبرير ما قامت به موسكو، بل على العكس يرى أنها تحمل دلالات خطيرة.
فالمبررات الروسية من شأنها أن تجعل استقلال الجمهوريات السوفيتية السابقة (يمثل فيها الروس مكونا هاما يصل إلى أكثر من نصف عدد السكان في بعض الحالات) عمليا في حكم المنتهي، خاصة في ظل تأكيد روسيا على إمكانية استخدام القوة العسكرية سواء للدفاع عن أرواح وكرامة مواطنيها أينما كانوا، أو بصورة استباقية ضد دول أجنبية تمثل تهديدا لها، وتأكيدها أيضا على أن القانون الروسي لا يطبق فقط على هؤلاء المواطنين الذين يعيشون خارج روسيا، لكن أيضا على القادة غير الروس في البلدان التي يعيشون فيها.
ولهذا كان إدراك جيران جورجيا لحجم التهديد الناجم عن التدخل الروسي في جورجيا، دافعا لهذه الدول كي تتخذ مواقف أكثر قوة في مواجهة موسكو، فقد علم قادة هذه الدول أن نجاح موسكو في جورجيا سيدفع القادة الروس إلى التفكير في تكرار هذه العملية مرة أخرى تجاه بلادهم.ولذلك جاءت ردود أفعال هذه الدول أكثر قوة من دول غرب أوروبا، حيث اجتمع البرلمان الإستوني في جلسة استثنائية للمطالبة بتعجيل عرض الناتو لعضوية جورجيا، وأدان رؤساء دول البلطيق الثلاثة والرئيس البولندي الأعمال الروسية، وأعلنت آذربيجان أن ما قام به " ساكاشفيلي "ضد أوسيتيا الجنوبية أمر مبرر من الناحية القانونية، وهددت أوكرانيا بمنع أسطول البحر الأسود من العودة إلى ميناء "سيفاستوبول"، الذي تؤجره لروسيا، إذا شارك في الأعمال العسكرية ضد جورجيا (وهو ما تم بالفعل وانتقل هذا الأسطول منذ ذلك الحين إلى ميناء "نوفوروسيسك"الروسي)، وطار قادة بولندا وليتوانيا وإستونيا ولاتفيا وأوكرانيا إلى "تبليسي"للتعبير عن التضامن مع "ساكاشفيلي" وإصدار بيانات حازمة منذ بداية النزاع.
خيارات أمريكا
أظهرت الأزمة في جورجيا، حسب "كاجان"، أن الولايات المتحدة، والغرب بشكل عام، لم يقدم المساعدات المطلوبة لدول أوروبا الشرقية وللجمهوريات السوفيتية السابقة الحليفة لها، لحمايتها من الدب الروسي، فضلا عن تردد الغرب في توفير الحماية لهذه الدول عبر ضمها للناتو.
وبالتالي فعلى الغرب أن يختار الآن بين مساعدة هذه الدول –ومنها جورجيا-على أن تحمي نفسها، أو أن يقف مكتوف الأيدي أمام سعي موسكو لاستعادة الإمبراطورية الروسية وتكوين نظام دولي تسيطر عليه.
ويمكن تتبع الخيارات الغربية المطروحة التعامل مع موسكو من وجهة نظر محللين إستراتيجيين أمريكيين في الآتي:ـ
أولا:برنامج مساعدة عسكري:
يركز "كاجان" على قيام واشنطن بإنشاء "برنامج مساعدة عسكري" لدول أوروبا الشرقية الأعضاء في الناتو، بالإضافة إلى جورجيا وأوكرانيا، ما يجعلها قادرة على ردع روسيا، وذلك في معرض تناوله للخيارات المتاحة أمام الدول الغربية لمواجهة روسيا، المتمثلة من وجهة نظره في الاستمرار في توسيع الناتو، أو تأجيل مفاوضات انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية، أو طرد روسيا خارج مجموعة الثمانية الكبار.
وبالإضافة إلى ذلك، يطرح "كاجان" عدة خطوات أخرى من قبيل عدم اعتراض الولايات المتحدة على تكوين احتياطات مدربة كبيرة في تلك البلدان بجانب الجيوش المحترفة الصغيرة، وتوسيع الوجود الاستشاري العسكري الأمريكي؛ كي تتمكن الولايات المتحدة من مساعدة هذه الدول على امتلاك القدرة للرد على أي هجوم روسي غير متوقع.
