|
| غلاف كتاب تطور الفكر السياسي السني |
كتاب "تطور الفكر السياسي السني نحو خلافة ديمقراطية"-الصادر عن دار الإنتشار العربي - للمفكر العراقي أحمد الكاتب، من الكتب المهمة في فهم الفكر السياسي السني وتطوره، وهو يأتي ضمن سلسة دراسات عن الفكر السياسي الإسلامي بمدارسه المختلفة مثل الفكر السياسي الشيعي، والفكر السياسي الوهابي
ويشير الكاتب إلى حدوث تطور كبير -أيضا- في الفكر السياسي السني بعد قبول مفكريه بالنظام الديمقراطي، وتخليهم عن معظم فقرات الفكر السياسي السني القديم، الذي تشكل في أيام الخلافة العباسية، وامتد إلى أيام الخلافة العثمانية، خاصة بعد حصول الثورة العلمية النقدية ضد أصول المذهب السني القديم، كالأحاديث الضعيفة الدخيلة في "السنة"، وأصل الإجماع، اللذين أعطيا للخليفة سلطات مطلقة دفعته للظلم والاستبداد.
ويحاول الكاتب خلال أبواب كتابه الخمسة أن يصل بأسلوب سلس، وبطريقة منهجية إلى أن هناك
ما يشبه الاتفاق بين المسلمين جميعا سنة وشيعة حول فكر سياسي واحد هو الفكر الديمقراطي، وابتعادهم عن العوامل والنظريات والمذاهب التي كانت تفرق بينهم.
فالمذاهب والعقائد الطائفية -حسب رؤية الكاتب- كانت ولا تزال تشكل عائقا أمام التطور الديمقراطي في العالم الإسلامي -ولو بصورة محدودة- وذلك لأنها تقدم نفسها على أنها الإسلام، وترفض الانفتاح على أي فكر إنساني جديد بحجة التعارض مع الإسلام، بينما لا يوجد في الواقع أي تعارض بين الفكر الإنساني كالديمقراطية وبين الإسلام.
احترام دور الأمة
يعتمد الفكر السياسي السني في بناء نظرية الخلافة على تجربة الخلفاء الراشدين، التي يرى
البعض أنها تمثل نموذجا أعلى للحكم في الإسلام، ومصدرا من مصادر التشريع السياسي لا يجوز الابتداع فيه، وهو ما يدفع للتساؤل عن ماهية الخلافة، وهل هي تمثل حكما دينيا أم أنها من الأمور التي تركها الإسلام للمسلمين والعقل الإنساني كي يبدع فيها ما يشاء حسب الحاجة والظروف؟
يرى الكاتب أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام دولة الإسلام الأولى في المدينة على أساس احترام دور الأمة، فلم تكن البيعة التي أخذها الرسول على المسلمين تعني تفويضا مطلقا من المسلمين للنبي، أو خضوعا من طرف واحد لحكم مطلق، وإنما كانت أشبه بعقد بين طرفين يستلزم حقوقا وواجبات لكلا الطرفين.
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يهتم بفرض سلطته السياسية على القبائل العربية التي كانت تدخل في الإسلام، بقدر اهتمامه بأمر التوحيد والصلاة والزكاة؛ لذلك نجده يخاطب الملوك المعاصرين له، ويدعوهم إلى الإيمان برسالته، ويعدهم بالمحافظة على ملكهم تحت أيديهم، ولم يطلب منهم التخلي عن سلطاتهم السياسية لسلطته؛ وهو ما يعني أن الرسول الكريم لم يكن بصدد تغيير الأنظمة السياسية القائمة بقدر اهتمامه بنشر الدعوة الإسلامية، فضلا عن أن يكون بصدد تشكيل حكومة دينية مشابهة للحكومات اليهودية القديمة التي كان يقودها الكهنة أو القياصرة بدعم من باباوات الكنيسة في العصور الوسطى.
وخلافا لعادة ملوك ورؤساء القبائل في تلك الأيام بتوريث الحكم والخلافة إلى أبنائهم وأهل بيتهم، لم يعين النبي صلى الله عليه وسلم خليفة بعده، ولم يضع دستورا للحكم من بعده، إلا أن الصحابة قد أدركوا بعقولهم ضرورة إقامة خليفة لرسول الله؛ لينفذ الشريعة الإسلامية، وينجز المهام السياسية والعسكرية التي تركها الرسول.
اختيار الخليفة
يلاحظ مما جرى في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يوجد نص
|
|
الكاتب والمفكر العراقي أحمد الكاتب
|
ديني على الخلافة أو على كونها في قريش أو في هذا البيت، أو في هذا الرجل أو ذاك، وأن كل ما حدث في السقيفة كان تلقائيا وعفويا، ومن وحي الاجتهاد السياسي للصحابة.
وقد مثلت مسألة الشورى والبيعة نقطة دستورية مهمة في تجربة انتخاب أول خليفة للمسلمين؛ حيث تمت بيعة أبي بكر الصديق على مرحلتين: الأولى في سقيفة بني ساعدة، والثانية عندما ذهب إلى المسجد وبايعه عامة المسلمين في المدينة، وقد عنيت تلك البيعة أن السلطة للأمة تخولها بإرادتها لمن تشاء، ولمن تفوضه لتطبيق الشريعة الإسلامية، والحفاظ على مصالح الأمة.
وكان عمر بن الخطاب يشارك أبا بكر الصديق مفاهيمه عن الشورى والبيعة وحق الأمة في انتخاب أئمتها؛ حيث يقول: "لا خلافة إلا عن مشورة، ومن دعا إلى إمارة نفسه أو غيره من غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه".
وانطلاقا من تلك الرؤية رفض الخليفة عمر بن الخطاب كسلفه تحويل الخلافة إلى ملك عضوض بأن يورث الحكم إلى أبنائه، رغم اقتراح بعض الصحابة عليه ذلك، الأمر نفسه بالنسبة لعثمان بن عفان الذي اعترف بأن الأمر يعود في النهاية إلى الأمة؛ حيث يقال إنه عندما اشتدت المعارضة ضده فكر بالاستقالة، وأرسل إلى علي وطلحة والزبير وقال لهم: "هذا أمركم تولوه، واصنعوا فيه ما شئتم".
أما علي بن أبي طالب فقد كان يؤمن بحق الأمة في الشورى، وبحق جميع المسلمين في الترشح والانتخاب؛ حيث يقول: "الواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل أن لا يعملوا عملا، ولا يحدثوا حدثا، ولا يقدموا يدا ولا رجلا، ولا يبدءوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماما عفيفا ورعا عالما بالقضاء والسنة".
حقوق وواجبات
لم تعن البيعة الطاعة المطلقة للخلفاء؛ إذ كانت الطاعة مشروطة بالتزام الإمام بطاعة الله وأحكامه وقوانينه، وهذا ما انعكس في خطبة أبي بكر الأولى إثر توليه الأمر؛ حيث قال: "أيها الناس، إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم... إلخ".
وتدل هذه الخطبة على التزام أبي بكر بحدود معينة للسلطة؛ حيث أعلن شروطا لتولي السلطة تحرر الأمة من الخضوع له إذا ما أخل بها، وأكد أن الخلافة ليست سلطة ديكتاتورية مطلقة، وأن الخليفة ليس مخولا من الأمة بلا قيد أو شرط، أو أنه حر بالتصرف بأموال الناس وأشخاصهم كيفما يشاء.
وبالإضافة لذلك كان الخلفاء يعتبرون أنفسهم أمناء على الأمة ومصالحها، وينظرون إلى المال العام باعتباره مال المسلمين، وليس مالا خاصا للحاكم يتصرف به كيف يشاء، فيحرصون على جمعه بحق، وتوزيعه بعدالة وذلك تنفيذا لقول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء : 58].
وقد كان من حق الأمة في ذلك الوقت المعارضة والإصلاح إذا ما تجاوز الخليفة الحدود الشرعية، ففي إحدى المرات سأل عمر أصحابه قائلا: "لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فسكتوا، فقال ذلك مرتين أو ثلاثا، فقال بشر بن سعد: لو فعلت ذلك لقومناك تقويم القدح (يعني القوس)، فقال عمر: أنتم إذن! أنتم إذن".
أسئلة بلا إجابات
ويرى الكاتب أنه بالرغم من تفرد تجربة الصحابة ونجاحهم في الإجابة على كثير من الأسئلة التي واجهتهم، فقد ظلت هناك معضلة في بعض المسائل، خاصة تلك المتعلقة بحصر الخلافة في قريش؛ حيث قال أبو بكر يوم السقيفة: "إن هذا الأمر (يقصد الخلافة) لا تدين العرب فيه إلا لهذا الحي من قريش"، وأيده في ذلك عمر بن الخطاب.
ويرى -أيضا- الأمر نفسه بالنسبة لعهد أبي بكر إلى عمر من بعده بالخلافة؛ حيث كان من المفترض أن يترك الأمر للأمة لكي تختار من تريد، أو يشكل مجلسا للشورى من أهل الحل والعقد لينتخب الإمام من بعده، ولكنه اجتهد في آخر يوم من حياته، وشاء أن يعين عمر خليفة من بعده، وإن كان عمر قد صحح ذلك الوضع باختياره مجموعة من الصحابة لاختيار الخليفة من بينهم، ولكن الوضع عاد ثانية للاضطراب في عهد عثمان بن عفان، خاصة بعد أن أخذ يولي أقاربه على الأمصار ممن لم يكن له مع النبي صحبة، ويؤثرهم على غيرهم، لكن المشكلة كانت تكمن في عدم وجود مؤسسة دستورية كمجلس الشورى للتعامل مع مثل هذه الأمور ومعالجتها بشكل سلمي.
وبعد وفاة عثمان وتولي علي بن أبي طالب الخلافة، كان من الواضح أن فهم علي بن أبي طالب الدستوري يقوم على اشتراط الرضا العام، والبيعة بالاختيار وليس بالإكراه والعنف، وعندما تحقق من حصول ذلك، قَبل البيعة وأصبح أميرا للمؤمنين، إلا أنه وبسبب الفتنة الكبرى، عادت الأمور إلى نقطة الصفر، وسيطر الأمويون الطلقاء على السلطة، وأقاموا نظاما جديدا وضع خاتمة لعهد الخلفاء الراشدين، وقد اتسم ذلك النظام بفقدان الشورى، وغلبة الاستبداد.
ويذهب الكاتب إلى أن نظام الخلافة الدستوري، لم يكن قويا بما فيه الكفاية حتى يصمد أمام الهزات الداخلية، فيحتوي المعارضة ويحافظ على نفسه من الانحراف والانهيار، أو يضمن انتقال السلطة من خليفة إلى آخر بشكل يحافظ على حالة الاستقرار السياسي، ويحافظ بالتالي على استمراريته وبقائه.
الانقلاب
مثلت سيطرة معاوية بن أبي سفيان على السلطة بالقوة، وسن نظام الوراثة في الحكم انقلابا على أهم مبادئ الخلافة وصفاتها الضرورية، وتحولا نحو القيصرية والكسروية؛ فقد كان هناك خيط فاصل بين الخلافة والملك، وهو العدل والشورى ورضا الأمة بالإمام، وعندما كان أي حاكم ينتهك هذا الحد حتى ولو كان منتخبا من الأمة، فإنه يفتقد صفة الخلافة.
وقد حاول بعض الحكام العباسيين إضفاء صبغة دينية على نظام حكمهم، مما جعلهم يطلقون فكرة "الخلافة الدينية"، وقام بعض الفقهاء بالتنظير لذلك، واعتبار كل الحكام منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى زمانهم خلفاء بدرجة أو بأخرى، والقول بضرورة استمرار سلسلة الخلافة إلى يوم القيامة، ويبدو أن السبب في ذلك أن العباسيين كانوا يعتبرون أنفسهم من أهل البيت.
وتكرست الصفة الدينية للخلافة العباسية بعد أن فقدت سلطتها وتحولت إلى "خلافة رمزية" في ظل سيطرة البويهيين، والسلاجقة، والأتراك، وقد كان ذلك تطورا كبيرا، ابتدأه عبد القاهر البغدادي الذي اعتبر "الخلافة والإمامة ركنا من أركان الدين"، والماوردي الذي اعتبر الخلافة "مؤسسة ضرورية للدين والدنيا"، وذهب الإمام أبو حامد الغزالي إلى إضفاء مسحة غيبية على الخلافة؛ من خلال التأكيد على دور الغيب في نصب الإمام، باعتبارها "رزقا إلهيا يؤتيه من يشاء".
حماية الاستبداد
لم يقتصر الأمر على إضفاء صبغة الخلافة على الأنظمة اللاشرعية، وإنما تمت تغطية كثير من القوانين الاستبدادية باسم الدين، وبناء فكر سياسي جديد يدعو الجماهير للخنوع والاستسلام، ويعطي الحكام صلاحيات ديكتاتورية مطلقة.
ويرى الكاتب أنه تمت عملية إضفاء صبغة الخلافة على الأنظمة الاستبدادية، وتغطية سلوكها المعوج، عبر أصلين تشريعيين جديدين، غير الكتاب والسنة، هما: القياس والرأي.
