|
| حياة حمدي |
لا يطمح من يدخل السباق أن يفوز وهو أعرج، ولا يقدر طائر أن يطير بجناحٍ واحد، ولا تستطيع أمة أن تقتحم الحياة برجالها فقط وقد عزلت النساء وحجبتهن عن تشكيل الحياة، ومن هذه الحياة نشاهد قصصا رائعة تجمع الأحبة فتربطهم بميثاق غليظ.. فلا نستغرب عندها أن تقف الزوجة إلى جوار زوجها في رحلة عطاء ترى في نجاحه إضافة إلى منظومة السعادة الأسرية التي جمعتهما.. ولا يدهشنا أن نجد رجالا تركوا بصمات لا تنمحي في قلوب زوجاتهم، وكانوا سببا رئيسيا في نجاحهن وتميزهن.
هذه القصص أو الحالات كثيرة، بدءا من سيدة نساء العالمين خديجة بنت خويلد وانتهاء بالكثيرات من بنات عصرنا، بعضهن يجدن الحصاد من أزواجهن وفاء وحرصا على إسعادهن، وأخريات تجدنه جحودا ونكرانا.
وبين هذا وذاك قلما نجد على الجانب الآخر أزواجا مقتنعين بوجوب مساندة زوجاتهم إذا ما كن من الموهوبات في علم أو عمل أو خدمة مجتمعية أو واجب فكري أو ثقافي، فضلا عن مساندتهن معنويا أو ماديا
ومن هؤلاء "عبد المعطي الديباوي" الزوج الذي آثرت زوجته عندما حاورناها أن يكون الحوار عنه لا عنها.
تزوجت "حياة حمدي" (76 عاما) في عام 1946 من زوجها الراحل عبد المعطي الديباوي مدير إحدى الشركات الصناعية المشهورة، وسكنت في حي المنيل الراقي في بيت دافئ شهد ولادة 6 من الأبناء الذكور، هم ثمرة هذا الزواج السعيد.
تترأس "الحاجة حياة" - كما يلقبها الكثيرون - جمعية "التنمية" لرعاية الباعة الجائلين بحي مصر القديمة حاليا، حياتها تمتلئ بنشاط وصخب لا يهدأ منذ عام 1946، فقد عملت بالتمريض في قسم الجراحة بالقصر العيني لمدة 20 عاما، وانخرطت في العمل السياسي كأمينة شياخة حي منيل غرب بالاتحاد الاشتراكي، ثم أمينة المرأة عن الدائرة 21 بالحي نفسه لمدة 5 دورات متتالية، تفرغت بعدها للعمل الخيري التطوعي متمثلا في جمعيتها، وخلال تلك الفترة كانت "أم مصر القديمة"، كما يناديها الناس هناك، كما كانت أما لستة من الأبناء وزوجة محبة لزوج كان هو "كلمة السر" لكل هذه النجاحات.
الغائب الحاضر
في شقتها بحي المنيل بالقاهرة والتي لا زالت تحتفظ بأناقة ورائحة الزمن الجميل التقيناها.. رحل الزوج عن دنياها ولكنه لم يرحل عن قلبها وكيانها.. عنه كان هذا الحديث الذي بدأته قائلة:
عاش زوجي رحمه الله عصر "سي السيد"، ورغم ذلك لم يتأثر به، فتربع على قلبي سيدا وحبيبا، أتعجب من شباب هذه الأيام الذي يتمنى أن يعيش حياة هذه الشخصية يمنع ويمنح ويتفضل.
وتتابع : لم أكن أعتبره زوجي فحسب، فقد كان لي الأب والأخ والابن.. كان رحمه الله يعمل مهندسا للبترول بإحدى الشركات المعروفة، وتدرج في منصبه حتى أصبح مديرا لها، وكنت وقتها أعمل بتمريض قسم الجراحة بقصر العيني، ومعروف أن عمل الممرضة مرهق، خاصة بهذا القسم، وكنا نأخذ شهرا "بدل سهر" نعمل أثناءه من التاسعة مساء حتى التاسعة صباحا، لم أذكر أنه تعارك معي يوما بسبب ذلك، وإنما كان مقدرا تماما لظروف عملي.
مكثنا هكذا سنوات أنجبنا خلالها الأبناء، كانت يده تسبق يدي في رعايتهم وخدمتهم، ولأنه كان ابن عمدة "إيتاي البارود" فقد كان يصر على إحضار شغالات لمعاونتي في أمور المنزل وخدمة الأولاد، خاصة بعدما كثر عددهم، وأذكر أن الشغالة كانت تتقاضى 150 قرشا، كان وقتها مبلغا كبيرا، ورغم ذلك كان لدى ثلاث شغالات.
إشراقة حب
وعن يومها مع الديباوي تقول: كان يومنا يبدأ مع صلاة الفجر وشروق الشمس، أجلس بعدها في انتظار الصحف، والشاي والبقسماط الذي يصر
(عبد المعطي) حبيبي على تجهيزه بيده كل صباح، حتى عندما كبر الأبناء لم يغير عادته تلك ولم يخجل من أولاده، كان دمث الخلق جدا وكان يتبع تقديمه للفطور والصحف بقوله: "عايزة أي حاجة يا ست الحبايب".
كنت أعتبر هذا السؤال دلعه اليومي لي، لكنه كان يزيد من جرعة الدلع ويتركني جالسة في الصالون ولا يحدثني إلا بعد فراغي من تصفح الصحف وقراءتها، وحتى الأولاد كان يوصيهم بأن يؤجلوا طلباتهم لحين انتهائي من القراءة.
بعدها أنهض لتهيئة الأولاد للنزول للمدرسة والخروج لعملي الذي كان يراه ميزة لا عيبا، فيرى أنه أكسبني الإتقان والتفاني والرحمة والنظام وفن التعامل مع الناس، وكان دائما يقول لي: "أنا بتشرف بك يا حياة وبجهادك".
هذا الفهم لديه كان يعطيني ثقة كبيرة تجعلني أتفانى أكثر وأكثر في العناية به وبأسرتي رغم ثقل أعبائي وكثرتها.. فلم تكن البيئة المجتمعية وقتها مواتية، وكان عمل المرأة في أية مهنة وفي العمل العام أفكارا لا تلقى قبولا بالمجتمع، فكان هو السند الوحيد تقريبا الذي يدعمني بالقول والفعل.
الجندي المجهول
لم يكن عبد المعطي رجلا كثير الكلام - والحديث ما زال لأم مصر القديمة - وإنما كان يعلم أولاده بالقدوة، لم يأمرهم يوما باحترامي، وإنما اللفتة الرقيقة التي كان يلتزمها كل صباح عند تصفحي للصحف مثلا علمتهم ذلك، فكانوا يحترمونه لاحترامه لي، ولا عجب فقد رأوه سباقا لترسيخ هذه القيم بالفعل قبل القول.
وتستكمل: في الستينيات ومع مجيء الاتحاد الاشتراكي بدأ إقبال النساء على الترشح لانتخابات المحليات، وشجعتني وقتها صديقتي كريمة النبراوي على خوض هذه التجربة، ولا أنسى ترحيب زوجي عندما عدت إليه في ذلك اليوم وبيدي استمارة الترشيح، شجعني وساعدني في كتابتها، ونجحت بعد ذلك وأصبحت عضوا بالاتحاد الاشتراكي عن دائرة المنيل، وأثناء حرب أكتوبر تطوعت في المستشفيات ضمن أمهات الأبطال، وهكذا استمر عملي كأمينة للمرأة حتى الثمانينيات، اجتماعات تبدأ في السادسة مساء وربما تنتهي في الحادية عشرة ليلا، فيأتي ليصحبني بسيارته للبيت وقد أصابني ما أصابني من تعب وإجهاد.
حتى الكلمات التي كنت ألقيها في المؤتمرات كان يساعدني في إعدادها، ثم يقوم بطبعها وتدريبي على إلقائها، وكان دائما يقول لي: "لا تتوتري يا حياة.. ألقي كلمتك بهدوء وخذي نفسا وثقي بنفسك"، لم يكن يفوته مؤتمر لي إلا ويحضره، بل على العكس كنت أحيانا أنوي الاعتذار عن مؤتمر أو اجتماع فيقول لي: "قومي قومي بلاش كسل، يلا قومي أوصلك"، وفعلا كان يوصلني ويجلس في الصف الأول لا يتكلم وإنما فقط ينظر إليّ مشجعا ومساندا.
ولأنني أصبت قدرا من الشهرة كان الناس يلتفون من حولي ويقدمون طلباتهم لي، فكان ينتظرني حتى أفرغ دون أن يتذمر أو يبدي اعتراضا.. لم يشعرني يوما أنه يغار من شهرتي أو نجاحي، بل أذكر أنه بعد عودتنا سويا من أحد المؤتمرات قال لي: "تعرفي يا حياة أنا كل لما بروح معاك مؤتمر بحس قد إيه ربنا بيحبك من خلال حب الناس لك، وبفرح إني اتجوزت واحدة ربنا بيحبها.. على فكرة أنا بحبك أوي".
رجل لا ينسى
ومع كلمات الحب تنسدل دمعتان من عيني "حياة" لتقول في وله: "يااااه فكرتيني يا ابنتي بأيام جميلة هي عمري الحقيقي، بعد وفاة زوجي تقدم لي الكثيرون لكن ردي عليهم لم يتغير: أنا لا أرى سوى رجل واحد دخل حياتي ولن يدخلها غيره".
وأضافت: "أريد أن أقول لكل أولادي من الرجال إن زوجا مثل (الديباوي) من المستحيل أن ينسى أو يموت عند زوجته أبدا، فالرجل الذي يقول لأولاده إن أمهم (امرأة عظيمة) هو في الحقيقة من أعظم الرجال في عين أسرته كلها".
لا زلت أذكر وقت نزولي الانتخابات لـ5 دورات متتالية أنه كان يحول البيت لورشة عمل في الدعاية والحركة بدون كلل، وكان يشرك أولادنا في توزيع الورق، ووقت انشغالي كان هو من يتابع مذاكرة الأولاد لحين عودتي، وقد تفوقوا جميعهم وتقلدوا الآن أرقي الوظائف والمناصب، وأذكر أنهم لما كانوا يعاتبونني على تأخير أو انشغال كان ينهرهم قائلا: "أمكم مش بتلعب.. أمكم ربنا اختصها علشان تقوم بدور مائة رجل".
كان رجلا هادئا وجميلا.. عشت معه في رضا وسعادة، وعندما كانت تنشر أخباري في أية جريدة يسارع لشرائها ويفاجئني بها، ثم يضعها في أرشيف خصصه لي ويقول: "حافظي عليها يا حياة علشان أولادنا لما يكبروا وأولاد أولادنا".. وتمضي برهة من الصمت أضافت بعدها: "فيه رجالة يا بنتي دلوقت كده؟".
وبتساؤل الحاجة حياة "أم مصر القديمة" انتهى الحوار معها عن الجندي المجهول الذي ساندها في مشوار حياتها وكان سر سعادتها وسببا رئيسيا في نجاحها.. ولم أجد إجابة مناسبة عن تساؤلها فآثرت أن أقول "لا تعليق".
صحفية مهتمة بالشأن الاجتماعي.
|