|
| المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي |
لا يكاد يوجد في الوقت الحاضر سؤال يطرح نفسه في الساحة السياسية الدولية والإقليمية وعلى المستوى الشعبي مثل السؤال عن اللغز الإيراني، وهو شديد التعقيد، مما يجعل محاولة الإجابة عنه شديدة التعقيد أيضا، وتحتاج إلى المنهجية والدقة.
فمن الغريب والخطير أحيانا أن تحاول بعض المقولات تبسيط القضية وحصرها تحت عنوان طائفي أو تآمري، أو تحت عنوان إسلامي أو قومي، فتذهب في ذلك مذاهب بعيدة، ما بين إدانة مطلقة وتبرئة مطلقة، ثم تعمد إلى الشطط في تأويل كل ما يتناقض مع الإدانة، أو الشطط في تأويل كل ما يتناقض مع التبرئة، على حسب موقف من يحاول الإجابة.
لم يعد هذا الأسلوب مقتصرا على المسئولين السياسيين، وليس فيمن ينتقد السياسة الإيرانية من لا يلتقي مع الساسة الإيرانيين أحيانا، إنما انتشر هذا الأسلوب انتشارا أكبر على صعيد الأقلام الإعلامية، وعلاوة على ذلك أصبح موضوع إيران وما يتصل بها، بأسلوب مشابه، هو الموضوع رقم واحد في التعليقات والاجتهادات والحوارات والعصبيات والاختلافات في المنتديات الشبكية، وعلى هامش الموضوعات الإعلامية، أي تلك إذن ظاهرة رسمية وإعلامية وشعبية في وقت واحد.
وبين مفاوضات سورية - إسرائيلية بوساطة تركية، وتهدئة حماس بتوسط مصري، وعراق يناور واحتلال يؤبد، وأفغانستان تقاوم وباكستان تساوم.. بين هذه الأحداث شرق إيران وغربها، أسئلة عديدة حول معالم السياسة الإيرانية، منها: هل عادت إيران في عهد أحمدي نجاد إلى ما بدأت به تحت شعار تصدير الثورة، كما يتحدث إعلاميون يعبرون عن الاتجاهات الرسمية في بلادهم؟ هل تعمل على نشر التشيع وتغيير الموازين العددية بين السنة والشيعة، كما بدأت التقارير تحذر، وأقوال بعض العلماء تحرض؟ هل أصبحت إيران حقا هي الحصن الباقي الأخطر على المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة، كما تقول إيران ويقول الغرب، أم أن إيران تريد السيطرة إقليميا ما بين وسط آسيا ومضيق هرمز، على المنطقة العربية والإسلامية؟
عودة إلى البدهيات
لا بد من مقدمة قبل الخوض في الموضوع.. البدهية الأساسية الواجب تثبيتها، سيان هل يستخدم الكاتب وصف "الجمهورية الإسلامية"، كما يحب المسئولون الإيرانيون، أو يتجنبه ويكتفي بكلمة إيران، هي أن الكلام عن إيران هو من حيث الواقع كلام عن "نظام حاكم" كسواه، هو كنظام الحكم في السعودية مثلا، وهنا أيضا سيان في ذلك من يرى الحكم القائم فيها إسلاميا، أو من يقول إنه نظام لا ينطلق من الإسلام في كثير من سياساته وممارساته.
شبيه ذلك يسري على معظم الأنظمة الأخرى أو جميعها، والشاهد في كلمة "نظام حاكم" أنه لا يوجد في إيران ولا سواها ملائكة يحكمون، ولا شياطين، بل هم بشر، وكل ما يصنعون فيه الصواب والخطأ، والجيد والسيئ، فيمكن رفض بعضه وتأييد بعضه، وإن من يؤيد أو يرفض يمكن أيضا أن يخطئ ويصيب.
هذا في الأصل أمر بدهي بسيط مفهوم من نفسه، ورغم ذلك يغيب الأخذ به في كثير من الكتابات والأقوال، ليس في الحديث عن اللغز الإيراني فقط.
إن التأكيد على كلمة "نظام حكم" هنا مقصود لتجريد الموضوع من المؤثرات التي باتت ترتبط باسم إيران، واسم جمهورية إسلامية، ناهيك عن المؤثرات المرتبطة بتسميات أخرى من قبيل دولة الفرس والدولة الشيعية وحتى الدولة الصفوية.
يسري على نظام الحكم في إيران ما يسري على سواه، فلا يمكن تمييزه عن سواه؛ لأنه يعتبر نفسه "حكما إسلاميا"، ولا يمكن التحامل عليه؛ لأن خصومه من منطلق إسلامي يعتبرونه شيعيا أو رافضيا أو صفويا، أو سوى ذلك من النعوت.
