English

 

السبت. أغسطس. 23, 2008

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » ليبيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

أزمة "الطوارق".. حتى لا نجد "دارفور" أخرى!

محمد جمال عرفة

Image
الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي
  نجحت وساطة عرضها الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي بين متمردي شعب (الطوارق) على حدود دولتي النيجر ومالي، وبين حكومتي البلدين في إقناع الطوارق بإلقاء السلاح وإطلاق سراح جنود أسرى والدخول في مفاوضات سلمية لحسم الأزمة الممتدة منذ سنوات بدون دماء.

وأعلن (أغالي أغ ألامبو)، أحد زعماء طوارق النيجر، أن مقاتليه قرروا إلقاء أسلحتهم ابتداء من يوم 18 أغسطس 2008، وأنهم وافقوا مع أشقائهم (طوارق مالي) على قيام زعيم الجماهيرية الليبية بدور وساطة، ووضعهم ملف الطوارق وقضية الأسرى من الجيش المالي والنيجري بعهدته.

وكان القذافي قد حث متمردي كل من النيجر ومالي على إنهاء تمردهم، باعتبار أن مزيدا من الحرب سيضر بالدولتين الفقيرتين ويثير الفوضى بالمنطقة التي تعاني من مشكلات تتعلق بالأمن والتهريب.

وجاءت الوساطة الليبية في سياق دور تاريخي للجماهيرية اشتهر بلعب أدوار الوساطة بين العديد من القوى المتصارعة في القارة الإفريقية بما يسمح بتجفيف مياه راكدة غالبا ما تصطاد فيها القوى الاستعمارية الغربية بحثا عن مصالحها.

اختراق عربي مهم

والحقيقة أن الوساطة الليبية المباشرة بين متمردي (الطوارق) في النيجر ومالي وبين حكومتي البلدين فتحت المجال لاختراق عربي هام لملف شائك يتعلق بمجموعات عرقية إفريقية – عربية الأصل – تعيش على هامش النظام الإقليمي العربي، بما ينزع الفتيل عن تفجر هذه المناطق مستقبلا واستغلال أطراف أجنبية لها وتحويلها لنزاع إفريقي – عربي أو عرقي.

فالصراع الذي يدور منذ سنوات يجري في الواقع بين قبائل من الطوارق أصلهم عربي وإسلامي، وبين دول إسلامية (مالي والنيجر) ولن يخسر من تصعيده سوى العرب والمسلمين، خصوصا مع تزايد الأطماع الغربية الاستعمارية في هذه المناطق التي تشتهر بموارد معدنية نفيسة.

كما أن تجارب التدخلات الغربية في مثل هذه الصراعات –كما هو الحال في دارفور السودانية– أظهرت أدوارا قذرة للغرب تستهدف إثارة قضايا مفتعلة عن "صراع عربي- إفريقي" أو تنشيط نزعات قبلية وعرقية، ضمن سياسة أمريكية معتمدة تقوم على فكرة ما يسمى "شد الأطراف" لخلق مناطق توتر وبؤر متفجرة في وجه الدول العربية.

ولأن الجماهيرية التي تعتبر رابع أكبر دولة في إفريقيا من حيث المساحة تتمتع بنفوذ في أجزاء من منطقة الساحل والصحراء على مشارفها الجنوبية بفضل ثروتها النفطية والصلات القبلية بين سكانها وسكان دول الجوار، فقد سارع الطوارق وحكومتي النيجر ومالي للاستجابة لطلب رئيسها العقيد القذافي ثقة في أن الحل السلمي الذي طرحه سوف يلبي رغبات الجميع.

نزع فتيل دارفور أخرى

أما أهمية التدخل الليبي في هذا الوقت فهو أنه يجهض خطة غربية نشطة حاليا في القارة الإفريقية تسعى لاستغلال مناطق التوتر الإفريقية والتدخل فيها بغرض تعظيم فكرة انفصال مناطق تمرد عرقية (دارفور – جنوب السودان – طوارق مالي والنيجر.. إلخ) وتشجيع إنشاء دول لهذه المجموعات الانفصالية كي تصبح حاجزا بين الامتداد العربي الإفريقي في إفريقيا جنوبا وغربا وبين مناطق السيطرة الغربية في الغرب والجنوب.

