|
| الدكتور سيف عبد الفتاح |
نطمع من خلال هذا الحوار أن نفتح ملفا شاملا عن فقه الاحتجاج سواء على صعيد الأحكام ومناهج الاستدلال الحاكمة لتحرير مناط المسائل السياسية الخاصة بالحريات، وكبح انفلات عناصر الاستبداد، أو على صعيد ما أسماه ابن القيم فقه الحوادث الكلية، وهو ما يسميه ضيف هذا الحوار أستاذ العلوم السياسية المعروف الدكتور سيف عبد الفتاح بالفقه الحضاري الذي يستوعب ويسكن داخله جزئيات الفقه الحكمي، ويرى أن فقه الاحتجاج هو من مكونات فقه الحضارة، ومن العناصر المشكلة لرقابة الأمة على السلطة والسلطان أيا كانت هذه السلطة أو السلطان، سواء اتخذ ذلك شكلا يتعلق بالإضراب، أو اتخذ شكلا يتعلق بالتظاهر، أو أي شكل يعبر عن معاني الاحتجاج، التي يعتبرها الدكتور سيف أحد تجليات معاني الجامعية والتزكية والعمران الذي يجب أن تتربى عليه الأمة، ويفرق في هذا الصدد بين خطاب الفتنة، وخطاب الاحتجاج بحسبان الأول مفككا، والثاني موحدا، ويعتبر النموذج الراشدي بنهضاته وأزماته نموذجا ملهما وهاديا لاكتشاف الفروقات بين دعاة الفتنة وطلاب العدل والقيمة.
كذلك يدعو الفقهاء لاستيعاب الفقه الجديد الذي دخل فيه المسلمون مع تأسيس الدولة القومية الحديثة المعاصرة بإشكالاتها وتساؤلاتها حول موقع الفكر السياسي القديم منها، وأشكال تعاقداتها السياسية والقانونية الحديثة.
وأيا ما كانت النتيجة التي سنخلص بها من هذا الحوار، وما يستتبعه من حوارات واختلافات سنجد أن ثمة إجماعا متفاوتا على أن "فقه الاحتجاج" و"فقه الحرية" وغيرها من تبويبات تأخرت في تأصيلات الفقهاء المعاصرين، ونقصد هنا الفقه بالمعنى الفني الحكمي أو الكلي الحضاري السنني.
فقه الاحتجاج.. المصطلح.. والمناط
* ما الطريق من وجهة نظرك لتطوير آليات اجتهادية تنظم حركة الفرد والجماعة حين الغضب؟؟ وهل ترحب مبدئيا في التوسع باستنبات ملحقات جديدة بمفردة الفقه تستفيد من جذرها اللغوي، وربما لا يجري عليها سياقات الأحكام الشرعية مباشرة، وتخرج عن منطوقات الفقه المعروفة إلى توظيفات حضارية اجتماعية وسياسية.. مثلا فقيه كالدكتور كمال إمام يتحفظ على مقولة "فقه الاحتجاج" وأنه يكفي الغاضبين مستخرجات الفقه الإسلامي المعروفة.. سؤالنا يبدو محاولة لتأصيل قضيتنا؟؟
- أريد في البداية أن أؤكد على أن استخدام كلمة فقه في كثير من الأمور ليس على اعتبار أنها تدخل ضمن ما يسمى بالفقه الحكمي أو الفقه الجزئي، ولكنه يتعلق بالفقه بالمعنى الواسع، الأمر يتعلق إذن في تلك المحاولات بالفقه كحالة حضارية متمددة، فاهمة لعميق حياة الناس ومعاشهم وأحوالهم، بل من الواجب ألا نغفل تلك المحاولات من الفقه، باعتبارها ذات أهمية، حيث نتحدث عن فقه بالمعنى العمراني التربوي، وبهذا الاعتبار، وذلك النظر فإن هذه المسائل التي تتعلق بالفقه الذي يتعلق بالأقليات، وبالفقه الذي يتعلق بالاحتجاج، وبالفقه الذي يتعلق بالمقاومة، وأمور كثيرة يمكن أن تسبقها كلمة فقه تأخذ الفقه بالمعنى العام اللغوي المتعمق، وليس بالفكر السطحي الاختزالي وفق عمليات منهجية ذات فكر تجديدي حضاري تنظيري قادر على مواجهة إشكاليات وتحديات الأمة مع مستجداتها المختلفة.