ثانيا:نظام دفاع جوي:
يقدم "سيزوم"، تصورا يشبه إلى حد كبير ما قدمه "كاجان" حول الخيارات المتاحة أمام الغرب على المدى القريب، إذ يجب أن يقدم الغرب المساعدة لدول أوروبا الشرقية من أجل تركيب "نظام دفاعي جوي" شامل لمعادلة القدرات الروسية، مع الإعلان صراحة أن محاولات إسقاط ساكاشفيلي أَو تقليص سيادة جورجيا تعد بمنزلة خطوط حمراء يؤدي تجاوزها إلى فرض عقوبات على روسيا قد تشمل منع الزعماء الروس من السفر.
ثالثا:وارسو "شرقي" بدون روسيا:
أما على المدى الأبعد، فيرى "سيزوم" وجوب استمرار حلف الناتو في الدفع تجاه عضوية جورجيا. ويعتقد أن ذلك لن يحدث قريبا بسبب اعتراض الدول الأوروبية. وبدلا عن ذلك يمكن العمل من أجل خلق إطار أمني إقليمي يضمن ألا تكرر روسيا نموذج أوسيتيا الجنوبية في حالات أخرى مثل إقليم "كراميا" الأوكراني، "و"ناجورنو قره باغ "الآذربيجاني، أو "ترانسدستريا" المولدوفي.
ومن وجهة نظر سيزوم، تبدو الظروف مهيأة تماما لخلق هذا الإطار الأمني الجديد، وذلك بالنظر إلى مجموعة من الأمور منها:
*تصويت البرلمان الجورجي في 14 من أغسطس 2008 على الانسحاب من كومنولث الدول المستقلة، ما يعني افتقار جورجيا إلى تحالف أمني شامل، وهو ما قد يدفعها إلى الانضمام إلى هذا الإطار الأمني الجديد.
*تشير المساعدات التي قدمتها كل من أوكرانيا، وبولندا، ولاتفيا، وليتوانيا، وإستونيا، وآذربيجان، إلى جورجيا خلال النزاع، إلى إمكانية قبول هذه الدول بالانضمام في منظمة يمكن أن تضمن الأمن المتبادل وتبقى على قوة مشتركة نشيطة في البلدان الأعضاء المهددة.
*أن بعض هذه الدول (تحديدا جورجيا، وأوكرانيا، وآذربيجان، ومولدوفيا)، أعضاء بالفعل في منظمة "جوام" (منظمة الديمقراطية والتنمية الاقتصادية)، والتي أنشئت لموازنة كومنولث الدول المستقلة والنفوذ الروسي، وهو أمر يمكن البناء عليه، من وجهة نظر "سيزوم"، لأجل تشكيل "تحالف أمني شرق أوروبي"يضم كلا من بولندا ودول البلطيق، وأعضاء منظمة "جوام".
ويستطيع "التحالف الجديد" تبني نفس الأهداف الأمنية لمنظمة "جوام"، والبناء على الخطوات التي قامت بها، من قبيل إنشاء قوة حفظ سلام مشتركة، والتي ناقشتها "جوام" خلال قمة باكو في عام 2007.
وإذا لم يستطع "التحالف الجديد" تشكيل قوة حفظ سلام داخل المناطق المتنازع عليها بسبب الاعتراضات الروسية المتوقعة، فيمكن نشر هذه القوة في أراضي الدول الأعضاء وحول مناطق النزاع لمنع غزو روسي فعلي أَو محتمل.
وبناء على ذلك ينبغي على أمريكا، وفقا لسيزوم، أن تقدم التشجيع والتمويل والدعم اللوجستي والتدريب المكثف لإنشاء مثل هذه القوة؛ لأن من شأنها عرقلة المساعي الروسية في المنطقة.
ومع التسليم بأن وحدات "التحالف الجديد" لن تعادل الأسطول الجوي الروسي الكبير، لكنها يمكن أن تحسن منظومة دفاع جوي متكامل لزيادة الكلفة الروسية، من خلال إسقاط عدد أكبر من الطائرات، في حالة وقوع حرب مع روسيا، ما يجعل موسكو تفكر مليا قبل شن مثل هذه الحرب.
كذلك يستطيع أعضاء التحالف العمل معا لبناء قوة بحرية مؤهلة، موطنها البحر الأسود لمواجهة المحاولات الروسية للسيطرة على المياه المفتوحة، غير أن هذا الأمر بحاجة إلى مساعدة أمريكية بالنظر إلى أن لدى جورجيا 495 بحارا فقط، ولا تمتلك مولدوفيا ساحلا بحريا، وتبقي أوكرانيا الدولة الوحيدة بين أعضاء التحالف التي تملك أسطولا بريا فعالا في البحر الأسود، ومن ثم على الولايات المتحدة أن تسرع في تطوير القوات البحرية بواسطة مدها بعدد من الغواصات الهجومية الجديدة من طراز فرجينيا للمساعدة على ردم الهوة مع روسيا.
رابعا:عزل روسيا:
وخلافا لـ"كاجان" و"سيزوم"، يشكك "تيد جالين كاربنتر" نائب رئيس معهد "كاتو" الأمريكي لدراسات السياسة الخارجية والدفاع، في قدرة الولايات المتحدة وصناع القرار الأمريكيين على عزل روسيا أو معاقبتها كما يقولون به الآن، فأمريكا لا تمتلك نفوذا كبيرا في هذا النزاع.
ومع التسليم بأن واشنطن تستطيع مثلا منع روسيا من الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، ما يحرم موسكو من بعض الفرص الاقتصادية المهمة.لكن في المقابل، فإن روسيا لديها بعض الأوراق المضادة، من بينها أنها المصدر الرئيسي للطاقة في أوروبا، ولا يحتمل أن يتم عزلها كما يطالب بعض صقور الإدارة الأمريكية.
ويستدل "كاربنتر" على ضعف التأثير الأمريكي، برد فعل واشنطن حيال ما قامت به روسيا، بالإضافة إلى أسباب أخرى من بينها عدم الرغبة في الدخول في مواجهة مسلحة مع روسيا، حيث لم تستطع الولايات المتحدة أن تتخذ موقفا قويا من موسكو، حتى أنها لم تلوح مثلا بتدخل عسكري ولو في إطار الناتو، بل لم تعمل على إثارة القضية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن وجاء القبول الأمريكي والغربي عموما مطبوعا بالشروط الروسية.
خامسا:انسحاب أمريكا من الصراع:
وخلافا لكافة الآراء السابقة، يعتقد "دوجلاس باندو"، المساعد الخاص للرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان، والخبير الإستراتيجي بمعهد "كاتو" الأمريكي، أنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة الانخراط في هذا الصراع، ويتمثل الحل من وجهة نظره في أن تتوقف الولايات المتحدة عن اعتبار الأوروبيين "تابعين يجب حماتهم".
وتتمثل أول خطوة لتحقيق ذلك في وقف توسيع الناتو، وإعادة القوات الأمريكية العاملة في أوروبا، وقطع المساعدات عن أعضاء الحلف الجدد، بالإضافة إلى إعادة هيكلة العلاقة مع الناتو لتعكس المصلحة القومية الأمريكية، وليس أي مصلحة أخرى.
ويطرح "باندو" تصوره هذا استنادا إلى أن أوروبا الشرقية، ومنطقة القوقاز بشكل خاص، لا تمثل أي أهمية بالنسبة للأمن القومي الأمريكي، وبالتالي فإن أي توتر في هذه المنطقة هو شأن أوروبي وليس شأنا أمريكيا.
بعبارة أخرى حماية "أوروبا الجديدة" (مصطلح أطلقه دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي السابق على دول أوروبا الشرقية) هي مسئولية "أوروبا القديمة"، وليس الولايات المتحدة، وإذا لم يفعل الأوروبيون أي شيء حيال ما قامت به روسيا، فلا يجب على الولايات المتحدة التحرك بدلا منهم.
وبناءً على ذلك، يرى "باندو" أن المصلحة وليس العاطفة، هي التي يجب أن تحرك سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في حالات تقديم ضمانات عسكرية أو نشر قوات أو حتى المخاطرة في الدخول في حروب، ولا يوجد أي مبرر لدى الولايات المتحدة للقيام بهذه الأعمال لصالح دول ليست هامة بالنسبة للأمن القومي الأمريكي.
باحث سياسي.
|