فالتدخل في دارفور مثلا بذريعة إنسانية –بعدما افتضحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل التي اتبعوها في العراق– جاء بغرض خلق حائط صد أو دولة مستقلة لمتمردي دارفور من ذوي الأصل الإفريقي بما يفصل الإسلام العربي الإفريقي في الشمال عن جنوب القارة وغربها.

وبالمثل فثورة الطوارق أو (الملثمين) ضد أنظمة الحكم التي يعيشون في كنفها، ولاسيما مالي والنيجر، كانت تهدد بدورها بإشعال فتيل حرب عرقية أخرى في المنطقة تشبه دارفور، وتحول طلب الطوارق الخاص بحكم ذاتي جزئي، إلى استقلال ودولة كبرى للطوارق تتمثل خطورتها –لو قامت– في أنها ستمثل حزاما فاصلا بين النظام العربي المسلم في شمال الصحراء والنطاق الإسلامي الإفريقي في جنوبها.

العرب والطوارق

وتأتي الوساطة الليبية في توقيت مهم للغاية في ظل غموض وعدم توحد في الموقف العربي من مشكلة الطوارق، وبالمقابل سعي أمريكي وصهيوني للتدخل في المنطقة لخلق مناطق نفوذ إستراتيجية جديدة والاستفادة من ظهور النفط وموارد معدنية مهمة (اليورانيوم خاصة).

فالموقف العربي متضارب بين دول تعتبر الطوارق –وهو كذلك– رصيد ومخزون إستراتيجي للعرب خصوصا أنهم يعيشون في مناطق تماس عربية، ودول أخرى تخشى إثارتهم مشكلات لها فيرفضون التواصل معهم.

وبالمقابل هناك تنافس غربي وصيني على المنطقة خصوصا أن النيجر تنتج كميات ضخمة من البترول ولديها احتياطي كبير من اليورانيوم، وثمة خطط أمريكية وصهيونية لمساندة تمرد الطوارق والسعي لتشجيع دولة للطوارق -على غرار النموذج الكردي في شمال العراق- ما يعني تكرار سيناريو المشهد الكردي في شمال العراق، بغرض ضمان موطئ قدم للنفوذ الغربي هناك، ومن ثم الاستفادة من تواجدهم في تلك المنطقة للضغط على الدول العربية الإفريقية، هذا إلى جانب نهب ثروات هذه البلدان بدعاوى مساندة الطوارق لأهداف إنسانية.

من هم الطوارق؟

شعب (الطوارق) هم مجموعة أمازيغية من البدو الرحل الذين يقطون الصحراء، ويطلق عليهم اسم "الملثمون" أو "الرجال الزرق"، نظرا لطغيان اللون الأزرق على لباسهم وقيامهم بتغطية وجوههم لحمايتها من العواصف الرملية وتقلبات الطقس. وهم يتحدثون لغة «التماشق» وهي لغة بربرية أقرب ما تكون إلى العربية، وغالبيتهم يدينون بالإسلام السني، ولهم تاريخ مشهود في الدعوة ونشر العقيدة عبر مسالك ودروب الصحراء الإفريقية.

ولا توجد إحصاءات دقيقة لتعدادهم في منطقة الساحل والصحراء، ولكن بعض التقديرات تشير إلى أن عددهم الإجمالي يناهز ثلاثة ملايين نسمة، يتوزعون بين عدة دول أبرزها: موريتانيا، والجزائر، وليبيا، ومالي، والنيجر، وتشاد. ويعيش حوالي 85% منهم في مالي والنيجر، أما الباقي فيعيشون في ليبيا والجزائر وباقي البلدان.

ويشكو الطوارق من إهمال الحكومات لهم على مدار تاريخهم على الرغم من مشاركتهم في الحروب ضد الاستعمار الفرنسي، وعدم حصولهم على أي مقابل تنموي لمناطقهم، وأن الحكومات الوطنية أهملتهم وحاربتهم، ويقولون إن هذا هو سبب انخراطهم في ثورات وتمرد مستمر منذ ستينيات القرن الماضي.