* لكن كيف ترى المعالجات الإفتائية السيارة المتماسة مع الغضب على صعيد تضارب الأدلة، ومناهج الاستدلال، وتحرير المسائل.. مثلا المظاهرات حرام أم حلال؟؟
- كنت قد تحدثت فيما قبل عن مسألة تتعلق لدينا بنزعة أسميتها "فتونة القضايا"، وهي مسألة شديدة الخطورة، فحينما نريد أن نجعل من كل قضية محلا لفتوى ونزاع وتضارب، لا شك سنكون بصدد خطر عظيم، وفي هذا بيان كاف لسؤالك.
لكن في محاولاتنا داخل الفقه الحضاري الأمر مختلف؛ لأننا نعالج القضايا بالاعتبار الذي يؤكد أنها ذات معنى تربوي وعمراني يحفز الحياة ويؤسس لها، وينطلق إلى نهضة الأمة في كل شكل من الأشكال، ومن ثم تحدثنا عن كل ذلك تحت عنوان أساسي، وهو الذي يتعلق بأصول الفقه الحضاري، وهذا الأصل يسير على قدمين:
قدم العمران والتنمية، وقدم التربية والتزكية، وإذا لم نحاول تطوير هذا النمط من التفكير والتنظير فسنظل ننطلق ونقتصر في تلك المسائل على ما يسمى بالحكم الفقهي الجزئي، وهو على جلال قدره، وأنا لا أقلل من قيمة الفقه الجزئي -افعل ولا تفعل- لكنني أحاول أن أميز بين افعل ولا تفعل في الأمور الجزئية، وبين افعل ولا تفعل في الأمور الكلية.
فنحن داخل الأمور الكلية نتطلب نوعا من الفقه.. مثل فقه المعاش وفقه العمران، والذي ينقسم لأشياء كثيرة، فكل ما يشكل تحديا لهذه الأمة يتطلب فقها جديدا، هذا هو ما أردت أن أقوله.
أما تحويل الفقه الاحتجاجي إلى فتوى هذا حلال وهذا حرام، تبسيط مخل؛ لأن المشكل حضاري والأمر ليس في الحل والحرمة فقط، الفكرة هنا في قدرة تربية الأجيال الآتية على أن تقدم فكرا وفقها ووعيا وسعيا تستطيع أن تحدث به نهضة للأمة وإحياء، فنحن في فقهنا الحضاري لا نبين حكما، بل نرسي عمرانا، خذ مثلا أناس أجهدت نفسها هل المظاهرات شرعية أو غير شرعية؟ الإضراب حلال أم حرام؟
في حين أن كل شيء يعبر عن مواجهة ظلم بعينه يعد أصلا شرعيا موجها وهاديا، وبالتالي الفقه الاحتجاجي هو فقه كلي من العناصر المهمة المشكلة لرقابة الأمة على السلطة والسلطان أيا كانت هذه السلطة أو هذا السلطان، سواء اتخذ ذلك شكلا يتعلق بالإضراب أو اتخذ شكلا يتعلق بالتظاهر، أو أي شكل يعبر عن معاني الاحتجاج والمقاومة، ويتعدى الطرفين المفتي والمستفتي.. مفت يفتي للاعتبار الذي يؤكد أن كل شيء من تحت يده، وهذا ليس صحيحا، وأيضا المستفتي عندما يريد أن يعلق في رقبة المفتي أي شيء حتى يأخذ البراءة التي تتعلق بفعله وسلوكه، وهذه مسائل شديدة الخطورة في مجتمعنا.