ونظام الحكم في إيران يمارس سياساته كأي نظام حكم آخر، من منطلق ما يراه أو يتصوره من ضرورات ومصالح، ويمكن أن يتعارض في ذلك مع ما تراه أنظمة أخرى من مصالح وضرورات وتمارسه من سياسات.
سيان كم يبلغ حجم الاختلافات يبقى الأصل هو النظرة المنهجية للسلبيات والإيجابيات، وللمقبول والمرفوض، من السياسات النظرية والممارسات العملية، للوصول في الحصيلة إلى نتيجة موضوعية.
وعندما ننطلق في ذلك من معايير ومقاييس إسلامية نراها، يمكن الوصول إلى نتيجة تقول إن من سياسات نظام الحكم في إيران وممارساته ما يخدم المصلحة الإسلامية العليا -وفق رؤيتنا لها- فنؤيده وندعو إلى الالتزام به وتنميته، وما لا يخدمها فندينه ونرفضه ونطالب بالتخلي عنه.
وبهذا المنظور أيضا يتوافق بعض تلك السياسات والممارسات الإيرانية مع مصالح الدول والشعوب الإسلامية الأخرى، ولا يتوافق بعضها الآخر.. وهذا ما ينبغي صنعه مع أي نظام آخر في الأقطار العربية والإسلامية، دون أن يعتبر المتكلم كلامه قاطعا غير قابل للخطأ أيضا.
وفي جميع الأحوال يفترض أن جميع السياسات والممارسات الإيرانية تخدم ما يراه نظام حكم إيران في مصلحة إيران وشعبها، أو ما يتصوره كذلك، وهذا شأن الأنظمة الأخرى، وهذا هو الوضع الطبيعي، لا يلام عليه نظام الحكم في إيران، ولا سواه في سواها، وإن كان من الأنظمة المعاصرة ما يضرب مصلحة بلده بصورة علنية ومباشرة، وليس هذا موضوع الحديث.
إيران والغرب
سيان أين تمضي التكهنات والتأويلات إزاء العلاقات الإيرانية الغربية، وبالذات الإيرانية الأمريكية، في اتجاه سلبي أم إيجابي، يبقى ثابتا أنها علاقات عدائية، ولا تخلو من المصالح، منذ ثورة إيران حتى اليوم.
قد يتفاوت مستوى العداء ويتفاوت حجم المصالح، بين قضية وأخرى، ومرحلة ومرحلة، ودولة ودولة، ولكن يبقى في الحصيلة أن جميع الدول الغربية، ومن وراء مختلف القضايا والمصالح، تتلاقى تجاه إيران (وبلدان أخرى أيضا) على خطوط حمراء لم تتبدل، ولا ينتظر أن تتبدل في المستقبل المنظور.
مثال الطاقة النووية واضح للعيان، سواء أكانت من أجل التطور العلمي والتقني والاقتصادي فقط، أم شملت نطاق التسلح، وامتلاك السلاح المتطور، وليس السلاح النووي فقط، وهو مثال واضح للعيان، ولا تقتصر الخطوط الحمراء بشأنه على إيران فقط.
المسألة هنا ليست مسألة سياسة إيران، فاحتكار السلاح المتطور بما فيه النووي، واحتكار أحدث التقنيات، مسألة لها أسبابها الكامنة في الطابع العنصري والمركزي للفكر الغربي والحضارة المادية، ومن هنا التأكيد أن الدول الغربية جميعا لا تريد أن تتجاوز إيران (ولا سواها) تلك الخطوط الحمراء الموضوعة من منظور غربي محض، فإن تجاوزتها دولة من الدول، مثل إيران، لا قيمة لقول من يقول - والغريب أنه يوجد من يقول ذلك فعلا - إن هذا نتيجة مؤامرة غربية - إيرانية ليكون لإيران دور السيطرة إقليميا.
إن ما يجري في إيران تسلحا رغم الغرب يجري في دول إقليمية أخرى بدعم غربي علني مباشر، فما الذي يحول التسلح المشروع هنا وهناك إلى "وسيلة للهيمنة الإقليمية" بصورة انتقائية؟! وما هي الشروط المنهجية الموضوعية لتوظيف التسلح ليكون وسيلة دفاعية عن الأقطار الإقليمية المعنية جميعا؟!