والمقصود "بالسنة": الأحاديث الضعيفة والمتناقضة، وأخبار الآحاد المشكوك بصدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتي كانت تنتشر وتتكاثر في القرون الثلاثة الأولى، فرغم وجود شكوك حول صحة كثير من الأحاديث، وبالخصوص أخبار الآحاد، إلا أن أهل الحديث "الحنابلة" أطلقوا على كل ما وصل إليهم من أحاديث اسم: "السنة"، وفي هذا يقول أحد أعمدة المذهب الحنبلي وهو البربهاري: "اعلم رحمك الله أنه ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وإنما التصديق بآثار الرسول بلا كيف ولا شرح، ولا يقال: لم؟ وكيف؟ والكلام والخصومة والجدال والمراء محدث، ويقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة"، ويذهب الكاتب إلى أن أحمد بن حنبل رفض القياس والعمل بالرأي، وذهب إلى تفضيل الأحاديث الضعيفة والمرسلة على الرأي، واعتبار ذلك أصلا من أصول السنة، ووصل الحال بأتباعه أن يضعوا أخبار الآحاد في موازاة القرآن أو أعلى منه، وذلك بقولهم: "إن السنة حاكمة على القرآن، وإنها تخصص عموم القرآن" ويرى أنه نتيجة لذلك الانفتاح الواسع على الأحاديث، وقبولها بغض النظر عن معارضتها للقرآن، وقع "أهل السنة" ضحية أحاديث تضفي قداسة على عموم الصحابة، وذلك بال
رغم من تناقض نظرية عدالة الصحابة مع القرآن الكريم، الذي يربط بالدرجة العليا أي إنسان بالعمل الصالح حتى لو كان أقرب المقربين من الرسول.
وبالإضافة إلى السنة، اعتبر الفقهاء "الإجماع" أصلا مهما من أصول الدين، ودليلا مقطوعا به، لا تجوز مخالفته؛ إذ إن استصحاب الإجماع واجب أبدا؛ لأنه لا ينسخ كما ينسخ النص، ولا يختص كما يختص المفهوم، وبدّعوا وفسقوا مخالفه.
وقد اتخذ ذلك مدخلا لتأصيل نظام الخلافة السياسي، وصبغه بالصبغة الشرعية؛ حيث قام الإمام الجويني بتأصيل نظام الخلافة فقهيا وأصوليا على أساس الإجماع، بعد تضعيف الأحاديث الواردة بهذا الشأن، وقال: "إن الإمامة إنما تقوم على هذا الأصل"، وبالرغم من أن موضوع الخلافة كان موضوعا دنيويا عرفيا عقليا، ولم يكن أمرا دينيا منصوصا عليه في القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة، إلا أن الجويني عده من أمور الشرع، ورفض أن تكون الإمامة وفروعها مجالا للعقل
تخدير الأمة
ويؤكد الكاتب أن الفكر السياسي السني الذي تأسس على أصلي الحديث والإجماع قد قام بعملية تاريخية كبرى هي تغطية الاستبداد وتخدير الأمة، وتبرير الأمر الواقع، ومكافحة الفكر الثوري الشعبي الطامح للعدل والشورى والمشاركة السياسية، بعد أن أنتج فقهاؤه فتاوى تحث على الطاعة والتسليم لمن يغلب على السلطة بالقوة والقهر، وتحريم الثورة عليهم، وقد وصل الأمر لدرجة إجازة الوثوب على السلطة من أي قرشي في حالة عدم عهد الإمام السابق.
وصاحب ذلك تضخيم لدور الإمام "الحاكم" ومنحه صلاحيات واسعة، في مقابل سلب كل دور للأمة في صنع القرار أو إدارة عجلة الدولة، لاسيما بعد تحول الخلافة في العصر العباسي إلى مسألة دينية، كما مال الفقهاء إلى القول بأن الشورى مستحبة ومعلمة، وليست ملزمة للإمام، حتى لو كان مجيئه للسلطة بغير شورى أو انتخاب من الأمة، وإنما عن طريق القهر والغلبة، أو العهد من الإمام السابق؛ وذلك انطلاقا من المساواة بين الإمام -أي إمام- وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي إطار الصلاحيات المطلقة التي أعطاها الفكر السياسي السني للإمام سمح له بفرض اجتهاداته وآرائه السياسية، والفلسفية، والكلامية، والتاريخية، والفقهية على الأمة، أو تبني المدارس المذهبية المختلفة وفرضها على الأمة، بدلا من أن يترك للعلماء والجماهير حرية التفكير والانتقاء والالتزام بما يشاءون من نظريات وأفكار، وهو ما خلق حالة من الاستبداد الثقافي والديكتاتورية الفكرية، وقضى على الحوار العلمي الهادئ؛ فقد ادعى "النووي" الإجماع على وجوب الطاعة المطلقة للحكام، ورفض قتالهم والخروج عليهم، وإن كانوا فسقة ظالمين.
وخطى الفكر السياسي السني خطوة أبعد من ذلك بعد أن روج لثقافة استسلامية لعبت دورا كبيرا -عبر التاريخ- في إشاعة روح الخنوع أمام الطغاة، وهي الثقافة التي عرفت بعقيدة القدر والجبر، التي قامت القنوات السنية بنقلها وتكريسها كأهم ملامح العقيدة السنية الحنبلية، وهي ثقافة مناقضة لروح الثقافة القرآنية الحية التي كان يتمتع بها المسلمون في الصدر الأول، وقد استوردها "أهل الحديث والسنة" من الثقافة الاستسلامية التي صاغها العهد الأموي الاستبدادي بهدف تخدير الأمة المسلمة، ودفعها للرضوخ والخضوع للديكتاتورية الأموية.
خلافة ديمقراطية
بعد انهيار نظام الخلافة العثمانية، أخذ المسلمون يطالبون بالديمقراطية كخطوة ضرورية لمعالجة الأمراض التي كانت تفتك بها، وتهدد وحدتها، وكانت أفكار رواد النهضة والحركة الإصلاحية من أمثال خير الدين التونسي، والطهطاوي، والكواكبي، وجمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، وتلميذه الشيخ رشيد رضا، وغيرهم من المفكرين المسلمين ترفض الاستبداد العثماني باسم الخلافة، وتطالب بالتطور الديمقراطي في إطار الإسلام.
وتقدم الشيخ رشيد رضا خطوة إلى الأمام؛ فرفض الأحكام الدستورية التي تجيز انتخاب الإمام بواسطة شخص واحد، وتخلى عن النظرية السنية التقليدية بوجوب طاعة الإمام مهما كان ظالما أو فاسقا، ورد النظرية السنية التقليدية التي تقول بشرعية الاستيلاء على السلطة بالقوة، والمنافية للديمقراطية بشدة، فأكد أن الشورى هي قاعدة الحكم في الإسلام.
وبناء على تحليله لواقع الدولة العثمانية المريض، قدم الشيخ رشيد برنامجا إصلاحيا، يتمثل في إحياء منصب الإمامة بإعادة سلطة أهل الحل والعقد المعبر عنه بالجماعة لإقامة الحكومة الإسلامية الصحيحة القائمة على الشورى، وقال: "إن حكومة الخلافة إسلامية مدنية قائمة على أساس العدل والمساواة".
تأييدا لذلك التوجه الديمقراطي، دأب الكثير من المفكرين المسلمين على التأكيد على مبدأ الشورى، فقال الشيخ محمد أبو زهره: "إن الجامعة الإسلامية يجب أن تبنى على الشورى؛ لأنها الأصل في كل أمر للمسلمين"، وطالب ببناء النظام السياسي على أساس العقل؛ لأن النصوص الواردة في سياسة الحكم محدودة للغاية، والثابت منها غير مفصل، وقال عبد القادر عودة: "إن نظام الحكم الوحيد الذي عرفه الإسلام قائم على دعامتين؛ إحداهما: طاعة الله واجتناب نواهيه، والثانية: الشورى.
ويعبر زعيم حركة النهضة التونسية الشيخ راشد الغنوشي عن تطور كبير في الحركة الإسلامية المعاصرة باتجاه التزام الديمقراطية فيقول: "إن الشورى في الإسلام ليست حكما فرعيا من أحكام الدين يستدل عليه بآية أو بآيتين، أو ببعض الأحاديث والوقائع، وإنما هي أصل من أصول الدين، ومقتضى من مقتضيات الاستخلاف".
ومن الواضح إذن اختلاف هذا الفكر الديمقراطي الإسلامي اختلافا جذريا عن فكر دعاة "إعادة الخلافة" كما كانت عليه في التاريخ، بل إنه يشكل ثورة على الفكر السياسي السني؛ وذلك لأنه يعتبر الحكم مدنيا، وينزع الهالة الدينية عن السلطة، وينفي وجود نص على الخلافة من الرسول صلى الله عليه وسلم، ويفتح الباب أمام المسلمين لاستيراد أفضل النماذج السياسية الديمقراطية من مختلف التجارب الإنسانية العالمية، ليس هذا فحسب، بل ويعتبر رواد هذا الفكر أن الخلافة أقرب ما تكون إلى النظام الديمقراطي الذي يقوم على قاعدة "حكم الشعب بالشعب ومن أجل الشعب"، والذي يتضمن عملية انتخاب الإمام من قبل الأمة، ومجلسا للشورى بصلاحيات ملزمة، وقضاء مستقلا، وحريات عامة، وتعددا حزبيا، وحقا بالنقد والمعارضة، وتبادلا للسلطة بشكل سلمي.
باحث مصري
|