قوس الأزمات وفتاوى الأمة
* وكيف ترى الفتاوى السياسية؟؟
- تحدثنا في مقام آخر عن مسألة فتاوى الأمة، والتي لابد أن تصدر عن الأمة، وهي فتاوى تصدر عن الأمة في القضايا التأسيسية والأساسية من الأحداث التي تطرأ عليها، وتفرض نفسها عليها مثل الحروب على ساحة الأمة الإسلامية.. داخل ما أسميه قوس الأزمات، حيث صارت الأمة موضوعا لعملية "التأزيم" من خلال سياسات دولية معينة تحاول أن تغطي كل حركتها بغطاء سياسي، وبغطاء المصالح التي تتعلق بها وبالإستراتيجيات الكونية التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية.
وكل هذه الأمور لا تستوعب من خلال رؤية بسيطة، بل من خلال فقه كلي وفتاوى أمة تستطيع المقاربة، والتسديد في تلك المسائل من خلال إطار نظري مفسر وكاشف.
* هل فقه الاحتجاج من مسائل الفتوى السياسية؟
- فقه الاحتجاج يمكن أن يكون من هذه المسائل، ولكن كفقه كلي كما قلت، ولكن السؤال: كيف يمكن أن نعدد الآليات المختلفة التي تتعلق بفقه الاحتجاج، ونبتكر آليات جديدة في الاحتجاج؟ وأيضا كيف نسكن ذلك في إطار نهضة الأمة، وممارسة مراقبتها ورقابتها على السلطان؟
وكما أسلفت فإن هذه المسائل تنتقل من الإطار الحكمي إلى الإطار الكلي، وهذا ما قاله ابن القيم عندما قال: الفقه فقهان: فقه في الحوادث الكلية، وفقه في تصفح أحوال الواقع وجزئياته.
* وهذا ما أسميته في مشروعك بالفقه الحضاري؟
- نعم، وطريقنا في ذلك أن نأخذ ما يسمى بمسألة العمران كمسألة كلية حاكمة، والعمران يرتبط بنهضة الأمة، ولا يرتبط فقط بفعل جزئي، أو سلوكي مثل حكم شرب الخمر، أو مما يقع تحت الأحكام الفقهية، لكن الأمر أبعد من ذلك، نحن نتحدث عن الذي يرتبط بالفعل الحضاري الممتد الذي يرتبط بأحكام كلية، ويتعلق بالسنن التي يمكن أن تؤسس لنهضة هذه الأمة وعلى نحو يجعل هؤلاء الناس يتمتعون بقدر من الجامعية والفاعلية.
* حديثنا عن الاحتجاج في الفكر السياسي الإسلامي ربما يجعلنا نقترب من حروب الردة وموقف الصديق رضي الله عنه.. كيف ترصد سلوك الفعل والفعل المضاد؟ وهل تعتقد أن هذه المعاني التي تتحدث عن الفقه الكلي كانت واضحة في ذهن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو يقف أمام المرتدين؟
- طبعا كان واضحا في فقه أبي بكر، وكان يتحدث عن الردة كفقه كلي، وعندما واجه هذا التحدي واجهه مواجهة كلية، من ضمنها أنه استطاع أن يرسل 11 جيشا لأماكن مختلفة من أطراف الأمة في المحاولة للقضاء على الفتنة في مهدها.
والردة كانت قد ظهرت في عهد النبي في أواخر حياته وسلوك سيدنا أبي بكر هو فقه حضاري كلي، سكن الجزئي في الكلي، وحقق الكلي فيه المعنى الجزئي.. انجاز متبادل.
وأيضا عام الرمادة في العهد والفقه العمري نلاحظ أن النزعة الكلية تجلت في قيمة مركزية مقاصدية هي العدل في توزيع الغنائم، في إطار إدارة الأزمة أيضا، هذا فقه حضاري، حيث استطاع سيدنا عمر أن يقدم نموذجا فقهيا حضاريا كليا يستطيع أن يتعامل مع مسألة خطيرة على الأمة في هذا المقام.
ردة حضارية أم عقدية
* لكن الصديق أنشأ موقفه بناء على تكييف حكمي شرعي "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة"؟
- الصلاة والزكاة اتخذهما الصديق رمزا للمجتمع المسلم، وحينما قاتل تعامل مع هذين الرمزين بحسبانهما من محددات التعريف بالجماعة، ومن مقومات أمن قوم الجماعة ككل، وخطورة عملية الردة هي جماعيتها وتأولها الديني لموقفها، وذلك الذي حتم حال المواجهة بين سيدنا أبي بكر وبين المرتدين الذي يريدون أن يقوضوا أسس الدولة الإسلامية، بل يمكن أن نقول إننا نرى في هذا النموذج من المواجهة دليلا كاشفا على قدرة سيدنا أبي بكر، الذي استطاع أن يستأنف عملا مهما في تأسيس الدولة الإسلامية في فترته الأولى، حينما استطاع مواجهة الردة التي شكلت تحديا في المجتمع، مستندا في ذلك على فقه حكمي؛ لكنه مسكن في فقه حضاري يؤكد على أن أمن الجماعة هو أمن يجب أن يستتب، وأن من يفرق بين الزكاة والصلاة إنما يقوم بضرب الرموز الأساسية التكوينية للأمة وإرصادا وضرارا وتفريقا بين المؤمنين.
ومن هنا قيام سيدنا أبي بكر بمواجهة هذه الفتنة الجماعية على نحو جماعي يؤكد على هذا المعنى الذي تعلق بالمواجهة الكلية الشاملة، كما أنه من المهم، ونحن نتكلم عن أصول الفقه الحضاري ألا نهمل الفقه الجزئي، ولكنه نسكنه في إطاره الكلي بما يشكل قواعد النظام العامة الشريعة الكلية، وتطبيقاتها في حياة الناس.
* هذا عن الصديق وقتال المرتدين فماذا عن باقي الاحتجاجات والثورات من الإمام الحسين إلى الفقهاء المسلحين بدءا من ابن الأشعث حتى العصر الحديث؟
- هذه المسائل نريد فيها أن نفرق بين القفه الاحتجاجي الذي يشكل عناصر تتعلق بالأمة، والاتجاهات التي تتعلق بالفرقة بين عناصر الأمة بشكل من الأشكال، ومن ثم نستطيع أن نقول إن ما أسماه الدكتور طه حسين بالفتنة الكبرى شكل على صعيد المفهوم إطارا للفقه الحضاري، فهناك فتنة وهناك احتجاج، وقد حدثت في مجتمع المسلمين فتنة كبرى شارك فيها عد من الصحابة، كانت تتطلب موقفا حضاريا كليا يضمن أمن الأمة، ويحافظ على بنائها الأساسي، والمعالجة يجب أن تقوم على إعمال السنن وفق إطار منهاجي يقوم على قاعدة أنه ليس لنا أن نضيع الفكرة في سبيل الأشخاص، وعلينا أن نؤكد على معنى الحق، فنحن ندور مع الحق أينما دار، ومع السنن أينما فعلت، وأينما كانت حاكمة في الأحداث الكلية، وكانت فاعلة.
في هذه الأحداث أتصور أن الفترة الأولى التي تتعلق بصدر الإسلام، وانتهت بفتنة هي نموذج بياني شارح و"كتالوج" لفترة تأسيسية وإرشادية حتى بنماذج أزماتها، فوجود هذه الأزمة التي تتعلق بالفتنة هو شأنه شأن الكتالوج الذي يأتي في النهاية ليتحدث عن التحذيرات والإشارات المختلفة، التي تضمن أن يقوم الجهاز بكل عناصر تشغيله وفاعليته، فالنموذج الراشدي ملهم وحاكم في نهضاته وأزماته، والمهم اكتشاف السنن الكلية خلال تأملاتنا والاستفادة منها.
* ما الفرق بين خطاب الفتنة وخطاب الاحتجاج في الثقافة الإسلامية؟؟
- الخطاب الاحتجاجي يقوم على فكرة الحكم الظالم، وله أسباب كثيرة، ويحاول أن يحفز الجماهير، ويؤكد ويستحضر وعيها وسعيها بالنسبة لمواجهة عناصر الاستبداد داخل الأمة؛ لأن الاستبداد يخرب الأمة ويخرب أمراءها.
ولكن العناصر التي تتعلق بالفتنة هي نوع من التفتيت والتشرذم والتجزؤ داخل الأمة في إطار مصالح آنية وأنانية، حالة فتنة هي مضادة لتماسك الأمة، والأمر الذي يتعلق بالاحتجاج أمر آخر يختلف عن ذلك، والاحتجاج يحفز معنى جامعية الأمة في هذا المقام، ومعنى عمرانها.
فخامة رئيس الجمهورية المقتدر بالله
* هل استوعب الفقيه الإسلامي الحكمي في مسائل السياسة ما دخل فيه المسلمون مع تأسيس الدولة القومية الحديثة المعاصرة بإشكالاتها وتساؤلاتها حول موقع الفكر السياسي القديم منها وأشكال تعاقدها السياسية والقانونية الحديثة، وما يقتضيه ذلك من تنظيم الحريات، وتعبيرات الرأي العام؟؟
- وضعت يدك على النقطة الجوهرية، وهو أن الفقيه حينما أراد التحدث عن معنى الدولة تحدث عن معاني معينة تتعلق بالدولة على النموذج القديم، ولم يأخذ عناصر القسمة الجديدة التي حدثت في الدنيا؛ حيث إن الدول الحديثة صارت دولا قومية شئنا أم أبينا، ونحن في عموم المسلمين أصبحنا دولا قومية.
عالم المسلمين صار له وضع قانوني، ووضع واقعي، ولابد أن نتعامل مع هذه القسمة الجديدة للدولة الإسلامية، فمثلا مفهوم ولي الأمر في الدولة الحديثة مختلف عما ورثناه من الفكر القديم، ولكن تظل هذه الأمور غائبة عن الوعي والسعي في عالم المسلمين.. علينا أن نتعامل مع فكرة الدولة القومية وإمكانية أن نحقق من خلالها عناصر الجامعية في الأمة الإسلامية.
* اللافت أن الفقهاء في الدولة القومية أورثوا الحاكم كل مزايا الإمامة السلطوية دون أن يمنحهم عدل ورفاهة الإمامة القديمة..
- تلك هي القضية المحورية التي نتحدث عنها، حيث نجح أمثال هؤلاء أن يستهلكوا من التراث ما يستطيعون من خلاله أن يقيموا ويسوغوا عناصر الاستبداد من مثل: السلطان الغشوم خير من فتنة تدوم، أو من اشتدت وطأته وجبت طاعته، الأمر ليس على هذا النحو، هناك عناصر مهمة تتعلق بمفهوم الدولة المعاصرة الذي أصبح يتعلق بمعان مثل: الشرعية، والمشاركة، وتداول السلطة، ليس معنى ذلك أن هذه الأمور لم تكن موجودة، كانت موجودة تحت مسميات أخرى.
* الاتصال بين الفقه الحضاري والفقه الحكمي في مسائل الاحتجاج كيف يحققان بعضهما بعضا؟ وكيف يتواصل الفقهاء الحضاريون مع الفقهاء الحكميين؟؟
- المسألة بسيطة هو التفكير المقاصدي، المدخل المقاصدي يوفر المظلة الكلية لهذا الفقه الحضاري وأصول الفقه الحضاري والعمراني؛ لأن هذا الفقه المقاصدي ارتبط بعشرة مسائل، أنا لست في سعة للحديث عنها تفصيلا، لكن على الأقل هناك مجالات للفعل الحضاري، ومجالات تتعلق بالخماسية التي هي موجودة في المقاصد من: دين ونفس وعقل ونسل ومال، وهناك أولويات، ثم هناك واقع يجب أن نرفعه، وواقع جزئي نتعرف عليه، وحكم جزئي يتعلق بهذا الأمر، وأشياء كثيرة، واعتبار المال والآليات والوسائل كل هذه الأمور يجب أن تفكر في الفعل الحضاري، وتسكين للفقه الحكمي الجزئي في إطار صورة كلية، لكن علينا في نفس الوقت تطوير مناهج الاستدلال والاستنباط.
القضية كما أسلفت ليست افعل ولا تفعل فحسب، القضية افعل ولا تفعل تأثيرا ووعيا وسعيا، لابد أن تضمن العناصر والشروط التي تحقق هذا التأثير وتلك الفاعلية.. هذه واحدة.
الأمر الثاني الذي يتعلق بالآليات ليس هناك مقاصد إلا باعتبار أنها ترتبط بآليات ووسائل ومقدمات الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كل هذه العناصر الكلية إنما تؤكد أن المقاصد لا الوسائل تشكل عنصرا مهما في التفكير في الفعل الحضاري.
الأمر الثالث قدرة تسكين الفقه الجزئي، والخطط الجزئية في المسائل الإستراتيجية.كل هذه الأمور نستطيع من خلالها أن نبني فقها حضاريا يتعلق بالاحتجاج والمقاومة والاستبداد، ويتعلق بكل أنواع الفقه التي تحدث عناصر العمران، وعناصر التنمية.
وللمنكر السياسي فقه
* وكيف ترى أزمة الفقيه حاليا حيال تلك القضايا؟؟
- لا أسميها أزمة، ولكن ورطة الفقيه، والمسئول عن الأزمة الحالية في موضوع التضارب في الفتاوى عناصر كثيرة ليس الفقيه وحده، ولكن أقول إنها ورطة باعتبار التطور الحادث داخل المجتمعات، وعدم قدرة الناس الذين يتعاملون مع هذا في إطار تكييف السؤال والحالة.
المسألة تتعلق بما أسميه بعد ذلك بفقه الواقع، وما تعلق به من فقه البدائل، وفقه التزاحم، وفقه الأولويات، كل هذه الأمور أنماط من الفقه غاية في الأهمية ترتبط بأصول الفقه الحضاري.
* وموقع التراث داخل هذه الورطة؟؟
- موضع التجديد يقوم على قاعدة أنه يجب ألا نرى هذا التراث جزئيات وفرعيات، ولكن لابد أن نربط كل حكم بسياقاته وبيئته، ومن ذلك كان الفصل النفيس الذي عقده الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين عندما تحدث عن تغير الفتوى بتغير الأماكن والأحوال، هذا التغير لابد أن يلحظه القائم على هذه المسألة، والقائم على التفكير في البناء الحضاري والعمراني.
* لماذا اقتصر فقه الأمر بالمعروف والنهي عن النكر على جزئيات السلوكيات الفردية، دون المنكرات الجماعية أو المنكر والمعروف السياسي؟؟
- كنت قد كتبت في رسالة الدكتوراه أن فكرة الأمر بالمعروف تستوعب عناصر المشاركة السياسية وغير السياسية في المجتمع المسلم؛ لأنه يقوم على أساس قاعدتين أساسيتين: المعروف المأمور به، والمنكر المنهي عنه، ومن ثم سنجد أن كل العناصر التي تتعلق بالفعل البشري، وسلوك البشر تتراوح بين هذين الأمرين، بين أمر ونهي، ومن خلالهما يستطيع أن يشارك الفقيه في مجتمعه، ويحفز كل العناصر، هنا وجب علينا أن نربط كل الأفكار الأساسية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاجتهاد الجماعي، وإحياء آلية سؤال أهل الذكر، وكل هذه المسائل عناصر غاية في الأهمية في البناء الحضاري.
ويوسع هذه الدوائر السلوكيات، ليست فقط ما يتعلق بالسلوكيات الجزئية التعبدية، والجزئيات التي تتعلق بالشعائر من أمور، لكن لابد أن ينطلق عن مسائل التعامل والتفاعل، والعلاقات والمؤسسات والسياسات.
|