الأمر بالنسبة إلى إيران وسواها في تجاوز الخطوط الحمراء الغربية هو أمر التعامل مع السياسات والظروف والمصالح، وقد وظفها نظام الحكم في إيران، ولا يزال يوظفها، كما في مسألة الطاقة النووية، وصناعة السلاح، والمفروض بكل دولة عربية وإسلامية أن تعمل على توظيف السياسات والمصالح؛ كي لا تبقى أسيرة خطوط حمراء غربية، فمثل هذه الخطوط لا تنطلق إلا من مصلحة هيمنة غربية محضة، وهي الحاضنة حتما لكل ما يفهم تحت عنوان "صهيوأمريكي".
بعيدا عن التأويلات يجب تثبيت رؤية العداء الإيراني - الغربي كواقع قائم، كما هو، بغض النظر عن تقويمه، واختيار السبيل الأفضل للتعامل معه.
وليس نظام الحكم الإيراني أول نظام حكم إقليمي يتجاوز تلك الخطوط الحمراء، فقد سبق أن صنع ذلك مثلا نظام الحكم العراقي في الحقبة الأخيرة من عهد صدام حسين، إنما يزعم كاتب هذه السطور أنه لم يحسن توظيف السياسات والظروف والمصالح على النحو الذي يمكنه من الاستمرارية، ومن ذلك مثلا العلاقة بين الحاكم والمحكوم داخل العراق، بينما أحسن ذلك - حتى الآن - نظام الحكم القائم في إيران، مع بقاء علاقة الحاكم بالمحكوم في حاجة إلى النظر بصورة مستقلة.
البحث عن حلفاء
المواجهة الإيرانية - الغربية، سواء وصلت إلى درجة صدام عسكري أم لم تصل، هي المحور الأول في تثبيت معالم السياسات الإيرانية، محليا وإقليميا ودوليا، وفي مثل هذه المواجهة يبحث أي نظام كنظام الحكم في إيران عن حلفاء، صغار وكبار.
لم تكن العلاقة دوما علاقة ود وتعاون مع موسكو وبكين مثلا، بل كان من بين ميادين التوتر الشديد التحرك الإيراني وسط آسيا، حتى كان يقال في حينه إن تركيا وإيران تتنافسان على السيطرة الإقليمية هناك، ولكن المصالح الروسية والصينية في اللعبة الدولية الجارية، والمصالح الإيرانية في المواجهة مع الغرب، مكنت من إيجاد أرضية مصلحية جديدة، تراجعت إيران في إطارها عن "تصدير الثورة" في أواسط آسيا، بينما تسعى موسكو وبكين لتثبيت ركائز لخارطة دولية قادمة جديدة، لا ترسم ألوانها زعامة انفرادية أمريكية، وفي هذا الإطار لا تسقط الخطوط الحمراء الروسية والصينية تجاه إيران وسواها، ومنها ألا تؤدي العلاقات الثنائية إلى فساد العلاقات مع الغرب فسادا مطلقا، وهذا ما ينعكس في تأرجح مواقف البلدين فيما يسمى الملف النووي الإيراني.
إيران تبحث إقليميا عن الحلفاء أيضا، والقاعدة الأساسية لا تتبدل، فحيثما تتلاقى المصالح يمكن أن توجد أرضية مشتركة لنوع ما من التحالف، دون أن تختفي الخطوط الحمراء على مستوى السياسات القطرية، وهذا مما تحقق في العلاقات الإيرانية السورية، وعندما يتحرك نظام الحكم في سوريا في الوقت الحاضر على محور "المفاوضات مع الطرف الإسرائيلي" رغم الموقف المعارض من جانب نظام الحكم في إيران، فمن الشطط في التأويل توقع تمزيق أوراق التحالف جميعا، ومن الشطط في التأويل أيضا تصوير التحرك السوري مدعوما بتأييد إيراني خفي.
وعندما تجاوزت إيران - نسبيا فقط - المرحلة الثورية الأولى بشأن تصدير الثورة، وتجاوزت ما صنعته الحرب الإيرانية - العراقية على مدى ثماني سنوات، سنحت الفرصة أكثر من مرة، لاسيما في عهد رافسنجاني وخاتمي، من أجل بناء علاقات تحالف إقليمية ما، ولو على مستوى تفاهم وتعاون جزئي، فلا يقتصر الأمر على سوريا، وأول ما تطلعت إليه إيران بهذا الصدد هو التلاقي مع مصر بسبب دورها الإقليمي المؤثر، رغم الخلاف العميق بين الطرفين بشأن العلاقات مع العدو الصهيوأمريكي، وكذلك التلاقي مع دول الخليج العربية وفي مقدمتها السعودية، رغم ما يكاد يصبح بمنزلة التوتر التقليدي بسبب الوجود العسكري، وغير العسكري الأمريكي في المنطقة.
لم يتحقق تقارب فعال حتى الآن، بل أصبح من المخاوف الإقليمية عموما، أن تتحول العلاقات الأقرب للقطيعة إلى علاقات عداء، لاسيما إذا تحولت العلاقات الإيرانية - الغربية إلى مستوى المواجهة والتصعيد.
خطر الفتنة الطائفية
المحور الثالث للتحرك الإيراني هو العلاقات مع الشيعة في البلدان الإسلامية الأخرى، وينطوي هذا التحرك على خطر كبير، فمهما كانت المصلحة السياسية من ورائه، يمكن عمدا أو دون عمد أن يسبب فتنا طائفية.
صحيح أن إيران تمارس علاقات تعاون مع منظمات مثل حماس، وليس فقط مع منظمات شيعية مثل "حزب الله"، وهو ما يشير إلى عامل المصلحة من جهة، ومفعول المحور الأساسي في السياسات الإيرانية، أي العلاقات العدائية مع الغرب وربيبته الإسرائيلية من جهة أخرى.. وصحيح أيضا أن كثيرا من الدول العربية والإسلامية الأخرى، ذات الغالبية السنية، تمارس علاقات تعاون ودعم مع منظمات "سنية"، ولا تمارس مثلها مع منظمات شيعية، ولكن هنا أيضا يسري ترجيح الاعتقاد بأن السبب مصلحي سياسي، وليس طائفيا.
ولكن تحول مثل هذه العلاقات من علاقات مصلحية في وقت ما إلى تحالفات طائفية في وقت ما لا يمكن استبعاده تماما، ويساهم في حدوثه - إضافة إلى النوايا والمقاصد عند المتحالفين - كيف يجري التعامل من الطرف الآخر معها، وهنا يمكن أن نرصد أكثر من عنصر يلعب دوره على ساحة الأحداث، ومن ذلك:
1- إن تهييج الفتنة الطائفية هدف غربي أو صهيوأمريكي، ويوجد ما يكفي من الدلائل على ذلك، لاسيما في الساحتين العراقية واللبنانية، ويراد من خلال كثرة الحديث عنه أن يصبح عنصرا بارزا في الساحة الإقليمية العربية والإسلامية عموما، فهو أحد الركائز الأساسية لنشر الفوضى الهدامة، وتجديد أسباب ديمومة الهيمنة الأجنبية.
ولا يمكن لهذا الهدف الغربي أن يتحقق دون أن توجد له معطيات على أرض الواقع الإقليمي، وهنا أحد مكامن الخطر في التركيز على علاقات شيعية - شيعية، أو سنية - سنية ابتداء، وتركيز ردود الأفعال تجاهها على منظور طائفي.
2- المعطيات التاريخية البعيدة، والقريبة أيضا، معطيات يمكن تحريكها بجهد محدود نسبيا، أو نتيجة أخطاء غير مقصودة، وعندها تنتشر الأرضية المناسبة لفتنة طائفية، وهذا ما لا تبرأ من المسئولية عنه الأنظمة الحاكمة عموما إلا القليل منها.
3- العنصر الأخطر هو التحرك الطائفي المحض، لاسيما على المستويات الشعبية، أي بعيدا عن العوامل السياسية والمصلحية الآنية، من ذلك الأنشطة الأشبه بالتبشير التنصيري، ومن ذلك التركيز في الكتابات والندوات وسواها على مقولات طائفية مثيرة لردود أفعال الطرف الآخر.
إن مواقف الشيعة من الصحابة معروفة، وتردادها من جانب أي طرف شيعي، بسبب وبدون سبب، على أرضية المواجهة الطائفية، وكذلك الاستشهاد من جانب أي طرف سني بما يوجد منها حاليا وفي بطون بعض الكتب القديمة، لإسقاطه على أوضاع بعينها.. هذا وذاك سلوك خطير ومرفوض، وبالمقابل توجد مواقف للسنة معروفة تجاه الشيعة: عقدية: كمسألة الإمام الغائب، وفقهية: كمسألة زواج المتعة، وعملية: في إطار ممارسات مرئية كما يجري في المناسبات التأبينية.. جميع ذلك معروف، ووجوده في الكتب على سبيل التعليم والتوعية أمر طبيعي، ولكن كثرة ترداده وتوظيفه على أرضية المواجهة الطائفية، ودون اتباع سبل منهجية، ولا من أجل دعم حوار هادف، ناهيك عن توظيف الكلام لحل خلافات وتجاوز اختلافات.. آنذاك يكتسب أيضا صفة الأسلوب الاستفزازي المرفوض.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|