وتشبه قضيتهم نسبيا قضية الأكراد الموزعين على أكثر من دولة ويرغبون في التجمع والتواصل والحفاظ على تراثهم وثقافتهم، حتى أن أحد مطالبهم (الطوارق) –بجانب الحكم الذاتي– هو الحفاظ على ثقافتهم.

وقد تحول الطوارق إلى الإسلام في القرن السادس عشر، وقبل ذلك كانوا يعبدون أسلافهم، ولهم العديد من الأساطير التي يمكن اعتبارها المؤسس للأساطير التي ظهرت على ضفاف النيل. وكانوا ينقسمون إلى عدة ممالك يحكمها سلاطين، وفي ذروة مجدهم تمكنوا من بناء إمبراطورية صحراوية تمتد من مدينة (غدامس) في ليبيا إلى (تمبكتو) في مالي، ونظرا لاختلاطهم بالعرب والأفارقة، اكتسب الطوارق الكثير من العادات والتقاليد من الطرفين، ومارسوا التجارة مع الطرفين، ولكنهم في نهاية الأمر تحولوا إلى ضحية لتقاسم الاستعمار لإفريقيا، فتشتتوا بين الدول.

وقد درج المهتمون بالطوارق على كتابة اسمهم بحرف (الطاء)، في حين أن الأصح هو أن يكتب بالتاء، لأن اسمهم -حسب بعض الباحثين- مأخوذ من كلمة "تاركة" وهو واد في منطقة فزان بليبيا، والنسبة إليها "تاركي"، فالاسم مأخوذ من مكان بليبيا لا من اسم القائد المسلم طارق بن زياد.

وبالرغم من أن تمرد الطوارق في مالي والنيجر يرجع إلى الستينيات وتعاظم في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، فهو لفت أنظار العالم في السنوات الأخيرة بعد أنباء عن تمدد تنظيم القاعدة إلى الصحراء الكبرى، الأمر الذي أعطى الغرب مبررا آخر وذريعة للتدخل في المنطقة بدعوى محاربة "الإرهاب"!.

ترى هل هناك مخاطر من تكرار النموذج الكردي في شمال العراق في شمال إفريقيا عبر المساعي الأمريكية والصهيونية لإنشاء دولة للطوارق في شمال النيجر ومالي تكون فاصلا وعازلا بين الإسلام العربي في شمال إفريقيا وبين منطقة الصحراء غرب وجنوب القارة بغرض السيطرة على المنطقة وثرواتها واستكمال مخطط دارفور؟.

وهل يمكن القول إن الوساطة الليبية –ضمن الوساطات العربية والإفريقية المباشرة- لحل المشكلات المعلقة تسهم في إغلاق الطريق على الوساطات الغربية التي تقدم مصالحها على حل المشكلات وتعمل على تأجيجها لا حلها خصوصا أن مناطق إفريقية عديدة مرشحة لتدخلات أمريكية بسبب مواردها المعدنية منها دارفور لتوافر النفط واليورانيوم والكوبلت والنيجر لتوافر اليورانيوم.

إن مشكلة (الطوارق) يجب أن تكون مدخلا مهما لإلقاء الضوء على مشكلات قوى عرقية وقبلية متاخمة للعالم العربي تعتبر مخزن بارود في حالة عدم حل مشاكلها أو تركها لقمة سائغة في يد الغرب وسلاح ضغط ضد العرب مثل الطوارق والبربر والنوبيين والأكراد.

وهذه المناطق الإسلامية الإفريقية مهمة ومهملة وتركها لمخاطر الصراع بين تجمعات إسلامية ودول إسلامية (مالي والنيجر) يخدم القوى الاستعمارية الغربية ويفسح المجال لقفز الغرب للمنطقة وخلق دارفور أخرى أو مسمار جحا للزحف الغربي –ومن خلفه الصهيوني– للمنطقة.


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات